عبد الحميد دبيبة
لندن– “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا لمراسلتها فيفيان يي ومحمد عبد السميع عن الحكومة الانتقالية الليبية التي وعدت بالسلام والوحدة والانتخابات الديمقراطية وكيف رد المواطن الليبي الشاك بهذه الوعود والتي سمعها من قبل.
وأشارا إلى الأعلام الليبية التي ارتفعت فوق المباني وأعمدة الكهرباء للاحتفال بمرور عشرة أعوام على الإطاحة بمعمر القذافي. وكان هناك سبب آخر للاحتفال، فبعد عقود من الاقتتال الداخلي وعدم الاستقرار تم الاتفاق على حكومة مؤقتة تعد بتوحيد البلاد وعقد انتخابات ديمقراطية في نهاية العام. لكن المظاهر الاحتفالية تبدو مجرد سخرية للناس الذين ينتظرون أمام البنوك ساعات طويلة كي يحصلوا على رواتبهم وفي محطات الوقود التي يتوفر فيها البترول لفترات متقطعة ولأحمد القامودي الذي عاش في بلدته عين زارة خارج طرابلس بدون كهرباء مدة شهرين.
وقال القامودي، 31 عاما “سمعت هذا الكلام منذ ثمانية أعوام ولم يتغير شيء سوى أننا نكبر في العمر”. ويعمل القامودي في مقهى لـ 14 ساعة في اليوم كي يحصل على المال الكافي لإصلاح بيته الذي دمر في أثناء الحرب. وقال “كل عام يصبح الوضع أسوأ. وكل حكومة تأتي تتعهد بأنها لن تبقى أكثر من عامين قبل عقد الانتخابات. وما يحدث هو العكس، والشيء الوحيد الذي يحدث هو الحرب”. وموقفه الساخر متجذر في التجربة، فبعد سقوط الديكتاتور القذافي أثناء الربيع العربي رأت ليبيا آمالها في الحرية والتغيير الأكبر وسط دوامة متكررة من التقدم الدبلوماسي إلى الانسداد الذي تتبعه الحرب، ويعاني الليبيون في خلال كل هذا التعاسة والشقاء العظيم.
بعض الدبلوماسيين والمحللين يرون أن الحكومة التي أعلنت برعاية الأمم المتحدة من خلال محادثات جنيف تمثل تقدما مهما مع أنها ليست ضمانا للسلام والاستقرار
لكن الدبلوماسيين والمحللين يرون أن الحكومة التي أعلنت برعاية الأمم المتحدة من خلال محادثات جنيف تمثل خرقا مهما مع أنها ليست ضمانا للسلام والاستقرار. وتم اختيارها من 74 سياسيا وشخصية مؤثرة في ليبيا ويقصد من هذه الحكومة الانتقالية التقدم خطوة نحو توحيد البلد الغني بالنفط بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2020.
وقالت الباحثة في شؤون ليبيا بمجموعة الأزمات الدولية كلوديا كازيني “حتى وقت قريب كان من الصعب تخيل عقد انتخابات كهذه. وحصلت الحكومة المؤقتة على دعم قوي أو فاتر من كل اللاعبين المتورطين في اللعبة الليبية وأصحاب المصالح التجارية والمتنافسين الإقليمين والأجانب. وقالت كازيني “لم أكن لأراهن ولو بسنت واحد على منبر الحوار الذي رعته الأمم المتحدة”، مشيرة لحوارات أخرى فشلت بسبب تخريب الدول الخارجية أو الخلافات بين المشاركين فيها. و”لكننا لم نشاهد رد فعل قويا، ولهذا أعتقد أن هذه العوامل مجموعة تبشر بخير. وربما لم يتحقق شيء ولكن طالما لم نواجه ردا عسكريا مباشرا فهذه أخبار جيدة”.
ولعل الحذر نابع في جزء منه من الرجل الذي اختير لكي يكون رئيسا للحكومة الانتقالية، عبد الحميد دبيبة. فهو رجل أعمال ثري من مدينة مصراتة. ويمثل دبيبة للكثيرين عهد القذافي من “ثقافة الفساد” كما أشار أحد المحللين. ولكنه يعتبر داخل النخبة الليبية شخصا غير أيديولوجي يمكنه التعامل مع أي طرف ويتوصل معه إلى صفقة. وقال طارق المجريسي، المحلل الليبي في المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية “دبيبة، فقط اسم العائلة يترك مرارة في أفواه الليبيين”، ولكنه أضاف أن القادة الجدد “لديهم من الناحية الفنية المفتاح للخزينة، ولأن كل طرف يريد منفذا إلى خزينة الدولة وغير ذلك، فسيحاولون العمل معهم”.
ولم يرد دبيبة على طلب للمقابلة مع الصحيفة. إلا أن محللين آخرين كانوا أقل تفاؤلا ولاحظوا أن الأمم المتحدة التي دعمت منبر الحوار السياسي الليبي فشلت بتقديم مجموعة من القادة الانتقاليين ممن لهم علاقات مع الدوائر السياسية الليبية والمناطق الثلاث التي تتكون منها ليبيا. ولكن المنبر أدى إلى جماعة ينظر إليها كمتحالفة مع تركيا التي تعد واحدة من القوى الأجنبية التي لديها تأثير على ليبيا.
وفي الحملة التي استمرت 15 شهرا وقادها القائد العسكري من الشرق خليفة حفتر، ضد الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس، فقد دعمته الإمارات ومصر وروسيا. ولم يوقف الحرب سوى التدخل التركي نيابة عن الحكومة الانتقالية حيث أجبر حفتر على التراجع عن العاصمة. إلا أن حفتر الذي لا يزال معظم الشرق تحت سيطرته رحب بالحكومة الجديدة، وهو ما فاجأ الجميع وقادهم للاعتقاد أنه يرى فيها فرصة له. ومع أنه كان يواجه خطر التهميش بسبب هزيمته الأخيرة إلا أن موافقته على الحكومة الجديدة ضرورية. فدبيبة والمجلس الرئاسي، المكون من ثلاثة أشخاص، ضعيفون بدون دعم الأطراف الأخرى.
مع أن حفتر كان يواجه خطر التهميش بسبب هزيمته الأخيرة إلا أن موافقته على الحكومة الجديدة ضرورية
وكتب ولفرام لاتشر من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية بمقال مشترك مع عماد الدين بادي من المجلس الأطلنطي أن المجموعة المكونة من 74 شخصا لا تمثل كل النخب الليبية. ويمكن لبقية الفصائل المتنافسة أن تنتهز الفرصة والتشارك في غنائم الثروة النفطية وتقوية عملائها والجماعات المسلحة كما فعلت مع الحكومات الليبية السابقة. ويجب على الحكومة المعينة تشكيل حكومة مقبولة من كل الفصائل والحصول على مصادقة مجلس النواب الذي انقسم إلى قسمين ولا يمكنه الاتفاق على اللقاء في مدينة واحدة.
ولو استطاعت الحكومة عبور هذه العراقيل فستواجه مهمة توحيد البلاد ومؤسساتها مثل المصرف المركزي الذي أدى الانقسام إلى شل البلاد وحرمان اقتصادها والموظفين من موارد الثروة النفطية الهائلة. وهناك مهام أخرى مثل إعداد قانون انتخابي وإطار لدستور جديد وانتخابات عامة في كانون الأول/ديسمبر. وبالنسبة لسكان طرابلس فهذه مظاهر قلق بعيدة، وما يهمهم هو الميليشيات التي تسيطر على العاصمة وانقطاع التيار الكهربائي والمستشفيات التي تعاني من ضغط كوفيد -19 ونقص الدواء وزيادة أسعار المواد الأساسية بما في ذلك الأرز والحليب والطماطم.
وفي بعض الأماكن لا يمكن الحصول على الكاز إلا من السوق السوداء. وهذا راجع لقلة السيولة النقدية وانتظار الساعات الطويلة أمام البنوك. وقالت أمينة درهمي، 41 عاما، التي كانت تنتظر أمام البنك لسحب راتب والدها “جاءت الكثير من الحكومات وذهبت وكلها وعدت في البداية بتحسين الوضع” و”لكنك تشاهدين بعينيك الوضع وكل هذه الأزمات موجودة منذ سنين”. ويعاني والدها من السرطان ولا يتوفر دواء له في أي من المستشفيات التي حاولت الوصول إليها. وفي الوقت الذي تحاول فيه وعائلتها النجاة ينتشر المرتزقة والقوات الأجنبية في أنحاء البلاد وتعلق “كأننا ندفع ثمن كل هذا، من جيوبنا وصحتنا وحياتنا”.