بالأبيض والأسود… أفلام جديدة بخيار جمالي قديم

حجم الخط
0

كثرت في السنوات الأخيرة، الأفلام المصورة بالأبيض والأسود، وهذا من محاسن السينما المتبدلة في كل حالاتها دوماً، بجماليات جديدة أو قديمة مستعادة. وهذا ما يدعو إلى القول إن التصوير بالأبيض والأسود لم يعد تمثيلاً لزمن الإنتاج، أو لم يعد إحالة إلى مرحلة قديمة من عمر السينما. الأبيض والأسود، لم يكن أساساً كذلك إلى سنوات قليلة بعد إشاعة التصوير الملون (التكنيكلر) حتى طغت الألوان وتراجع تماماً الأبيض والأسود، ليعود في العقدين الأخيرين بشكل خجول، وفي السنتين الأخيرتين بشكل أكثر حضوراً، مرسخاً فكرة أن الأبيض والأسود خيار فني وليس اضطراراً زمنياً.
كأي مرحلة تقنية/فنية جديدة في تاريخ صناعة السينما، يتقدم الجديد على القديم (الصوت، الألوان، الديجيتال، الستريمينغ، الخ) بتراجع تدريجي للقديم إلى أن يختفي. هذا ما كاد أن يطال التصويرَ بالأبيض والأسود، رغم مرحلة امتدت لسنين قليلة قاوم فيها بعض المخرجين خيار الألوان، لأسباب اقتصادية، كما هي الحال مع أفلام «الموجة الجديدة» الفرنسية الأولى، أو لأسباب جماهيرية إضافة إلى الاقتصادية، كما هو فيلم «Psycho» لألفرد هيتشكوك، الذي لم يُرد «فجاجةً» في مشهد الدوش الشهير، فجاجة اللون الأحمر لدم بطلته وهو يملأ البانيو.
أفلام «الموجة الجديدة» مثال جيد على ذلك، ففرانسوا تروفو الذي راوح بين الملون والأبيض والأسود، لم يكن راغباً، جداً بالانتقال إلى الألوان. في مقابلة قديمة معه في مجلة «دفاتر السينما» قال: «إذا أخذنا بعين الاعتبار الجانب الجمالي للمسألة، فإنني أعتقد أن الفيلم يجب ألا يقلد فن الرسم. إنني ضد التناسق اللوني المدروس بعناية. لم أشغل نفسي أبداً بالموازنة بين لون قبعة ولون ستارة».
بمعزل إذن عن الأسباب الاقتصادية، أو تلك التي تعطي اعتباراً مبالغاً فيه للجمهور، كما هو معظم عمل هيتشكوك. لاستخدامات الأبيض والأسود، تلك التي صمدت بعد شيوع الألوان، وتلك التي عادت بعد انقطاع لعقود، انحيازات جمالية بامتياز، مهمومة بالشكل والمضمون في الفيلم، معطية اللقطة، المشهد، الحركة، الزمن في هذه الحركة، الأداء، وكل هذه التداخلات بين الشكل والمضمون، قيمتَها الجمالية العليا، بدون تشويشات سيميائية (لاسينمائية) يمكن أن تشي بها الألوان في الصورة.

لا تفند هذه الكلمات (أو المقالة) استخدامات الألوان في الأفلام كقيمة غير جمالية، بالعكس، هي كذلك متى حسن استخدامها (كما هي لدى الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني والسوفييتي أندريه تاركوفسكي والبولندي كريستوف كيشلوفسكي وآخرين) إنما تحتفي (المقالة) باستعادات الأبيض والأسود في السنوات الأخيرة، كخيار لا هو اضطراري ولا اقتصادي، بل هو جمالي يستعيد شكل كلاسيكياتٍ صنعت معنى السينما، منذ بدايات تشارلي تشابلن وبستر كيتن.
مثال سريع على ذلك هو نسبة هذه الأفلام، بالأبيض والأسود، إلى نسبة غيرها، الملونة، التي أنتجتها نتفليكس في السنوات الأخيرة، ومكانتها فنياً. نسبة الأفلام بالأبيض والأسود التي تنتجها وتبثها نتفليكس هي قليلة جداً، ونسبة الأفلام الجيدة على هذه المنصة هي كذلك قليلة جداً، لكن تقاطعاً بين هذه وتلك يجعل للأفلام بالأبيض والأسود حصة تفوق (جداً) نسبتها ضمن الأفلام الجيدة في المنصة. أذكر منها الفيلم الذي بدأ بثه قبل أسابيع قليلة «Malcolm & Marie» وقبله أفلام هي «Roma» «Elisa & Marcela» و«Mank» بالنسبة إلى البعض.
بالعودة زمانياً لسنوات قليلة، نجد أفلاماً أخرى، أهم وأجمل وأفضل، كان الأبيض والأسود عنصراً أساسياً في تشكيل هويتها البصرية. لكن، قبل ذكرها، أشير إلى فيلم عُرض بالألوان أولاً، كان من بين أفضل أفلام العقد الأخير، وهو «Mad Max: Fury Road» بألوان كانت أساسية فيه، وقيمةً إضافية في جمالياته، بثيمات صفراء حيث تجري الأحداث في الصحراء نهاراً، فينقلب العالم إلى أزرق ليلاً. أصدر مخرجه جورج ميلر، بعد سنتين منه، في 2017، نسخة بالأبيض والأسود من الفيلم ذاته، متحدياً الهوية البصيرة الفاتنة التي صنعتها الألوان، معطياً هوية جديدة تماماً، واستيعاباً جديداً للفيلم، لتفاصيله وكذلك حكايته، لكل ما يحتويه الإطار، وكانت صناعة وإضافة جماليتَين جديدتين للفيلم بنسخته الأولى. أشير كذلك إلى مخرج فرنسي اختار أن يصنع أفلامه الأخيرة كلها بالأبيض والأسود، هو فيليب غاريل الذي أبقى على هذه الروح الشعرية للأفلام في ستينيات القرن الماضي، أفلام الموجة الجديدة في فرنسا، والتي كان جزءاً لاحقاً منها آنذاك.
نعود إلى ذكر سريع لأفلام ممتازة وبالأبيض والأسود، عرضت في الصالات في السنوات الأخيرة، تُضاف إلى المذكورة أعلاه: »The Lighthouse» في 2019، «Cold War» في 2018، «Frantz» في 2016. والعودة قليلاً بالزمن يضيف أفلاماً أكثر وأفضل، قد لا يتسع المجال لها في جردنا السريع هذا لأفلام السنوات الأخيرة، قد يكون فاتنا ذكر بعضها.

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية