القاهرة ـ «القدس العربي»: يراهن المذيع الموقوف عن العمل تامر أمين على الوقت حتى ينسى الجمهور جريمته التي ارتكبها في حق الصعايدة والفلاحين ويأمل في أن تنتهي محنته قريباً، بينما في الواقع يبدو ان تلك المعركة ستستمر لفترة، لأسباب منها أن كثيرا من كتّاب الصحف، وجدوا فيها متسعاً للدخول في معركة ينتصرون فيها للمظاليم، بعد أن عزّ هذا النوع من المعارك بسبب ما يحيط بمهنة الكتابة من مخاطر.. وأبرزت صحف أمس الاثنين 22 فبراير/شباط بعض البلاغات لجهات قضائية ضد تامر أمين، من قبل محامين وشخصيات عامة يتهمونه بالوقيعة بين المصريين وإهانة الملايين منهم في الصعيد والدلتا.
وزخرت صحف الاثنين بمزيد من المعارك من بينها ما هو موجه ضد الحكومة، وفي هذا السياق يأتي تحذير سليمان جودة في “المصري اليوم” الذي اتهم بعض المسؤولين والوزارات بالعمل ضد التوجهات الرئاسية. ومن تقارير صحف أمس الاثنين: ألقى رئيس مجلس النواب المستشار الدكتور حنفي جبالي، كلمة في افتتاح أعمال الجلسة العامة الثالثة للبرلمان العربي، المُقامة في مقر جامعة الدول العربية. وأشار المستشار جبالي إلى أن القضية الفلسطينية هي جُرح العرب الغائر وقضيتهم المركزية الأولى، مُبدياً التطلع لإعادة إحياء عملية السلام، على أساس قرارات الشرعية الدولية، كما أشاد جبالي بخُطط البرلمان العربي الطموحة للتعاطي مع القضايا والتحديات التي تواجه أمتنا العربية، مثمناً إنشاء البرلمان العربي لمركز الدبلوماسية البرلمانية العربية واللجنة المشتركة لمكافحة الإرهاب. أما محمود سلطان رئيس التحرير التنفيذي لـ”المصريون” فأقام سرادق عزاء لنقابة الصحافيين بمناسبة قرب الانتخابات على منصب النقيب الجديد مؤكداً: المشكلة أن جزءا ليس بالقليل من “كعكة” مجلس نقابة الصحافيين استحوذت عليه، نسخ مصغرة و”مشوهة” من نُخبة “ما قبل الدولة”.. أُهدرت عقود طويلة من النضال الوطني المصري من أجل تأسيس “الدولة الوطنية”. النقابة ـ في طبعتها الحالية ـ تجر قاطرتها “قبائل وعشائر” كل منها تستقوي على الأخرى بالعصبية الجهوية.. ولعل ذلك ما يجعلني أرى سرادقات الإدلاء بالأصوات المنصوبة في شارع عبد الخالق ثروت.. هي في فحواها الحقيقي سرادقات تلقي العزاء في “الفقيدة” العزيزة. ولا أراكم الله مكروها في عزيز لديكم. ومن أخبار الحكومة: أكدت وزارة التنمية المحلية، أنه لا صحة لما تردد بشأن اقتصار المشروع القومي لتطوير القرى ضمن المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” على رصف شوارع القرى، مُوضحةً أن المشروع يُعد أحد أهم المشروعات التنموية الشاملة للقرى المصرية، بالتعاون بين أجهزة الدولة كافة، لرفع قدرات البنية الأساسية للقرى من كل الجوانب، سواء الخدمية أو الاجتماعية، حيث تتنوع المشروعات ما بين تعليمية وصحية وخدمية، مثل مشروعات دعم البنية الأساسية للصرف الصحي، وتجديد شبكات مياه الشرب والغاز الطبيعي، وشبكات الاتصالات، بالإضافة إلى رصف الشوارع الرئيسية والطرق الواصلة بين القرى.
ليته يعلم
في معرض دفاعه عن الصعايدة والفلاحين، الذين أهانهم تامر أمين قال الدكتور محمود خليل في «الوطن»: “الصعيد مخزن الإبداع البشري في بر مصر. من هذه البقعة الطيبة من بلادنا خرج أكبر مفكرى التنوير في تاريخنا الحديث، مثل طه حسين والعقاد، وأعظم الشعراء وكتاب الرواية مثل أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبدالله وغيرهم، وأجمل الأصوات التي رتّلت وجوّدت القرآن الكريم مثل، محمد صديق المنشاوي وعبدالباسط عبدالصمد وغيرهما. منذ زمن بعيد لم يزل الصعيد يعطي بدون أن يأخذ. تركيبة البشر هناك تسكنها دائماً هذه المعادلة «معادلة العطاء بدون انتظار مقابل». على مدار سنين طويلة كان الصعيد يقدم المبدعين والعلماء والمتميزين في جميع المجالات إلى القاهرة، في حين كانت العاصمة كعادتها محكومة برؤية مركزية، تنظر فلا ترى إلا نفسها وأبناءها.على مدار العقود الماضية أهملت الحكومات المصرية المتعاقبة هذه البقعة من أرض مصر، فلم تبذل الجهد المطلوب في تنميتها أو تطويرها أو تحسين شروط الحياة لأهلها. وما أفدح الثمن الذي كان يدفعه أهل الصعيد ثمناً لهذا الإهمال، يكفي أن نتذكر معاً حادثة قطار العياط عام 2002. يحتضن الصعيد ثلث سكان مصر، هم ذخيرة الخير والحرب والبناء، ما أكثر ما زرعوا وما دافعوا عن هذا البلد، وأرهقت سواعدهم في بنائه، ورغم ذلك لا تعطيهم القاهرة إلا القليل. الغضب يكون على قدر العطاء. وغضبة أهل مصر جميعهم ضد ما وجّهه أحد الإعلاميين إلى أهل الصعيد كانت بحجم عطاء أهله للبلاد”.
إعلام بليد
انتهى الدكتور محمود خليل، إلى أن أزمة الإعلاميين ستظل جزءاً من مأساة الإعلام البليد الذي يجتهد في إعادة إنتاج الخطاب الرسمي بلا وعي، فيبالغ ويشتط ويبات ملكياً أكثر من الملك. هذه الطريقة في التعاطي مع الخطاب الرسمي، لا بد أن يعيد الإعلام النظر فيها، لأنها تضر أكثر مما تنفع، وتصرف الناس عن الاقتناع بما يُقال أكثر مما تجذبهم إليه. فارق كبير بين من ينتج المحتوى الإعلامي بمنطق الناشط الرسمي، أو كاتب المنشورات الدعائية، ومن يجتهد في إبداع مضمون تفسيري وتفصيلي يوضّح للناس المشكلات والقضايا والأفكار، بأسلوب مهني ومعلومات دقيقة وموضوعية قادرة على إقناعهم بالفكرة. الصراخ بالاتهامات وتسفيه أسلوب الشعب، والتعالي على طريقة تفكيره في الدين والدنيا والتاريخ والجغرافيا، لا تحل مشكلات، بل تزيد في عناد الناس ورفضهم رسالة الإعلام وأجهزته التي ينظر إليها من جانب الكثيرين، كجزء من أدوات السلطة. إنك تستطيع أن تقهر فرداً على السير في طريق معين، لكنك بحال لا تقدر على أن تُغيّر قناعاته الداخلية، وأن تمنعه من أن يُردّد في سره وهو يسير أنه غير مقتنع بهذا الطريق، أو تحول بينه وبين أن يتباطأ ويتلكع ويخرب لك في الطريق، الذي يسير فيه مجبوراً، حتى تأتي اللحظة التي يستطيع الفرار فيها. العجز عن الإقناع هو الذي يسوق الإعلاميين إلى تسفيه الشعب والتطاول عليه. العجز عن الإقناع هو جوهر الفشل والجهل المهني الذي يعيشه أي إعلام بليد.
شرف الخادمة
أزمة تصريح الإعلامي تامر أمين الذي احتوى سخرية من الصعايدة والفلاحين وطالت الخادمات اغضبت حمدي رزق في “المصري اليوم”: “ما ذنب الخَادِمَات؟ بلا ذنب وبلا جريرة وبلا تهمة، لطخت سمعة الخَادِمَات في معركة «عصبية» لا ناقة لهن فيها ولا جمل.. لهن الله من قبل ومن بعد، هذه المناحة المجتمعية على قول رذيل، ورد فيه حكي ممجوج مرفوض عن أهلنا في الصعيد.. رفقًا بالخَادِمَات، الخَادِمة مش الحيطة الواطية، كله يحط عليها هكذا في غمار معركة صفرية، الخَادِمة ليست معرة نستعر منها، ولا خطية نستغفر من ذنبها، ولا تنقض وضوء ناسها، ولا تنقص من شرف أهلها. الخَادِمة إنسانة شريفة تعمل في مهنة شريفة، وتأكل من عرق جبينها، وتكسب عيشها من هدة الحيل، وبري الأصابع من غسيل المواعين، وكسر الوسط في رعاية كبار السن والأطفال.. معلوم تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. طحن عظام الخَادِمَات في معركة «جهوية»، يورثهن يأْسًا وقنوطًا، ما هذا الوحل الذي نوحل فيه؟ الخدمة في البيوت مش عيب، مهنة شريفة، تؤمها نساء شريفات، ما خرجن إِلَّا تحت وطأة الحاجة، وربنا ما يحوجكم، الحوجة مُرة، وأمر من الصبار المغلي، وبدلًا من التسول، وانتظار وجبة سخنة من «بنك الطعام»، أو منحة مالية من «تكافل وكرامة» خرجن إلى سوق العمل، والأرزاق بالله. الخَادِمة أو الشغالة تقدم خدماتها مقابل أجر معلوم، وكم من سيدات شريفات يعملن في البيوت، ويُعاملن في هذه البيوت كأهل البيت تمامًا، وربما أفضل، نحِّ جانبًا بعض الموبقات المجتمعية من عديمي الأصل والرباية، يسومونهن سوء العذاب وَيَسْتَحْيُونَ عرضهن و.. المسكوت عنه، لكنه استثناء محزن لا ينسحب على قاعدة عريضة من بيوت الشرفاء التي تتشرف بالخَادِمَات الشريفات العفيفات.
سيفه الخشبي
ليست هذه هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، كما رأى عبدالله عبدالسلام في “الأهرام” التي يمتشق فيها مذيع سيفاً خشبياً يوجه به طعنات من الإهانات والسخرية والإساءات لفئة من الشعب، هو نفسه فعلها كثيراً وآخرون مثله، وكما تسرع بدون وعي بتلفيق التهم، تراجع بدون منطق، ولم يستطع أن يكون مقنعًا في الحالتين. للأسف، هناك توجه سائد ويتزايد، ألا وهو تحول أغلب برامج التوك شو إلى مساحة لاستعراض آراء وأفكار وعبقرية المذيع. لا تفرقة بين الخبر والتعليق. ما يقوله من إفيهات أو جمل قصيرة يعتقد أنها خلاصة الخلاصة، تصبح أخباراً يرسلها فريق البرنامج للمواقع الإلكترونية لتتصدر أخبارها الرئيسية. العمومية القاتلة سمة هذه التعليقات. يبدو بعضهم كما لو أنهم فلاسفة يضعون القواعد العامة ليسير عليها الناس. ليست هناك تفاصيل بل كلمات يتم تحويلها إلى عبارات باللون الأحمر أسفل الشاشة. لو تمت استضافة خبراء، فهم غالباً يؤكدون كلام المقدم الذي لا مجال للنقاش أو الاعتراض عليه. أكد الكاتب أنه ليست هناك تفرقة بين مسؤول أو برلماني من الضروري مساءلته وانتقاده، وبين مواطن يجب عدم تحويله إلى لوحة لتصويب السهام تجاهها. لا يعني ذلك أن المواطن محصن من النقد، لكن من الضروري التعرف على آرائه وليس اعتباره كماً مهملًا مطلوباً منه الاستماع للاتهامات وتحمل خفة دم السيد المذيع. الأخطر من ذلك، أن برامج التوك شوك، إلا ما ندر، لديها كراهية للمعلومة وللدراسات المحترمة. المذيع الذي اتهم أبناء الريف والصعيد بأنهم ينجبون أطفالًا للإنفاق عليهم، ويشحنون البنات للعمل خادمات، لم يعتمد على معلومة أو دراسة. حسب اعتقاده، كلامه هو المعلومة. ثم أن النسبة الكاسحة من المقدمين لم يعملوا في الصحافة التلفزيونية التي يمكن من خلالها التعرف على الناس، الذين يمارس التنظير عليهم بالأستوديو الفاخر الذي يقبع فيه. قد تكون الضجة المثارة فرصة لإعادة التفكير في فكرة برامج التوك شو نفسها وآليات عملها والمواثيق الأخلاقية التي تحكمها ومؤهلات العاملين فيها. أما إذا انتهت المسألة باعتذار وعقاب وقتي، فإن مقولة: لم نتعلم شيئاً ولم ننس شيئاً، ستبدو وكأنها ظهرت من أجلنا.
بين منير وتامر
فارق كبير بين السقطة والسقوط.. السقطة كما أوضح هشام مبارك في «الوفد» قد تكون عفو الخاطر ويمكن التجاوز عنها وغفرانها بمجرد الاعتذار عنها.. أما السقوط فهو اختياري، ولا يمكن تجاوزه أو نسيانه لو حتى بمليون تراجع أو اعتذار. ولولا أنني لست ممن يقتنعون بنظرية المؤامرة عمّال على بطال لقلت إن المطرب محمد منير قد عقد اتفاقًا مع المذيع تامر أمين لكي (يهرتل) بكلمتين عن الصعايدة ليخف الضغط عليه بعد ردود الفعل الرهيبة على سقوطه المختار بقراره الكارثي بالغناء في إسرائيل، فإذا بتامر يختار منطقة دوامات عنيفة ورمال متحركة بأن داس على شرفنا نحن الصعايدة فسقط في الهوة نفسها التي هوى فيها منير. خبر الغناء في إسرائيل نزل على جمهور منير الذي كنت منه، مع الأسف، كالصاعقة. صوت مصر الذي كبرنا على ضفاف ألحانه الشجية وكلماته المعبرة كيف يسقط هكذا؟ كيف يضحى بتاريخه الطويل ويمسحه بأستيكة. لو كان محمد منير غنى اغنية هابطة مثلا لقلنا إنها كبوة جواد. لكن ما يفعله منير بتاريخه ليس مجرد كبوة بل انهيار كامل؟ كيف يمكن أن نسمع منك يا منير بعد ذلك تغني “يا عروسة النيل يا حتة من السما ياللي صورتك جوه قلبي ملحمة” معقولة يا منير هان عليك شجر اللمون لهذه الدرجة؟ تغني في إسرائيل؟ ماذا ستقول لرفاق الدرب وكيف هو رد فعل عبد الرحيم منصور وأحمد منيب لو كانا على قيد الحياة؟ ألا ترى كيف أن كلمات منصور وألحان منيب باقية في قلوبنا وأسماعنا حتى اليوم، رغم رحيلهما بينما تريد أنت أن تمحو تاريخك وانت على قيد الحياة؟ أما عن سقوط تامر فقد اوضح الكاتب أنه وضع بنفسه نهاية مستقبله كإعلامي. يكفيه هذا جدا لأنه في الأصل ليس إعلاميا حقيقيا وكل صلته بالإعلام أنه ابن الراحل أمين بسيونى أمين اتحاد الإذاعة والتلفزيون.
بعضهم يخذلونه
لفت سليمان جودة في “المصري اليوم” الانتباه إلى أن بعض الوزارات والقائمين عليها يعملون ضد التوجهات الرئاسية: “في لقاء الرئيس مع عدد من رؤساء الشركات الأجنبية، قبل أيام، شدد على مبدأ توطين الصناعة محلياً، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يجرى فيها التشديد رئاسياً على هذا المبدأ بالذات.. فلا تكاد تأتي فرصة ذات صلة بالموضوع إلا ويعود رأس الدولة إلى التشديد على المبدأ ذاته من جديد، عندما أطلق الرئيس مبادرة تطوير الريف قبل أسابيع، لم يشأ أن يجعل الفرصة تمرّ، فشدّد على أن المنتج المحلي لابد أن يكون له نصيب واضح في عملية التطوير، ونشرت الصحف تشديد القيادة السياسية في هذا الشأن في صدر صفحاتها الأولى بالبنط العريض. ولكن يبدو أن مستويات ما دون الرئيس لها رأي آخر في الموضوع، والدليل على ذلك هو ما جرى في ممارسة محدودة كانت منعقدة في وزارة الكهرباء هذا الشهر، لتطوير منطقة شق الثعبان.. وكانت كراسة الشروط تنطوي على بند يجعل الأفضلية للمنتج المحلي بالنسبة التي يقول بها القانون، غير أن المشاركين في الممارسة فوجئوا في اللحظات الأخيرة بإلغاء البند الذي يفضل المنتج المحلي. تم ذلك بدون مقدمات وبدون تفسير.. وكان الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى غضب على مستويين: اتحاد الصناعات، واتحاد جمعيات المستثمرين، وتسبب الغضب على المستويين إلى إلغاء الممارسة نفسها إلى أجل غير مسمى.. وبغير أن يقال للناس لماذا جرى ما جرى ومَنْ المسؤول؟ ومَنْ يدري؟ ربما تكون هناك ممارسات أخرى تم معها الأمر نفسه في وزارات أخرى، فقفز المنتج الأجنبي في مكان المنتج المحلي وأزاحه بعيداً، بالمخالفة الصريحة لتعليمات أعلى مستوى في الدولة! وبالطبع فإن وزارة الصناعة غائبة عن الملف كالعادة.. ولا تزال الصناعة الوطنية تبحث عمن ينصفها، وعمن يقف إلى جوارها، وعمن لا يخذل الرئيس في توجيهاته، التي لا تحتمل أي غموض”.
لا تلعبوا بالنار
كالعادة.. والكلام لجلال عارف في “الأخبار” يحاول حكام أديس أبابا الهرب من مشاكلهم الداخلية بخلق المزيد من الأزمات مع الدول التي راعت دائماً علاقات الصداقة بين الشعوب، وسعت دائماً إلى التعاون والشراكة بين دول تتشارك في الحدود ويربط بينها النيل برباط لا ينفصم لأنه أقوى من كل أخطاء السياسة الإثيوبية ورهاناتها الخائبة. يحاول حكام إثيوبيا خلط الأوراق هرباً من حل لابد منه لأزمة السد الإثيوبي، لن يكون إلا باحترام الحقوق والقوانين الدولية باتفاق قانوني ملزم، يحفظ حقوق كل الأطراف ويفتح أبواب التعاون بينها. ويحاول حكام إثيوبيا تكرار ما فعلوه في أزمة السد بإنكار ما تعهدوا به وما التزاموا به في اتفاقات لا مجال للمساس بشرعيتها. ويتصور حكام إثيوبيا أن تصعيد الموقف مع السودان بشأن الحدود، يمكن أن يؤثر في تمسك السودان بموقفه الثابت في قضية الحدود، وحقوقه التي لا يمكن المساومة فيها بشأن السد الإثيوبي الذي أصبح واضحاً حجم المخاطر التي يمثلها على السودان، وحجم الخداع الذي مارسته أديس أبابا لتخفي حجم الأضرار الكارثية التي سيسببها السد الإثيوبي، التي تفرض اتفاقاً يضمن سلامة السد وكفاءة التشغيل والحقوق الثابتة في مياه النيل، بعيداً عن أوهام حكام أديس أبابا التي تقودهم من خطأ لآخر بدون تبصر بالعواقب. إذا كان حكام أديس أبابا يحاولون التغطية على ما يجري في بعض الأقاليم الإثيوبية من مذابح طالبت منظمات دولية بإيقافها والتحقيق في وقائعها. فهم يخطئون الحساب. وإذا كانوا يخلطون الأوراق أو يمارسون الضغوط على السودان الشقيق، أملاً في تغيير موقفه في أزمة السد، فلا مجال للتهاون في الموقف الحاسم بالتمسك باتفاق ملزم يحمي السودان من المخاطر ويحفظ له حقوقه.. ولا مجال لمحاولة فتح ملف الحدود، الذي أغلق باتفاقيات لا مجال للمساس بها. كل ما يفعله حكام أديس أبابا أنهم يلعبون بالنار بدون وعي بأنهم سيكونون أول ضحاياها.
للخلف در
وضع محمد سعد عبد الحفيظ في «الشروق» يده على أبرز أسباب الأزمة التي تواجهنا: “على الرغم من تقدم مصر درجتين في التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية الخاص بمؤشر الفساد العالمي لعام 2020، فإن ترتيب بلدنا تراجع إلى المركز الـ(117) عالميا مقارنة بـ(106) في 2019. حصلت مصر في التقرير الذي صدر منذ أيام على 33 نقطة من أصل 100، وتمثل المئة نقطة أعلى درجات الشفافية وأقل مستويات الفساد، في حين أن «الصفر» يشير إلى الفساد الكامل. عربيا احتلت مصر المركز الـ11، لتتخلف على دول مثل الإمارات التي تصدرت الترتيب العربي تليها قطر ثم عمان والسعودية والأردن وتونس.. تشمل مظاهر الفساد التي يغطيها مؤشر الفساد، وفقا للموقع الرسمي للمنظمة، الرشوة، واختلاس المال العام، وانتشار ظاهرة المسؤولين الذين يستغلون المناصب العامة لتحقيق مكاسب شخصية دون مواجهة العواقب، المنظمة قالت في تقريرها إنها رصدت تحديات فساد متعلقة بجائحة كورونا في منطقة الشرق الأوسط، إذ افتقرت المستشفيات والمراكز الصحية العامة إلى الموارد والتنظيم اللازمين للاستجابة بشكل فعال مع الموجة الأولى لكورونا، حيث عانت المستشفيات العامة من نقص في الإمدادات والموظفين، ما عرّض مقدمي الرعاية الصحية للخطر، فضلا عن غياب الدقة والشفافية في تقديم الأرقام والبيانات. حرية الصحافة واستقلال وسائل الإعلام وتعامل الحكومات مع منظمات المجتمع المدني، من أهم القواعد التي تعتمد عليها «الشفافية الدولية» في ترتيب مؤشرها للفساد، فكلما تراجعت مستويات حرية الصحافة في الدول تزايدت معدلات الفساد، الدول الأكثر فسادا هي الأقل في حرية الصحافة ونشاط المجتمع المدني”.
لو حرروها
إذن والكلام ما زال لمحمد سعد عبد الحفيظ غياب الصحافة الحرة التي تراقب أعمال الحكام كوكيل عن المحكومين، يفتح أبواب الفساد على مصراعيه، فالحكومات التي تتحرى الشفافية في أدائها، لا تتخوف من رقابة الصحافة على أعمالها وقراراتها وسياساتها، فلا تُخفي معلومة ولا تمنع خبرا ولا تنزعج من رأي حتى لو كان فيه شطط. في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذي نُشر مطلع القرن الماضي، يقول المفكر الإصلاحي العربي عبدالرحمن الكواكبي إن «الاستبداد أصل لكل فساد»، ويضيف الرجل الذي قاوم الاستبداد العثماني في بلاده في الشام، ثم قدم إلى مصر ليكمل جهاده حتى مات شهيدا أن «الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلا أو حكما، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين». منذ أن عَرف الكواكبي في كتابه المرجع أنواع الاستبداد وسبل الخلاص منه، وبلاد العرب لا تزال تئن تحت وطأة حكومات مستبدة، لا تخشى حساب الرعية ولا عقاب المحققين، تُلاحق أنظمتها كل من تسول له نفسه مراقبة أعمالها، وفي مقدمة هؤلاء الصحافيين «حراس الحقيقة» الذين اعتبرهم حافظ محمود شيخ الصحافيين ونقيبنا الراحل «الوكلاء الطبيعيين عن ضمير الأمم، والقضاة الذين يحاكمون الطغاة في محكمة التاريخ»، بحسب ما أورده في كتابه «أسرار صحافية». ظلت حكومات المنطقة تحاصر الصحافة، بهدف تغييب الرأي العام، ظنا منها أن حُكم الشعب الجاهل أسهل وأيسر، فكلما ظلت الشعوب بعيدة عن الحقيقة قَبلت بالواقع الذي تفرضه عليها حكوماتها. سقطت بعض حكومات الاستبداد والفساد في المنطقة العربية، لكن يبدو أن من ورثوا تركتهم لم يتعلموا شيئا مما جرى.
غواية السلطة
نتحول بصحبة نبيل عمر في “الأهرام” نحو الأزمة التي يعيشها الدكتور علي عبدالعال رئيس مجلس النواب السابق، الذي صرح بأنه لن يستطيع الذهاب إلى مجلس النواب في هذا الوقت. وفسر النائب مصطفى بكري الأمر بأن الدكتور عبدالعال لا يرغب في حضور الجلسات بصفته نائبًا بعد أن كان رئيسًا للمجلس خلال الفصل التشريعي الماضي. المعنى واضح وجلي أن الدكتور علي عبدالعال غير مهيأ نفسيًا لقبول التحول من صاحب السلطة الأول داخل البرلمان إلى مجرد عضو فيه، ولا يمكن أن نلومه، فهذه حالة تضرب كثيرًا من المصريين حين يغرب دفء السلطة عنهم، إذ لا يقدرون على العيش في برودة غيابها، فالسلطة هي النداهة التي تخطف عشاقها إلى المياه العميقة، البعد عنها انزواء وعزلة، وقد رصد توفيق الحكيم في رائعته الخالدة “يوميات نائب في الأرياف” حالة غياب السلطة عن عمدة في قرية، حين عمل وكيلاً للنائب العام، وقال: ومررنا في طريقنا بالقرية، فإذا أصوات حزن وولولة نساء ترتفع من دوار العمدة، فقلت وأنا أُوقف السائق بإشارة: العمدة مات؟ ومرّ بقربنا خفير نظامي، وسألته عن الخبر، فأجابني أنه قد صدر اليوم أمر برفت العمدة الحالي وتعيين آخر مكانه من الأسرة المنافسة في القرية. يستكمل الحكيم وصفه للمشهد بدقة وبساطة كاشفتين لخفاياه، فالبكاء والعويل وولولة النساء صاحبت (نقل تليفون الحكومة) من بيت العمدة القديم إلى بيت العمدة الجديد، وقال الحكيم: التليفون في مقام الصولجان، إنه مظهر السلطة والحكم وأداة الاتصال بالحكومة، وإن خلعه إنما هو رمز زوال السلطة.. ما الذي يصيب المصري من السلطة حين يمسك بها، إذ يتعملق ويتحول إلى الاشكيف المخيف أو مستبد بالسليقة، يُسخف على عباد الله، ويستفز مشاعرهم كما لو أنه يمتحن قدرتهم على الانصياع والصمت، بل إن القريبين منه لا يتوقفون عن تصرفات تغيظ الناس وتبعث لهم رسالة ثقيلة نحن حماية، أنت عارف أنت بتكلم مين.
تجميل وسمنة
البحث عن المال حتى لو على جثث الآخرين، أسلوب اعتاد عليه بعض مرضى القلوب، كما وصفهم محمود عبد الراضي في “اليوم السابع”، الذين قادهم شيطانهم الأشر لارتكاب الجرائم في سبيل تحقيق مآربهم الشخصية. الشخص المريض، وهو يصارع المرض، محاولًا الانتصار عليه، ليس لديه رفاهية البحث والتأكد من هوية الطبيب المعالج، فيستسلم سريعاً له، وتكون الكارثة عندما يكتشف البعض أن الأشخاص المعالجين لهم ليسوا أطباء، وإنما هم منتحلو صفة. “انتحال صفة الأطباء”، تُعد الجرائم الأخطر، نظرًا لكونها تتعلق بحياة المواطنين، الذين ربما يفقدون حياتهم بسبب طمع البعض. الأمثلة في هذا الصدد كثيرة وعديدة، آخرها حلاق انتحل صفة طبيب برفقة زوجته لإدارة مجموعة من العيادات في “أكتوبر وفيصل”، وإجراء الجراحات الدقيقة لجمع المال. الشاب الذي فشل في كلية العلوم بعد الحصول على الثانوية العامة، لجأ لافتتاح “صالون حلاقة”، ثم طوره لـ”كوافير حرامي”، وتطور الأمر لمكان للتجميل. أحلام “الحلاق” لم تتوقف عند هذا الحد، فترك صالون الحلاقة في الإسكندرية وأماكن التجميل بعد صدور العديد من الأحكام القضائية ضده، وتنقل بين العيادات الطبية، حيث عمل فيها “فني معمل وتمريض”. الحلاق أقنع نفسه بأنه اكتسب معلومات طبية، فاختمرت في ذهنه فكرة افتتاح عدة عيادات ومراكز طبية، فأوهم مخالطيه بكونه طبيبا وممارسا عاما وانتحل صفة طبيب في أحد المستشفيات وعين أطقما طبية وتمريضية، وحصل على مبالغ مالية من بعض المواطنين كمقدم لإجراء عمليات جراحية لهم في مجال “التجميل – الأسنان ـ السمنة”. تبارى المواطنون على “الطبيب المزيف” خاصة من السيدات الراغبات في “التخسيس” و”اللياقة والأناقة”، لاسيما أنه يجيد معسول الكلام، حتى توسع في افتتاح مزيد من العيادات في مدينة 6 أكتوبر وفيصل في الجيزة برفقة زوجته التي انتحلت صفة طبيبة سمنة ونحافة وتجميل، حتى فضحه أحد الأشخاص الذين يعملون برفقته بواسطة فيديو على السوشيال، ليتم القبض عليه برفقة زوجته.
الجنس الأبيض
نتوجه نحو واشنطن بصحبة الدكتور محمد عبد الشفيع عيسى في «الشروق»: “ما جرى ولا يزال يجري في أمريكا أواخر عام مضى (2020) وأوائل عام جديد (2021) ليس أمرا هينا من المنظور التاريخي الأشمل، بل هو جلل. أمة يتغير وجهها البشري تماما، ومجتمع ينقلب رأسا على عقب، فماذا تتوقعون؟ الشعار الذي ارتقى به دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في مثل هذه الأيام من عام 2017، أي: «أمريكا أولا»، ومعناه «أمريكا للأمريكيين» يدل على الكثير، داخليا وخارجيا. داخليا، هو يعني أن أمريكا الحديثة التي أسسها «الجنس الأبيض» خاصة من العرق الأنكلوسكسوني، هي لهذا الجنس بالذات قبل الآخرين. وخارجيا، يعنى هذا الشعار أن أمريكا التي ابتدرت سياسات ما تسمى العولمة منذ تسعينيات القرن المنصرم سوف تعود، أو تحاول أن تعود، سيرتها الأولى، بغير عولمة، أو قُل أنها ستكون بغير عولمة من هذا النوع الذي هيمن على العالم في وقت ما من أواخر ألفية تمضي ومطالع ألفية جديدة تُهل، «عولمة جامحة» أو «هائجة» Hyper Globalization. إن شعار (أمريكا أولا) يشى ــ لدى أنصاره المتعصبين ــ بأن القوى الدولية التي تسربت من بين أنامل التاريخ «المنزلق» خاصة الصين، لن تقوى على الإطاحة بأمريكا، بل ربما يكون شأنها شأن الاتحاد السوفييتي السابق حين تهوى من حالق، لينهض «طائر الفينيق الإغريقي العتيد» ــ أي أمريكا ــ من جديد”.
ضيعها ابنها البار
تابع الدكتور محمد عبد الشفيع عيسى: “هكذا أرادت وتريد أمريكا البيضاء، التي تحدث بلسانها الطليق (ابنها البار) دونالد، ومعه ومن ورائه جمهور «انتخابي» غفير، لا يقل في عديده عن نصف المقترعين، وربما يزيد.. هذه أمريكا التي غيرت الهجرة لونها، من بيضاء إلى «متعددة الألوان»، سوداء وسمراء وصفراء وبيْن بين، ستعود من وجهة نظرهم إلى ما كانت عليه: بيضاء فقط، أو بالأحرى «بيضاء أولا». أما أمريكا السمراء من (أمة الهنود الحمر) أو شعوبهم وقبائلهم، فقد ذهبت في رأيهم إلى وادي الماضي السحيق منذ خمسة قرون، وأبيدت ولن تعود.. وأما «أمريكا السوداء» المجلوبة من أعماق «القارة الخضراء»، افريقيا جنوب الصحراء الكبرى ـ ذات الأمطار و«غابات السفانا» ــ فهذه قُمعت بدورها، ورضيت بقسمتها، وصارت «أقلية زنجية» أو افريقية، فما كانت سائدة ولن تكون.. وأما أمريكا «نصف البيضاء»، اللاتين من جنوب القارة الفتية، التي نازعت «البيضاء» شيئا من الغلبة الداخلية خلال نصف القرن الأخير، وخشي منها مفكرو البيض أن تغير وجه أمريكا إلى غير رجعة، فهذه أيضا لن تسود”.
سيفعل الكثير
نبقى في واشنطن بصحبة عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” إذ يرى ثمة تحول سيحدث على يد بايدن: “لم تغب ملامح السياسة الخارجية للإدارة الجديدة، فقد عادت لتحالفها الاستراتيجي مع أوروبا وأعلنت عودتها لاتفاق باريس للمناخ، وعن خطة لحل المشاكل الاقتصادية العالقة، ودعم الشراكة بين ضفتي الأطلنطي. كما اتخذت موقفا أكثر عمقا تجاه الصين، ليس فقط بسبب الصراع التجاري والتنافس على الأسواق (وهو كان حادثا في عهد ترامب) إنما أيضا بسبب قناعتها، أن الصين تمثل خطرا على الديمقراطية الأمريكية. أما بالنسبة للسعودية فقد تبنت الإدارة الجديدة «توجها مركبا» تجاه المملكة، فمن ناحية رفضت الحرب في اليمن، وتوقفت عن المشاركة فيها ودعمها كما عبرت عن قلقها بشأن ملف حقوق الإنسان، لكنها في الوقت نفسه أعلنت أنها ستحافظ على أمن المملكة وسيادتها وحدودها ورفضت عمليات الحوثي الإرهابية. أما موقف الإدارة الجديدة من إسرائيل، فهو لم يختلف عن مواقف الإدارات السابقة من الدولة العبرية، التي اعتبرت أمنها مسؤولية أولى مثلها مثل باقى الولايات الأمريكية، ولكنها ستتراجع عن صفقة القرن وستحاول إحياء حل الدولتين الذي لن يتقدم خطوة واحدة للأمام في ظل الانقسام الفلسطيني. وقد عبر وزير الخارجية الأمريكي الجديد عن حدود الموقف الأمريكي من قضية الأراضي العربية المحتلة، حين اعتبر أن الجولان مهمة لأمن إسرائيل بدون أن يعتبرها جزءا من الأراضب الإسرائيلية كما فعل ترامب. كما حرصت الإدارة الجديدة على تبني سياسة احتوائية تجاه إيران، وأعلنت استعدادها للعودة للاتفاق النووي، وبعدها يمكن بحث رفع العقوبات، وهو ما رفضته إيران التي تشترط رفع العقوبات الأمريكية أولا. توجهات بايدن تقول إنه سيدافع عن ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، صحيح أنه ملف كثيرا ما وظف لأغراض سياسية ولكن أفضل تعامل معه، أن تحترم الدساتير والقوانين الوطنية وتصحح الأخطاء الداخلية بعيدا عن أي ضغوط خارجية”.