فجأة أصبح اليمن في قلب السرد الأمريكي والموضوع الأساسي على قائمة أولويات إدارة الرئيس جوزيف بايدن في الشرق الأوسط، فما اتخذه من قرارات وما يتعرض إليه من ضغوط لإنهاء الحرب المستعرة في اليمن يظهر أنه جزء من إعادة ترتيب مسار الخارجية الأمريكية التي لم تلتفت في عهد الرئيس دونالد ترامب لحقوق الإنسان وقدمت مصلحة شركات السلاح والصفقات مع الدول الديكتاتورية على مسار الدبلوماسية والسلام.
وفي 4 شباط/فبراير ألقى الرئيس بايدن خطابا من مبنى الخارجية وصف فيه الحرب في اليمن بأنها «كارثة استراتيجية وإنسانية» ويجب أن تتوقف. ولكن كيف؟ هذا السؤال مرتبط بتفاصيل خطته التي برز منها حتى الآن قراره وقف الدعم الأمريكي للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية وتعليق مؤقت لصفقات أسلحة إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة وتعيين مبعوث خاص لليمن، هو الدبلوماسي المخضرم تيموتي ليندركينغ. وأضاف إلى كل هذا إلغاء تصنيف إدارة ترامب في أيامها الأخيرة الحوثيين كحركة إرهابية.
وهي خطوات مهمة تعبر عن الحاجة الملحة لوقف حرب كارثية جعلت من أفقر بلد عربي على حافة المجاعة ودمرت الغارات الجوية بناه التحتية وانهار نظامه الصحي وقتل أكثر من 112.000 شخص ووصفته الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وزادت الحرب حركة الحوثيين قوة بشكل جعلت من تنازلهم عما حققوه أمرا صعبا، على الأقل في الوقت الحالي.
بين الإرضاء وشهوة السلاح
كما أن خطوات بايدن تتعلق في النهاية بما سيقوم بفعله لاحقا. وبدا واضحا أن الأزمة اليمنية تتكون من شقين إستراتيجي وإنساني حيث لم تبرز هذه الثنائية في رؤية باراك أوباما وترامب، وهما اللذان دعما التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين لأسباب متعلقة بالعلاقة مع السعودية، فقد قدم أوباما دعمه للحرب في محاولة لترضية الرياض بعد توقيع الاتفاقية النووية مع إيران، أما ترامب فلم يكن معنيا بالظرف الإنساني قدر اهتمامه بصفقات الأسلحة والتغطية على الديكتاتوريين. وكما أشارت مجلة «إيكونوميست» (13/2/2021) فمواجهة أمريكا الأزمة اليمنية مهمة لأنها مرتبطة بشراكتها المستقبلية مع السعودية. وتعود هذه الشراكة إلى لقاء فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود على متن بارجة أمريكية قرب البحيرات المرة في مصر عام 1945 ولم تعد فاعلة مع بداية القرن الجديد. وتعرضت العلاقة لهزات بعد هجمات 9/11 التي أشرف عليها أسامة بن لادن وشارك فيها 15 سعوديا وأدت إلى ربط الأمريكيين المملكة بالإرهاب. ولم تكن على ما يرام في عهد أوباما المتهم بالتخلي عن حسني مبارك في 2011 وتوقيع اتفاقية مع إيران تزعم السعودية أنها منحت منافستها القوة والشرعية. ولم يكن مفاجئا الترحيب السعودي بترامب وفرش السجاد الأحمر له عندما زارهم ومشاركته في رقصة العرضة التقليدية، فقد كان فرحا برؤية ظهر أوباما.
ومن هنا فإدارة بايدن تأتي إلى البيت الأبيض ولديها مواقفها من النظام السعودي، حيث حمل الديمقراطيون طوال فترة ترامب راية التذكير بالمعاناة اليمنية ومرروا قرارات عدة تدعو ترامب لوقف تصدير السلاح إلى السعودية والتي كان يتحايل عليها بالفيتو أو بمبرر الطوارئ ومواجهة إيران.
جدل العلاقة
وكما أشارت صحيفة «الغارديان» (12/2/2021) فإدارة بايدن ليست معجبة بنظام محمد بن سلمان، المتهم بخروقات حقوق الإنسان وتقييد حرية التعبير والتورط بمقتل صحافي «واشنطن بوست» جمال خاشقجي في 2018. وبدا الموقف من السعودية واضحا في تصريحات بايدن أثناء الحملة الانتخابية عندما تعهد بوقف «الصك المفتوح» الذي قدمه ترامب للديكتاتوريين مثل محمد بن سلمان، كما وصف السعودية بالمنبوذة. وبعد توليه الحكم لا يستطيع بايدن التخلي تماما عن السعودية باعتبارها حليفا مهما بالمنطقة للولايات المتحدة ولأنها منتج مهم للنفط. ومن المتوقع أن يقيم علاقات تتمسك بالمبادئ التقليدية للسياسة وتفهم مخاوف السعودية من إيران، في ظل تصريحات فريق بايدن بإمكانية العودة للاتفاقية النووية. وفي الوقت نفسه عدم التسامح مع تصرفات وتجاوزات ولي العهد التي غض ترامب الطرف عنها. ومن هنا فسرت التحركات الأخيرة من السعودية من الإفراج عن الناشطة لجين الهذلول وعن مواطنين أمريكيين والإعلان عن إصلاحات مدنية بأنها تنازلات ومحاولة للتزلف من بايدن كما بدا في افتتاحية «واشنطن بوست»(11/2/2021).
تغذية الكارثة
وما يهم في اليمن هو أن الولايات المتحدة ظلت تغذي الحرب فيه. وفي مقال لروبرت مالي (المدير السابق لمجموعة الأزمات الدولية ومبعوث جوزيف بايدن الجديد لإيران) وستيفن بومبر مدير السياسة في مجموعة الأزمات الدولية في مجلة «فورين أفيرز» (عدد فبراير/مارس 2021) قدما فيه محاولة نقدية للدور الأمريكي في حرب اليمن والذي بدأ من أوباما. وأكد الكاتبان أن فكرة «تطمين» الجانب السعودي كانت الدافع وراء تورط الولايات المتحدة في الحرب اليمنية. فهي وإن رغبت بعودة الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي طرده الحوثيون من صنعاء باعتباره حليفا، إلا أن محاولة ترضية دول الخليج كانت العامل الأهم. ويتساءل الكاتبان عن سبب تورط أمريكا في هذه الحرب التي قال السعوديون إنها ستكون سريعة وبولغ فيها بتقدير الدعم الإيراني للحوثيين.
وعلق الكاتبان: «لعبت الولايات المتحدة دورا كبيرا في اليمن منذ البداية وعليها الإجابة على دورها في تلك المأساة ولأسباب أخلاقية وإستراتيجية». وبعد رحيل ترامب الذي تعامل مع اليمن كفرصة لصفقات أسلحة، على إدارة بايدن فك العلاقة مع اليمن والمساعدة في وقف الحرب فيه. وفوق كل هذا عليها تعلم الدروس الحزينة لأن قصة التورط الأمريكي فيها هي صورة عن شراكات متجادلة وتعلل بالأماني ومنفعة. ففي محاولتها تجنب صدع مع حليف مهم انتهت الإدارة الأمريكية لأوباما التي حاولت الابتعاد عن مشاكل المنطقة متواطئة مع أسوأ الصراعات فيها. ولعل الخطأ الفادح لواشنطن أنها واصلت التورط في الحرب رغم تصاعد الضحايا والتدمير.
وواصلت الولايات المتحدة تقديم الوقود في الجو والأسلحة والمعلومات والاستخبارات والمتعهدين لمساعدة الطيارين السعوديين. وفعلت كل هذا على أمل أن تحرف مسار التحالف وترشده. والأهم من كل هذا أصبح الخوف من إيران حقيقة، ذلك أن طهران رأت في الحرب فرصة لتوريط منافستها وبكلفة قليلة، بل وعززت من قدرات الحوثيين العسكرية الذين باتوا قادرين على ضرب العمق السعودي بصواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة. صحيح أن السعوديين كانوا سيشنون الحرب بموافقة من أوباما أو بدونها، لكن لم يكن بمقدورهم مواصلة الحرب لولا الدعم الأمريكي. وأكد الكاتبان على ضرورة مساعدة أمريكا في تنظيف الفوضى التي أسهمت بخلقها. وعليه فالنهج الحالي الذي بدا من تصريحات الرئيس ومستشار الأمن القومي، جيك سوليفان ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، تظهر اعترافا بقصور نهج أوباما، لكن الاعتراف بالخطأ لا يعني ارتكاب خطأ جديد.
مشاكل
ويواجه بايدن عدة مشاكل في تعامله مع الأزمة اليمنية، فبعيدا عن الأزمة الإنسانية التي تبدو الدافع الأساسي لإلغاء قرار ترامب المتعلق بالحوثيين، هناك الواقع اليمني المفكك، فالحرب ليست بالضرورة بين الحوثيين وتحالف تقوده السعودية نيابة عن الحكومة اليمنية، بل وبين فصائل متعددة، كل يحاول التنافس والحصول على حصة من اليمن المفكك. وفشلت خمس جولات من المفاوضات بين حكومة عبد ربه منصور هادي المدعومة من السعودية وقوات الحوثي في إنهاء الحرب. ورغم خروج شريكة السعودية الإمارات منه إلا أنها لا تزال تدعم جماعاتها الانفصالية وتتعلل بشعارها الإيديولوجي في محاربة الإسلام السياسي.
ويظل اليمن هو الثمرة الناضجة من بين مشاكل الشرق الأوسط على أجندة الإدارة الجديدة، ويحتاج بايدن للحذر في التعامل معه وعليه التقدم بحذر وتطمين السعوديين. ولكن السؤال إلى أي مدى عليه المضي في التأكيد لهم، خاصة أن أوباما فعل هذا وخلق مشاكل. ولعل السؤال الأهم الواجب على إدارة بايدن الإجابة عليه هو: كيف يمكن للولايات المتحدة تجنب التواطؤ في كوارث مماثلة؟ والبداية من إعادة تقييم الشراكة الأمنية مع دول الخليج، فهل تعني دعم هذه الدول حتى لو دخلت في حروب كارثية أم البحث عن توازن يجنب الولايات المتحدة التورط في نزاعات حتى لو أثر هذا على مصالح تأمين الطاقة؟
الأمن البشري
ويقتضي حل الأزمة اليمنية تحولا من التركيز على المصالح الإستراتيجية ومشاكل الجيوسياسية إلى الأمن البشري والاهتمام بالإنسان اليمني. وفي مقال بمجلة «فورين بوليسي» (10/2/2021) دعت الأكاديمتان جيني سوارز وإريكا فينثال إلى إعادة ضبط السياسة الأمريكية بشأن حرب اليمن إذا كانت أمريكا تريد إنهاء معاناة الشعب اليمني مع إعادة وضع نفسها كوسيط دبلوماسي في الصراع المدني اليمني. وبموجب هذا فعلى إدارة بايدن التركيز على مصالح الأمن البشري، ليس فقط لمعالجة الأزمة الإنسانية الكارثية في اليمن ولكن أيضا للضغط على أطراف النزاع، بما في ذلك حلفاء أمريكا، للتوصل إلى تسوية تفاوضية. وسيساعد التركيز المتجدد على الدبلوماسية وإعادة تدفق المساعدات الإنسانية على خفض التوترات في جميع أنحاء الخليج والشرق الأوسط الكبير في هذه العملية.
ولفهم ما يجري في اليمن، نحتاج إلى تجاوز اعتبار الجوع والمرض الحاد والواسع النطاق كأضرار جانبية غير مقصودة للنزاع. فكما اقترح الخبير الأول في المجاعات، أليكس دي وال، فاليمن – مثل سوريا والصومال ودارفور.. وشمال أوغندا – هو حالة وصفها بـ «جريمة مجاعة». فمن خلال الإغلاق والحصار والهجمات على البنى التحتية المدنية، يدمر المتحاربون سبل العيش والتجارة والنشاط الاقتصادي، ويعطلون المساعدات الإنسانية. فجرائم المجاعات هي مشاريع سياسية يعتبر فيها أطراف النزاع أن بعض المجموعات يمكن الاستغناء عنها ولا تستحق الانقاذ. وتشمل أنماط استهداف البنية التحتية المدنية في زمن الحرب تدمير المياه والصرف الصحي والطاقة والزراعة وصيد الأسماك والنقل والبنى التحتية الصحية. وتساهم هذه الهجمات المتفشية في مستويات غير مسبوقة من الجوع الحاد والاحتياجات الإنسانية في اليمن. إن مهاجمة الأهداف «التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين» محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني إلا إذا اقتضت الضرورة العسكرية ذلك. وأشارت الباحثتان إلى أنه من بين بين 1941 حادثة في قاعدة بيانات خاصة باليمن بين عامي 2010 و2019، تم استهداف 67 في المئة من قطاعي الزراعة أو صيد الأسماك، والذي يشمل المزارع والأسواق ومطاحن الدقيق وشركات تصنيع الأغذية وقوارب الصيد ومزارع الدواجن والثروة الحيوانية. بدأت الغالبية العظمى من هذه الهجمات بعد عام 2015 عندما استخدم التحالف بقيادة السعودية الغارات الجوية لتدمير أهداف مدنية، بما في ذلك المستشفيات والبنية التحتية الزراعية والطرق والجسور وأنظمة المياه. من عام 2010 إلى عام 2014 كانت الهجمات المبلغ عنها على البنية التحتية نادرة، حيث نفذتها في المقام الأول جهات فاعلة غير حكومية تابعة للقبائل المحلية، وركزت على تخريب أنابيب النفط والغاز ومنشآت الكهرباء، في كثير من الأحيان سعيا للحصول على امتيازات معينة من السلطات المركزية والمحلية. ومع اشتداد الحرب مع حملة القصف التي تقودها السعودية، استهدفت قوات الحوثي والقوات الموالية لهادي المتحالفة مع الحكومة المعترف بها دوليا والميليشيات السياسية في جميع أنحاء اليمن البنى التحتية المدنية، مما تسبب في أضرار إضافية لصحة المدنيين وسبل عيشهم. وكانت الهجمات على البنى التحتية المدنية واحدا من أسباب رفع أسعار الغذاء إلى ما هو أبعد من متناول معظم اليمنيين. فبحلول عام 2017 تقلص الاقتصاد اليمني إلى حوالي نصف حجمه في عام 2015 بينما ارتفع معدل الفقر من 49 في المئة في عام 2014 إلى ما يقدر بنحو 62-78 في المئة في عام 2016. وأدى انخفاض قيمة العملة بعد منتصف 2018 إلى ارتفاع كلفة الغذاء، مع الخسائر الهائلة في قيمة الريال اليمني. وكانت الآثار الاقتصادية على قطاع الطاقة وتوفير الكهرباء وخيمة بشكل خاص، حيث لا تستطيع الدولة تحمل تكاليف استيراد الوقود الذي تحتاجه لتشغيل محطات المياه ومحطات الصرف الصحي وخدمات الكهرباء. وبناء على هذا فإدارة بايدن تملك فرصة لتغيير سياسة أمريكا بشكل أعمق في اليمن. ولمنع حدوث جريمة مجاعة، يجب على أمريكا إعادة الاستثمار في المساعدات الإنسانية والإنمائية ودعم الجهود الدبلوماسية التي تجلب جميع أطراف النزاع إلى طاولة المفاوضات وإنهاء القيود المفروضة على التجارة والواردات إلى اليمن. ومع ذلك، فإن المساعدات الطارئة قصيرة الأجل غير كافية لاستعادة سبل العيش، وتسهيل توليد الدخل، وضخ الاحتياطيات التي تشتد الحاجة إليها في النظام المصرفي اليمني. وأمر أخير يتعلق بقبول الأطراف المعارضة للسعودية في واشنطن أي سياسة، فكما أشارت مجلة «فورين بوليسي» (11/2/2021) و»الغارديان»(12/2/2021) فالتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي يطالب بمنع كامل لصفقات السلاح مع السعودية والإمارات بل والضغط على حلفاء واشنطن مثل بريطانيا لعمل نفس الأمر.