عاموس عوز، أ. ب يهوشع، دافيد غروسمان ومئات آخرون من الاسرائيليين المحترمين والشهيرين جدا توجهوا بعريضة الى البرلمان البلجيكي بطلب لان يتخذ قرارا بالاعتراف بـ «فلسطين» ابو مازن كدولة. وحسب المنشورات، فان كتابا مشابها سيرسل الى برلمانات دول اخرى لحثها على اتخاذ ذات القرار. وقد مرت المنشورات عن العريضة بصمت، بلا انتقاد تقريبا، وحتى بلا نقاش جماهيري. وبقي الموقعون جد محترمين ووطنيين – قشدة المجتمع الاسرائيلي.
وكما يتناسب وملح البلاد، كتب الموقعون بانهم «مواطنو اسرائيل ممن يريدون أمنها وسلامتها». ولكن في دولة ومجتمع طبيعيين، فان فعلتهم كانت لتعتبر مناهضة للوطنية لدرجة اجتياز الخطوط. ولما كان محظورا اطلاق هذا الانتقاد عندنا، لان الوطنية هي ملجأ النذل، فسنركز على الديمقراطية. وفي هذا المجال لا ينبغي أن يكون سوء فهم – فالتوجه الى البرلمانات الاجنبية هو فعل غير ديمقراطي، يحطم قواعد اللعب. ففيه محاولة لتجاوز آليات الحسم الداخلية بين المواطنين. فالبرلمانات الاجنبية مطالبة بان تتدخل لاحباط موقف معظم مواطني الدولة، والاستخفاف بطريقة حسم الاغلبية، التي هي الميزة الاساس للديمقراطية.
إن المس بالديمقراطية مثير جدا للاهتمام، كون الموقعين وشركاءهم في الرأي بالذات معتادون على استخدام مبالغ فيه بسمو الديمقراطية لمهاجمة الطرف السياسي الثاني. ومؤخرا فقط خرجوا بادعاء عابث ضد قانون القومية، في ظل التلويح العصبي بعلم الديمقراطية. ففي العريضة نفسها يحث الموقعون البرلمانيين الاجانب على العمل لان «مبادرتكم بالاعتراف بدولة فلسطين ستدفع الى الامام فرص السلام وتشجع الاسرائيليين على الوصول الى حل للنزاع».
غير أن هذه لغة مغسولة ومزدوجة الاخلاق، كل هدفها ان تقول: شعبنا الخرب لا يفهم جيدا ولا ينتخب الحكومة التي نريد. وعليه، تعالوا وانقذونا من الاغلبية، مارسوا على حكومتنا وشعبنا ضغطا شديدا، بما في ذلك التهديد والعقوبات، واذا لم يفهموا – فأجبروهم على قبول موقفنا.
ليس صدفة أن عاموس عوز، يوسي سريد وموقعين آخرين أعربوا غير مرة عن تأييدهم لتحطيم الاواني التام ورفض اليسار لدرجة أعمال الثورة، بل ان عوز أعرب مؤخرا عن تأييده لرافضي وحدة 8200، ممن خرجوا ضد الحرب على مطلقي الصواريخ من غزة. ويطور شركاؤهم في الرأي منذ سنين استراتيجية المقاطعات التي بدأت في بلدات المناطق وانتقلت الى الجامعات وعموم مؤسسات الدولة. والى جانب المقاطعات، التوجه الى الهيئات القضائية الدولية كي تجبر هذه كبار رجالات وضباط الدولة، بالقرارات القضائية والعقوبات، على الاستماع لمواقفهم.
بالمفارقة، فان العريضة الحالية لا تختلف في جوهرها عن تصريحات حنين الزعبي التي بحثت في محكمة العدل العليا أمس فقط. ففي النقاش صدم القاضي ملتسار من دعوة الزعبي محاصرة اسرائيل وقضى بان ليس لها سابقة. غير ان الكُتّاب، الدبلوماسيين، الممثلين والبروفيسوريين المبجلين، الموقعين على العريضة، يدعون، عمليا، الى ذات الحصار. وهم يفعلو هذا بذكاء اكبر بكثير من ذكاء النائبة من الناصرة – التي اعتبرتها أغلبية الجمهور عدوة الدولة، ولكن الميل مشابه: محاولة احداث نزع شرعية دولية لدولة اسرائيل واجبار اغلبية مواطني الدولة على قبول الفهم الذي يطرحه الموقعون.
هكذا تحاول أقلية بائسة يمثلها الموقعون، من خلال قوى خارجية أن تفرض رأيها على معظمنا. وهذا لا يهم كم هو مقنع في أنه يعمل في صالح الدولة، فطريقة العمل تحطم الاواني. كما أنها تنصب كبار كهنة اليسار ضد الديمقراطية الاسرائيلية.
معاريف الاسبوع10/12/2014
نداف هعتسني