أصبح واضحا ان تحركات الصدر في الآونة الأخيرة، تبعث رسائل للعراقيين والأحزاب والدول، بأن أتباعه سيقودون الحكومة المقبلة بكل الطرق ومنها القوة.
بغداد-“القدس العربي”: طرح انتشار قوات سرايا السلام التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، في بعض مدن العراق، بمبرر مواجهة تهديدات أمنية، لم تؤيد الحكومة وجودها، تساؤلات عن أهداف ذلك التحرك وصلته بأوضاع العراق عموما وبتداعيات إقليمية ودولية.
وقد تابع العراقيون بقلق، انتشار القوات الصدرية، بشكل مفاجئ في بعض شوارع مدن النجف وكربلاء وبغداد، بعد مزاعم من التيار الصدري عن وجود تهديد أمني يستهدف “المقدسات” في وقت لم تعلن فيه السلطات الحكومية وجود معلومات عن تهديد أمني، ولذا قوبل التحرك الصدري بانتقادات واسعة، حيث عده العراقيون وقوى سياسية، استعراضا للقوة وتجاوزا على الحكومة والمواطنين، وتصرفا انفراديا في الشأن الأمني، إضافة إلى انتقادات للحكومة جراء سكوتها عن تجاوز الفصائل الولائية على واجبات القوات المسلحة، مما يعزز ضعفها مقابل تغول تلك الفصائل.
وفي محاولة لتبرير نشر القوات الصدرية في المدن، ذكر قائدها مقتدى الصدر، خلال مؤتمر صحافي عقده في مقر إقامته بمحافظة النجف، أن “ما قامت به سرايا السلام ليس ضد هيبة الدولة، بل هو لأجل تعزيز هيبة الدولة المفقودة”! وأشر المراقبون تناقضات واضحة في حديث الصدر، فهو يعلن، “نحن مع التظاهرات الإصلاحية ضد الفساد، بشرط أن تكون سلمية” في الوقت الذي أعلن فيه ناشطو التظاهرات، ان أتباع الصدر وجماعات مسلحة أخرى تتصدى لهم وتلاحقهم. وهو يعلن “دعمه للقوات الأمنية، للتصدي للمندسين ودعاة العنف من المتظاهرين المشاغبين” ولكنه يقول “إن القوات الأمنية في حالة انهيار وفي خطر محدق”. وفيما يكرر “ضرورة المحافظة على هيبة الدولة التي انتهكها الكثير من الأطراف الداخلية والخارجية” فإن العراقيين يعدون تكرار نزول “سرايا السلام” الصدرية بدون مبرر هو تدمير لهيبة الدولة. وحتى دعوة الصدر “لتهيئة الأجواء الديمقراطية لأجل إنجاح الانتخابات المبكرة، ليكن تنافسنا من خلال الحوار والطرق السلمية وترك العنف” ينسفها لجوء الصدر مرارا إلى انزال قواته إلى الشارع وتهديده المعارضين.
وجاء التحرك الصدري بعد انتقادات لمقتدى الصدر وأتباعه ودورهم في قمع ناشطي التظاهرات، خلال تجمع يوم الجمعة الماضي لناشطي التظاهرات في محافظة النجف (مقر الصدر) لإحياء ذكرى ضحايا التظاهرات. وفي ذلك التجمع، ردد المشاركون شعارات ضد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وأتباعه، ما أثار غضبهم، فأصدروا بيانا اتهموا فيه المشاركين بأنهم “بعثيون ودواعش” إضافة إلى تنفيذ حملة اغتيالات وخطف للناشطين وقعت في كربلاء والنجف والناصرية.
ومع ان حكومة مصطفى الكاظمي، التزمت الصمت أزاء تحركات سرايا السلام، وهو ما عده المراقبون تأييدا حكوميا للصدر، وتمهيدا لتحالف الكاظمي معه في الانتخابات المقبلة، إلا ان التحركات الصدرية، قوبلت برفض شعبي وسياسي واسع وذكرت بأعمال “جيش المهدي” ذو التاريخ الطائفي المعروف. وردا على ادعاء الصدر، انهيار القوات الأمنية، أكد عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية النائب عبد الخالق العزاوي، أن القوات الأمنية تقوم بواجباتها وغير منهارة، رغم التحديات الأمنية المتعددة وتكرار الخروقات بين فترة وأخرى” مشيرا إلى “انجازات تتحقق في تفكيك خلايا إرهابية وقتل واعتقال قادتها”.
وفي تحذير من خطورة التحركات الصدرية، اعتبر القيادي السابق في حزب الدعوة عزت الشابندر، في لقاء تلفزيوني، إن “انتشار سرايا السلام صعدت من شكل الصراع على السلطة، ويراد منه ايصال رسالة دولية بأن التيار الصدري هو الأقوى وهذا يعطي المبرر لجميع الأطراف للتلويح بالسلاح. وقد دخلنا مرحلة خطيرة جدا من مراحل الصراع على السلطة” كاشفا أن “هناك تحركات للقوى الشيعية مثل تحالف الفتح (يضم الفصائل الولائية) وائتلاف دولة القانون والحشد الشعبي بشأن انتشار سرايا السلام” فيما توقع ان يكون “مصطفى الكاظمي آخر رئيس وزراء قبل الفوضى”.
وفي السياق، ربط مراقبون بين تحركات الصدر الأخيرة، وبين مواقف إيرانية ومنها توجيه المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي، رسالة إلى شباب العراق، قال فيها: “أبشركم بمستقبل العراق المشرق وانه رهن أيديكم وهممكم العالية!”. بالتزامن مع زيارة رئيس القضاء الإيراني ابراهيم رئيسي للعراق، وتشديده ان “العلاقات والتعاون بين إيران والعراق تذهب نحو الاتساع والتطور في مختلف المجالات”. وقد لوحظ انه منذ مجيء الرئيس الأمريكي جو بايدن ، تصاعد تشدد طهران واتساع تحركات الفصائل الموالية لها في العراق، وسط تزايد زيارات مسؤولي الحكومتين لإحكام ربط العراق بإيران سياسيا وأمنيا واقتصاديا. فيما يبدو انه تحرك إيراني مبرمج لاستغلال ضعف الدور الأمريكي في المنطقة لتسريع التوجه نحو الساحة العراقية، ولإصلاح الأضرار التي تعرض لها حلفاء إيران بعد الاحتجاجات الشعبية في تشرين الأول/أكتوبر عام 2019 التي كان أبرز مطالبها محاربة الفساد والحد من نفوذ الميليشيات والجماعات الموالية لإيران في العراق.
ولا شك ان تحركات الصدر، ليست بعيدة أيضا عن الخلافات العميقة بين القوى الشيعية قبيل الانتخابات المقبلة، حيث يتبادل القادة الشيعة، الاتهامات والانتقادات باستخدام السلاح للتأثير على الانتخابات، وتأجيج العنف الطائفي في العراق، وحصص الفصائل في قيادة الحشد الشعبي، فيما رفضت أغلب القوى الشيعية إصرار الصدر بأن يكون رئيس الحكومة المقبل من التيار الصدري حصرا حتى قبل إجراء الانتخابات، وغيرها من نقاط الخلاف، ولذا يبدو ان خصوم الصدر مرتاحون لتورطه في التجاوز على سلطة الدولة والشعب، وذلك لإضعاف قاعدته الشعبية في الانتخابات المقبلة.
وأصبح واضحا ان تحركات الصدر في هذه الآونة، تبعث رسائل للعراقيين والأحزاب والدول، بان أتباعه سيقودون الحكومة المقبلة بكل الطرق ومنها القوة، وانها لا تعير اهتماما لبقية القوى الشيعية والسياسية والشعبية، كما أكد التيار الصدري فشل حكومة الكاظمي في فرض سلطتها على الشارع وعدم قدرتها على لجم الفصائل المسلحة، بما ينسجم مع سيناريو اضعاف الدولة لصالح هيمنة الفصائل المسلحة الولائية.