لندن– “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لسنام وكيل من برنامج الشرق الأوسط في تشاتام هاوس وتحدثت فيه عن نتائج دراسة مسحية واسعة شارك فيها خبراء حول طريقة التعامل مع إيران وكيفية العودة للاتفاقية النووية الموقعة عام 2015 وبالتالي طي أربع سنوات من السياسة التعاقدية التي تبنتها إدارة دونالد ترامب.
وقالت في مقالها إن إدارة بايدن سترث حزمة القضايا المعروفة والمتعلقة بإيران: فقد أصبح لديها برنامج نووي متقدم وترسانة من الصواريخ الباليستية وجماعات دعم وكيلة لها في المنطقة. ويعتبر البرنامج النووي من أهم الموضوعات الملحة التي يجب على الإدارة التعامل معها أولا. فمنذ قرار ترامب الخروج من الاتفاقية النووية في 2018 وزاد من العقوبات عليها، سرعت الحكومة الإيرانية من جهودها في التطوير النووي وقللت المدة التي يمكنها الحصول على السلاح النووي من سنوات إلى أشهر.
وأعلن بايدن عن رغبة بالعودة للاتفاقية النووية والالتزام بشروطها طالما فعلت إيران هذا. وأعلنت طهران عن نفس الأمر حالة رفع الولايات المتحدة العقوبات عنها. ولكن العملية ليست بهذه السهولة كما تشير دعوة كل من البلدين. وحتى يكون الاتفاق النووي دائما وذا قابلية للاستمرارية يجب أن يتم حمايته من التقلبات السياسية.
وللتأكد من هذه الديمومة على الموقعين عليه معالجة مكامن الضعف فيها مثل المدة الزمنية له والأحكام المتعلقة بفرض العقوبات من جديد بالإضافة للمشاكل التي تقع خارج تركيز الاتفاق مثل الصواريخ الباليستية والنشاطات الإيرانية بالمنطقة.
وبدون خطة إقليمية، فستظل أجندة إدارة بايدن الإيرانية وفي الشرق الأوسط عموما خاضعة للمعارضة الحزبية في واشنطن والشركاء بالمنطقة.
ويشعر النقاد لاتفاقية 2015 داخل الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج أن عودة بايدن السريعة ورفعه العقوبات عن إيران قد يفقده النفوذ. وتدعو هذه الأصوات إلى مفاوضات جديدة يتم فيها الاتفاق على رفع العقوبات حالة تم الالتزام بالقضايا العالقة.
ورفضت إيران هذا المدخل بالمطلق قائلة إنها ستدخل في محادثات موسعة لو عادت أمريكا إلى الاتفاقية الأصلية.
ويراقب جيران إيران منظور المفاوضات بنوع من القلق ويطالبون بسياسة أمريكية تحد من التوترات الإقليمية وتمنع إيران من إثارة الأزمات في الجوار.
ولم تحقق استراتيجية ترامب هذه الأمور، بل وكان رد إيران على سياسة “أقصى ضغط” السيطرة على ناقلات النفط واستهداف المنشآت النفطية السعودية. وتخشى هذه الدول أن تؤدي العودة إلى الاتفاقية الأصلية بدون قيود جديدة لتعزيز تأثير إيران في المنطقة. ولدى هذه الدول مظاهر قلق أكبر بشأن التزام أمريكا الدائم بالمنطقة.
والسؤال هو عن الكيفية التي تعالج فيها أمريكا مظاهر التوتر المتعلقة بإيران؟
وتجيب إنها قامت وزملائها في تشاتام هاوس بالبحث عن إجابة عبر لقاءات جرت بناء على قاعدة تشاتام هاوس مع 210 من صناع السياسة الحاليين والسابقين وخبراء من 15 دولة، تضم الدول الموقعة على الاتفاقية النووية الإيرانية مثل الصين والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا وكذا من دول أخرى لها علاقة بالأزمة في الشرق الأوسط مثل إيران وإسرائيل وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن والعراق والسعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي الفترة ما بين تموز/يوليو – تشرين الثاني/نوفمبر 2020 حاول الباحثون سؤال المشاركين حول أحسن طريقة لحل النزاعات في الشرق الأوسط. وسئلوا عن الصعوبات والتوترات الجيوسياسية الحاضرة بالمنطقة وكيف ستؤثر الإنتخابات الأمريكية على المناخ الأمني. وتم سؤالهم عن جذور النزاع في المنطقة وكيفية معالجتها مع التركيز على الدور الإيراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين.
ولم يفهم خبراء السياسة الذين تمت مقابلتهم كيف ستحل كل نزاعات المنطقة من خلال حوار مباشر وواحد مع إيران. ولم يتوقع المشاركون تخلي إيران عن جماعاتها الوكيلة بالمنطقة أو وقف برامجها في مجال الصواريخ الباليستية.
وشعر الكثيرون ان محاولة عزل إيران يترك آثارا سلبية مقارنة مع أقلمة الحلول للمشاكل المشتركة.
ومن أجل مواجهة التصرفات المزعجة لإيران اقترح الخبراء التعامل مع كل نزاع بالمنطقة على حدة وبالتوازي من خلال نقاشات متعددة بين اللاعبين المشاركين. ويمكن لهم التعامل مع مظاهر القلق من الميليشيات والصواريخ الباليستية وانتشار السلاح النووي عبر مسارات متوازية.
وعند سؤال المشاركين عن أول خطوة يجب عملها لتحقيق الاستقرار بالمنطقة قالت نسبة 45% إنه من الأفضل العودة للاتفاقية النووية في 2015.
وقالوا إن عودة كهذه ستعزز من التعاون على جانبي الأطلنطي ووقف البرنامج النووي الإيراني وزيادة الثقة بين واشنطن وطهران. كما أن إحياء الاتفاقية سيخفف من التوتر في دول، مثل العراق، وجدت نفسها وسط استراتيجية أقصى ضغط أمريكية واستراتيجية أقصى مقاومة إيرانية.
ويتفق الجميع على ضرورة عودة أمريكا للاتفاق مسلحة بخطة عمل لمعالجة مظاهر القصور فيه. وأكد المشاركون على مخطط لحل النزاعات الإقليمية بعد الدخول من جديد في الاتفاقية. وتذكروا كيف وسعت إيران من تأثيرها في العراق وسوريا واليمن ولبنان بعد توقيع اتفاقية 2015.
وعليه يجب على إدارة بايدن الدخول للمفاوضات بخطة محددة لعملية موازية وإقليمية متعددة تتبع مباشرة المفاوضات. وتستطيع إدارة بايدن من خلال هذه الخطة المستمرة والمتواصلة تخفيف اعتراضات في الكونغرس والمنطقة، طالما استشارت ونسقت مع الشركاء الإقليميين بشأن ما تخطط له. فمن خلال المسارات المتوازية للحل تقوم إدارة بايدن بخط طريق مختلف بدلا من تكرار الأخطاء الماضية. وقد تضغط إدارة ترامب على ضرورة التزام المشاركين بعملية متابعة وكجزء من التفاوض والتنفيذ للاتفاقية النووية.
ويمكن حث إيران على المشاركة بوعود تخفيف إضافي للعقوبات ومزيد من الاستثمارات. كما أن الحصول على التزام إيران مهم لتخفيف مظاهر القلق الإقليمية.
واقترحت نسبة 50% أن جزءا من المسارات الموازية هو جمع كل الأطراف المتحاربة باليمن وشمل إيران فيها.
ومسار آخر هو تشجيع ودعم الحوار بين دول الخليج من أجل تقوية الثقة والتعاون وتعزيز آلية فض النزاعات بينها.
واقترحوا مسارا مهما ومن أجل تخفيف التأثير الإيراني وهو إحياء مسار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية بالإضافة لمسار لمعالجة الأزمة السورية. وهناك مقترحات لمسارات أخرى على شكل مؤتمرات إقليمية تعالج الصحة والدبلوماسية والتبادل السكاني والتجارة والمناخ.
ورغم تأكيد المشاركين على إدخال بعد إقليمي لمشاكل المنطقة إلا أنهم طالبوا بدور أمريكي يعمل على تعزيز الاستقرار.
ويخشى المشاركون وبخاصة من المنطقة أن تراجع أمريكا عن التزاماتها سيؤدي إلى حالة من عدم اليقين وإضعاف لأمن المنطقة.
وقالت نسبة 33% إن عدم اليقين النابع من عدم التزام الولايات المتحدة جعل المنطقة أقل أمنا. ومن بين هؤلاء 57% عراقيا و50% من الإمارات و45% من السعودية. ومن المثير إن نسبة 30% إيرانيا و22% إسرائيليا تعاملت مع الولايات المتحدة كقوة استقرار بالمنطقة. ولكن نسبة 50% أمريكيا شاركوا في الدراسة المسحية رأوا أن أمريكا لديها دور حيوي لتسهيل عمل المسارات المتوازية. وبناء على هذا فلدى إدارة بايدن فرصة لطي صفحة ترامب وبناء تعاون متعدد وتحقيق استقرار للنزاعات تشترك فيه أمريكا ودول الشرق الأوسط لاتخاذ خطوات تدريجية لمعالجة النزاعات الإقليمية، وبخاصة تلك التي تشترك فيها إيران. وقد تؤدي هذه إلى تقارب وحوار إقليمي.