بغداد ـ «القدس العربي» ـ ووكالات: لوّحت وزارة الصحة والبيئة في العراق، أمس الجمعة، بفرض حظر شامل في حال تزايد إصابات كورونا، وفيما وصفت لجنة النزاهة في مجلس النواب، فرض غرامات على المواطنين لعدم إرتداء «الكمامة» أنها مخالفة دستورية، أصاب الفيروس رجل دين شيعي بارز.
وقال سيف البدر، المتحدث باسم الوزارة، في بيان صحافي، إن «الوزارة ستوصي بفرض حظر التجوال الشامل في حال تزايد إصابات فيروس كورونا» لافتا إلى أن «وزير الصحة، قال إنه خلال أسبوعين سنُقيم الوضع الوبائي في العراق، وإذا استمرت الإصابات سنوصي بفرض الحظر الشامل».
وأضاف أن «القرار النهائي سيكون للجنة العليا والصحة والسلامة الوطنية» موضحا، أن «السلالة الجديدة من كورونا لديها قدرة واسعة على الانتشار وإصابة الأطفال والشباب، وأعراضها أشد من السلالة السابقة».
وأكد أن «اللقاح الذي سيصل نهاية الشهر الحالي سيكون فعالاً لسلالتي كورونا، وأن البروتوكول الصحي المعتمد حاليا أيضاً فعال ضد كورونا المتحور».
وفرضت السلطات إجراءات أمنية وصحيّة مشددة، رافقها فرض غرامات مالية (نحو 18 دولاراً) على المواطنين غير الملتزمين بالإجراءات الوقائية، ونحو (40 دولاراً) على المركبات المخالفة لشروط حظر التجوال، الأمر الذي عدّته عضو لجنة النزاهة البرلمانية، عالية نصيف، أنه «سرقة مقننة» خصوصاً أن الحكومة لم توفر «الكمامات» للشعب مجاناً قبل تطبيق قراراتها الأخيرة.
وأضافت في بيان صحافي أمس، إن «الحكومة باشرت بفرض غرامة بمبلغ 25 ألف دينار على كل مواطن لا يرتدي كمامة، وهذا الإجراء يخالف (المادة 28 الفقرة ثانياً) من الدستور التي تنص على أنه لا يجوز فرض جباية أو رسوم على ذوي الدخول الواطئة، علماً أن الذين لا يستطيعون شراء الكمامات أوضاعهم المعيشية أسوأ حتى من أصحاب الدخول الواطئة، وسعر علبة الكمامات 20 ألف دينار، فهل يشتري الفقير لعائلته الخبز ولأطفاله الحليب أم يشتري كمامات ليحمي نفسه من غراماتكم؟ وكيف تفرضون عليه غرامات وأنتم لا توفرون له الكمامات؟».
وتساءلت: «أين تذهب هذه الغرامات؟ و ضمن أي باب يتم تبويبها؟» مبينة أن هذه «سرقة مقننة» حسب قولها.
«تهرب من المسؤولية»
كما كشف النائب، ظافر العاني، أن الخسائر المالية التي يسببها الحظر الشامل تتجاوز المبالغ المخصصة لشراء اللقاحات، مبينا أن اللجوء لفرض الحظر هو تهرب من مسؤولية توفير اللقاح.
وقال، في «تغريدة» «على «تويتر» أمس، إن «الخسائر المالية التي يسببها حظر التجوال أكبر بكثير من مبلغ اللقاح الذي لو وفرته الحكومة لما أضطرت لقطع أرزاق الناس وخاصة الفقراء الذين يعيشون على كفاف يومهم».
وفي محافظة كركوك، أقدم سائق سيارة أجرة على حرق سيارته احتجاجا على تغريمه لمخالفته حظر التجوال.
وقال مدير النجدة في المحافظة، العقيد مازن أحمد، أن «سائق سيارة أجرة مخالفا لتطبيق حظر التجوال تم تغريمه رسميا من مفرزة مرورية، في منطقة رأس الجسر وسط كركوك، ما دفعه لإحراق مركبته اعتراضا على الإجراء».
وبدأت أعداد الإصابات اليومية بالارتفاع في الأيام الأخيرة ـ فاقت الثلاثة آلاف إصابة يومياً، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات صارمة لكبّح انتشار السلالة الثانية من الوباء.
وأصاب الفيروس، رجل الدين الشيعي البارز (المرجع) إسحاق الفياض.
بيان لمكتبه أفاد أمس، أنه «أظهرت آخر الفحوصات إصابة سماحة الشيخ الفياض بفيروس كورونا».
وأضاف أن «الحالة الصحية للمرجع الآن مستقرة ويدعو لجميع العراقيين بالعافية وحسن العاقبة وأن يدفع الله عنهم البلاء والوباء، كما يرجو أن لا ينسوه من خالص دعائهم».
ويبدو أن قناعة عدد من العراقيين بعدم خطورة الفيروس تؤثر على الانتشار، ففي غرفة الطوارئ المزدحمة في المستشفى العام الرئيسي في بغداد، وقف علي عباس مكشوفا، في انتظار والده المريض، حيث اختلط العشرات من المرضى وأقاربهم دون أقنعة.
سائق تاكسي يحرق سيارته احتجاجا على تغريمه في كركوك
قال عباس البالغ من العمر 21 عامًا في وسط طابق المستشفى، متحدياً قواعد المنشأة التي تتطلب الأقنعة: «أنا لا أؤمن بفيروس كورونا، بل بالله».
ودخل العراق مساء أول أمس، في أول يوم كامل لحظر تجول جديد فرضته الحكومة ردا على معدلات الإصابة التي عادت للظهور مرة أخرى بعد تخفيفها في الخريف الماضي.
وقال مسؤولان حكوميان، شريطة عدم الكشف عن هويتهما، إن الإغلاق الكامل، بما في ذلك إغلاق المطارات والحدود، يجري النظر فيه أيضًا.
وزادت الحالات الجديدة، التي انخفضت عن 600 حالة في اليوم قبل شهر واحد فقط، بشكل حاد، لتصل إلى 3896 حالة يوميًا في 18 شباط- فبراير وتقترب من الذروة اليومية في سبتمبر والتي تجاوزت 5000 حالة.
وحسب وزارة الصحة، 50 ٪ من الحالات الجديدة هي من السلالة الجديدة الأكثر عدوى التي ظهرت لأول مرة في المملكة المتحدة، وأصيب أكثر من 657000 شخص بالفيروس في العراق وتوفي 13220 منذ فبراير/ شباط من العام الفائت.
«أحارب الجهل»
وأخبر أطباء وكالة «أسوشيتيد برس» أنهم شاهدوا التصعيد آتيا منذ أسابيع. وإنهم يلقون باللوم على عامة الناس المهملين وحكومة غير قادرة على تطبيق بروتوكولات الفيروسات بالكامل.
وقال محمد شهد أخصائي أمراض الرئة في مستشفى الزهراء في بغداد: «أنا طبيب أحارب الجهل العام وليس الوباء».
في مستشفى الزهراء، بدأ العام بأربعة مرضى فقط في جناح العزل الذي يضم 90 سريراً. وبحلول بداية فبراير/ شباط، قفز ذلك إلى 30 مريضًا بالفيروس، وسط توقعات بالمزيد في الأسابيع المقبلة.
وقدر إسماعيل طاهر، الطبيب في مستشفى الشيخ زايد في ببغداد، أن شخصًا واحدًا فقط من بين كل 10 أشخاص يدخل المستشفى يرتدي الأقنعة.
وقالت وزارة الصحة في وقت سابق من هذا الشهر إن موجة جديدة كانت مدفوعة بالأنشطة الدينية – بما في ذلك صلاة الجمعة وزيارات الأضرحة – والحشود الكبيرة في الأسواق والمطاعم ومراكز التسوق والمتنزهات، حيث التحية بالمصافحة والقبلات هي القاعدة.
كما ألقت الوزارة باللوم على «بعض الأشخاص الذين يشككون علانية في وجود الوباء».
«لا يمثل مشكلة»
وقال يحيى الشمري، خريج جامعي يبلغ من العمر 28 عامًا، «إنها مجرد إنفلونزا». «ذهبت إلى المستشفى مرتين بدون كمامة ولم أصب بالعدوى».
وبين رحيم شبيب، 32 عامًا، إنه لاحظ كيف انخفضت معدلات الإصابة بعد زيارة الأربعين وقال: «إذن الله أقوى من كورونا».
وأوضح ماك سكيلتون، عالم الاجتماع الطبي في الجامعة الأمريكية في العراق في السليمانية، إن الموقف الرافض لم يكن متجذرًا في الجهل بقدر ما هو متجذر في الحقائق التي يواجهها العراقيون.
وقال إن العراقيين عانوا من الكثير من الكوارث في العقود القليلة الماضية، بما في ذلك الحروب والعنف السياسي والعقوبات، لدرجة أن كورونا «قد لا يمثل مشكلة كبيرة».
وبين أن «سياسات الحكومة بشأن الأوبئة، التي تركز على المستشفيات، لا تنسجم مع كيفية تعامل العراقيين مع المرض. في خضم سنوات من عدم الاستقرار، كان على العراقيين أن يبتكروا استراتيجياتهم الخاصة، لأن الرعاية الصحية إما لم تكن متوفرة أو أنهم لا يثقون بالمستشفيات، والتي أصبحت في ذروة القتال الطائفي أماكن خطرة للذهاب إليها، لذا فهم يبحثون عن صيادلة أو ممرضات أو مساعدة من الجيران أو حتى يعبرون الحدود لعلاج المرض».
وزاد سكيلتون، مدير معهد الدراسات الإقليمية والدولية بالجامعة: «معظم الأطباء ليسوا متفاجئين، فهم يعرفون أن المرضى سيرفضون الذهاب إلى المستشفى ما لم يلهثوا بحثًا عن الهواء وليس لديهم خيار آخر».
ويشير هذا أيضًا إلى أن إحصائيات وزارة الصحة، بناءً على الاختبارات في المعامل الحكومية، أقل من العدد، حيث قد يتخلى العديد من العراقيين عن الاختبار تمامًا ويختارون التعافي في المنزل.
والنظام الصحي المركزي في العراق، الذي لم يتغير إلى حد كبير منذ السبعينيات، تعرض للتراجع بسبب عقود من الحروب والعقوبات والاضطرابات المطولة منذ الغزو الأمريكي عام 2003. لم تستثمر الحكومات المتعاقبة سوى القليل في هذا القطاع.
وقال الأطباء إن اختلاط مرضى الفيروس بالآخرين أدى أيضًا إلى تفاقم أعداد الحالات، وكان مستشفى «الشهداء» مخصصًا فقط لمرضى الفيروس؛ لكن ليس بعد الآن، ويتشارك مرضى كورونا، وغيرهم في الغرف حيث يتم إجراء الأشعة المقطعية والتصوير بالرنين المغناطيسي والأشعة السينية.
وحتى الآن، لم يواجه العراق نقصًا في الإمدادات الطبية أو قدرة وحدة العناية المركزة. لكن الأطباء قالوا إن هذا قد يتغير إذا ارتفعت الحالات. وتخطط وزارة الصحة للبدء في إعطاء اللقاحات بنهاية مارس/ آذار.
مع تخفيف القيود بعد سبتمبر/ أيلول، عادت الحياة إلى العراق. في بغداد، المطاعم مكتظة ونادرا ما ترى الأقنعة. إلى الجنوب في البصرة، يقضي السكان يومهم وكأن الوباء لم يصل أبدًا إلى الشواطئ الجنوبية، ويتشاركون وجبات الطعام في المقاهي المزدحمة ويتصافحون.
وقال وزير الصحة حسن التميمي لـ«أسوشييتد برس» على هامش مؤتمر صحافي عقد مؤخراً: «تغيير الوعي العام هو الطريقة الوحيدة لوقف تفشي فيروس قاتل آخر».