وداعاً لورنس فيرلينغيتي: دافع عن حرية التعبير وعرّف بأعمال جيل البيت الأمريكي

الحبيب الواعي
حجم الخط
0

 في الثاني والعشرين من فبراير/ شباط توفي لورنس فيرلينغيتي عن عمر جاوز المائة في منزله في سان فرانسيسكو، متأثّرًا بمرض رئوي خلالي، حسب قول ابنه لورينزو.

فيرلينغيتي المتعدّد والشغوف

شاعر ورسام وفاعل مدني أمريكي وشريك مؤسس لمكتبة ودار النشر سيتي لايتس City Lights التي ساهمت في التعريف بأدباء جيل البيت، وجعلت من مدينة سان فرانسيسكو مركزا للثورة الأدبية والثقافية. ألف العديد من الدواوين الشعرية والترجمات، كما كتب في الرواية والمسرح والنقد، وهو أيضا أحد مؤسسي الحركة الأدبية المشهورة بـ(جيل البيت) Beat Generation في سان فرانسيسكو في منتصف الخمسينيات.

 ولد لورانس فيرلينغيتي في 24 مارس/آذار 1919 ، في يونكرز في ولاية نيويورك، لأب إيطالي مهاجر وأمّ فرنسية – برتغالية، توفي أبوه قبل ولادته وفُصل عن والدته بعد وقت وجيز بسبب مشاكلها النفسية، ترعرع في كنف خالته إميلي مونسانتو في منطقة الألزاس في فرنسا. في عام 1924، عاد مع خالته إلى برونكسفيل في نيويورك، حيث تربى مع أطفال أسرة بيسلاند الذين كانت تدرسهم، وفي عام 1925 اختفت خالته عن الأنظار تاركة فيرلينغيتي تحت مسؤولية عائلة بيسلاند. درس في مدرسة مقاطعة ريفرسايد، المدرسة العمومية في البرونكس والثانوية التأهيلية الخاصة مونت هيرمون في مساسوسيتش، تم التحق بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الصحافة عام 1941، وهناك بدأ الكتابة صحافيا، حيث نشر مقالات عن الألعاب الرياضية في الصحيفة اليومية Tar Heel، ونشر أول قصصه القصيرة في مجلة “كارولينا” التي كان ينشر فيها الكاتب المعروف توماس وولف.

عقب الهجوم الياباني على بيرل هاربر في عام 1942 التحق فرلينغيتي بالبحرية الأمريكية، حيث عمل ضابطا، وخلال الهجوم على نورماندي، تم تكليفه بمهمة مطاردة الغواصات. زار فيرلينغيتي مدينة ناغازاكي اليابانية بعد ستة أسابيع من إسقاط القنبلة الذرية عليها، وكانت تجربة مؤلمة جعلته يهتم بالسياسة والسلم، فأصبح داعية للسلام .

بعد الخدمة العسكرية (1941-1945)، استغل فرلينغيتي مشروع قانون G.I الذي يساند العائدين من الخدمة العسكرية للتركيز على الدراسة، حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة كولومبيا عام 1947، والدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون عام 1950، وفي العام التالي تزوج من سيلبي كيربي سميث، التي التقى بها على متن سفينة في طريقه إلى فرنسا قبل سنوات. بعد الدراسة في فرنسا عادا معا إلى سان فرانسيسكو، حيث ظلا معا حتى طلاقهما عام 1976، ورزقا بولدين جولي ولورينزو.

 سيتي لايتس مأوى جيل البيت

 ليست مكتبة سيتي لايتس مجرد مبنى مكون من طابقين يقع في مدينة سان فرانسيسكو، بل هي تحضر في مخيلة زوارها أو من سمع بها حول العالم باعتبارها محجّا لعدد كبير من الكتاب والفنانين والموسيقيين والناشطين المدنيين، الذين عملوا وشاركوا في تظاهرات ثقافية، واحتفلوا هناك مع بعضهم بعضا في فترات مختلفة من حياتهم. عقب عودته إلى سان فرانسيسكو عام 1951 وبعد وقت قصير من وصوله، أسس فيرلينغيتي بمعية صديقه بيتر مارتن مجلة “سيتي لايتس”، وبدأ في الإعداد لمشروع مكتبة تشبه المكتبة الباريسية، التي أسسها صديقه جورج ويتمان. انتهى من المشروع بعد عامين وأطلق على المكتبة اسم سيتي لايتس – على غرار فيلم شارلي شابلن الذي يحمل الاسم نفسه، ثم سرعان ما أصبحت دارا للنشر ومركزا لثورة أدبية، وهي تقع في شارع كولومبوس في الحي الصيني قرب حدود نورث بيتش في سان فرانسيسكو. أصدرت سيتي دواوين شعرية لصاحبها ولشعراء آخرين أمثال دينيس ليفيرتوف وغريغوري كورسو وويليام كارلوس ويليامز، بالإضافة إلى أعمال نيل كاسدي وتشارلز بوكوفسكي وبوب كوفمان وغيرهم، كما نشرت ديوان ألن غينسبرغ المعنون بـ”عواء وقصائد أخرى” عام 1956، الذي استولت عليه الجمارك الأمريكية، وأسفرت عن اعتقال فيرلينغيتي بتهمة نشرالفحش. استمرت المحاكمة لأشهر عدة، وكان غينسبرغ يكتب معربا عن قلقه، ويتابع مجريات المحاكمة من طنجة، حيث كان يساعد وليام بوروز في تحرير “الغداء العاري”، وكان يقضي وقته رفقة فرانسيس بيكون وبول بولز. أثناء المحاكمة، التي جند لها مساعدين قانونيين من اتحاد الحريات المدنية الأمريكية، برئت ذمة فيرلينغيتي على أساس حرية التعبير، ما شكل سابقة قانونية مهمة، نزعت الرقابة على الأعمال المثيرة للجدل في الولايات المتحدة، وأكسبت فيرلينغيتي في نهاية المطاف شهرة حول العالم كمدافع عن حرية التعبير. بعد هذا الحادث، تم رفع الرقابة عن أعمال أدبية أخرى مشابهة، حيث تمكن بارني روسيت، ناشرجروف برس، من نشر “عاشق السيدة تشارلي”، ورواية هنري ميلر “مدار السرطان”، وأعمال جان جينيه.

 أسفل درج المكتبة تطالعك ورقة كتب عليها بخط عريض: “كتب لا قنابل”، وأما على الجدران فقد علقت عبارات مختلفة: “مكان للاجتماعات الادبية”، و”مرحبا تفضل بالجلوس واقرأ”. يتذكر فيرلينغيتي كيف بدأت تفد حافلات مليئة بأتباع ومحبي حركة البيت على مكتبة سيتي لايتس، خلال عقد الستينيات في محاولة لاقتفاء أثر أدباء أمثال كيرواك وغينسبرغ ومايكل ماكلور وبوروز وسنايدر. أطلقت سيتي لايتس سلسلة “شعراء الجيب ” التي ستعرف نجاحا كبيرا في وقت لاحق، ونشرت أكثر من مئتي عنوان، كما تبنت منشوراتها أفكارا تقدمية ومبتكرة، تعارض بها القوة المحافظة والرقابة.

في الطابق الثاني، تقع “غرفة الشعر” – حيث لا يوجد الشعر وحده فحسب – يلفت نظر الزائر جناح كُتب أعلاه  Beat Literature، “عواء” بالطبعات القديمة والجديدة وبأغلفة متعددة، الأمر ذاته بخصوص “على الطريق” لجاك كيرواك، و”الوليمة العارية” لوليام بوروز، و”جزيرة السلاحف” لغاري سنايدر و”المطر القديم” لبوب كوفمان، و”مختارات من شعر روبرت كريلي” و”الأعمال الشعرية” لفيليب ويلن، وعدد آخر من العناوين لكتّاب طلائعيين قاوموا المؤسسات الاجتماعية والعنصرية والثقافة التقليدية في أمريكا.

من المستحيل فصل حياة فيرلينغيتي عن تاريخ سيتي لايتس وتأثيرها الذي مارسته في الأجيال القادمة من القراء والمبدعين. وقد قضى فيرلينغيتي حياته الطويلة في تكريس وقته الثمين لتشجيع الكتابة والقراءة، وشحذ موهبة الشعراء، وكتاب النثر والتعريف بهم حول العالم.

مواقف سياسية

 بعد فترة وجيزة من استقراره في سان فرانسيسكو عام 1950، التقى فيرلينغيتي مع الشاعر كينيث ريكسروث، الذي أثرت مفاهيمه عن الفوضوية في توجّهه السياسي. كان يعترف بأن العالم سيحتاج إلى “قديسين” يسكنونه حتى يتم تطبيق الفوضوية البحتة عمليّا، وظلّ يتبنى أفكار الاشتراكية الديمقراطية على الطراز الإسكندنافي، وموقفه ظلّ شديد الانتقاد لحكومة أمريكا وسياستها الخارجية، وللأنظمة الديكتاتورية والمؤسسات الرسمية. كان ينبذ الاستبداد والحرب، بدءا بحرب فيتنام إلى الحرب على العراق، مثله مثل شعراء حركة جيل البيت، ولذلك أصبح رمزا للمثقف المناهض للثقافة السائدة، والداعي لحرية التعبير، وكان يحث الشعراء على الانخراط في الحياة السياسية والثقافية للبلد. تقوم نظرته للكتابة الإبداعية على الإيمان بالتغيير من خلال العمل الفني والكلمة الملتزمة، ويعتقد بأن الشعر يجب أن يكتب للجماهير الشعبية، وليس فقط للنخبة المتعلمة، وبيّن ذلك في كتابه “الشعر كَفَن ثوري”.

شعره البسيط والموسيقي

 تكمن إحدى سمات شعر فيرلينغيتي في سهولته، إذ غالبا ما تكون أسطره الشعرية بسيطة، وتعبر عن أفكار واضحة بلغة مباشرة، عدا ميزة الغنائية والخيال الواسع الذي يرتع فيه حسّ الفكاهة. كان يسعى دائما إلى أن يفهم القراء جوهر قصيدته منذ القراءة الأولى، ويفضل ألا يبين عن أي تعقيد فكري، ولذلك فهو في الحقيقة يعبر عن اشمئزازه من الأكاديميين، الذين يظهرون النخبوية أو التميز عن الأجيال القادمة من الشعراء، يقول: “الحقيقة لا توجد فقط للقلة المقدسة”.

تتميز القصيدة عند فيرلينغيتي بأنها حرّة وبعيدة عن الالتزام بوزنٍ أو إيقاعٍ ثابتين، أو حتى وقفات المقاطع أحياناً، وتتبعثر فيها الكلمات، حتى أن الهامش يصل منتصف السطر أحيانا لتغليب الإلقاء، كما يختلف فيها طول الجمل، فتكون أحياناً قصيرةً بمفرداتٍ بسيطة وحادّة، مستمدة من التجربة اليومية كما في قصيدته “كلب”: “الكلب يقفز حراً عبر الشارع/ والأشياء التي يراها/ أصغر منه/ سمك في ورق الجرائد/ نمل في الحفر/ دجاجات في الحي الصيني/ رؤوسها على بعد بلوك”.

إن خصائص الشعرية عند فيرلينغيتي تتقاطع مع موسيقى

الـ Bebop Jazz، من حيث السرعة وتغير الإيقاع، بل اختفاؤه أحياناً، ليترك المجال للارتجال، وليس ذلك على سبيل المصادفة، بل بفعل التأثر المتبادل بين الشعر والموسيقى، لأن فيرلينغيتي كان يفضّل الشعر مُلْقى مع موسيقى الجاز، بوصفها مرافقاً مثالياً لنشر الكلمة وجعلها في متناول الجميع.

وعلى غرار رسائل Rilke إلى شاعر شابّ، كثيرا ما يوجه فيرلينغيتي خطابه للكتاب الشباب مستخدما ضمير المخاطب (أي يخاطب القارئ “أنت”) ، كما يفعل في قصيدته الطويلة “الشعر كفن ثوري”، والتي تلخص نظرته وفلسفته في الكتابة والشعر، مقدما تعليمات من قبيل:

إن كنت تريد أن تصبح شاعراً، ألّفْ أعمالا قادرة على الاستجابة لتحديات الأوقات الصعبة. إن كنْتَ تُريدُ أن تُصبحَ شَاعِراً كبيراً، جَرِّبْ كُلَّ أَنْواعِ الشِّعْرِيَّاتِ، النَّحْوِيّاتِ الإِيرُوسيةِ الضَّاريَةِ، دِيَانَاتِ الشَّطْحِ، التدفُّقاتِ الوَثَنيَّةِ المجنونة، الخِطَابَاتِ العُمُوميَّةِ البَاذِخَةِ، الخَرْبَشَاتِ الأوتوماتيكية، الإِدْرَاكاتِ السُّيرْيَالية، تَموُّجَاتِ الوَعْي، الأَصْواتِ المَوْجُودَةِ، الصَّرخاتِ والاعتراضاتِ ـ واخْلُقْ صَوْتَكَ القَاطِعَ كالنَّصْلِ، صَوْتَكَ التَّحْتَانِي، صَوْتَكَ، الصَّوْتَ الذي لَكَ.

إِنْ كُنْتَ تَقُولُ عن نَفْسِكَ إِنَّكَ شَاعِر، لا تَبْقَ بِغَبَاءٍ على كُرْسيِّكَ. ليْسَ الشِّعْرُ نَشَاطاً مقيماً، ولاَ أَريكَةً تُتَّخَذُ. انْهَضْ وأَظْهِرْ لَهُمْ ما تَسْتَطِيعُ أَنْ تفْعَلَهُ.

تحدَّ الرأسمالية التي تَتنَكَّرُ للديمقراطية.

اخترعْ لغة جديدة يستطيع أي شخص فهمها.

اقرأ بين سطور الخطاب البشري.

قاومْ كثيرا، وأطعْ قليلا.

أطلقْ سراح أي كائن تراه في قفص.

كُنْ شاعرا، وليس بائعا متجولا. لا تُلبِّ الرغبات،

لا تَتَنَازَلْ، خُصُوصاً لِجُمْهور محتمل،

ولاَ لِلقُرَّاءِ أو المحررين أو النَّاشِرِينَ.

اخْرُجْ مِنْ خِزَانَتِكَ. إِنَّ الجَوَّ مُعْتِمٌ في دَاخِلِهَا.

تَجَرَّأْ وكُنْ مُحَارِباً شِعْريّاً غَيْرَ عَنِيفٍ، بَطَلاً مُضَادّاً.

لَطِّفْ صَوْتَكَ اللِّطِيفَ جِدّاً بإِشْفَاقٍ.

اسْتَخْلِصِ النَّبيذَ الجَديدَ مِنْ أَعْنَابِ الغَضَب.

تَذَكَّرْ أَنَّ الرِّجَالَ والنِّسَاءَ كَائِنَاتٌ انْتِشَائِيةٌ بِشَكْلٍ لانِهَائيٍّ، مُتَوجِّعَةٌ بشَكْلٍ لانهَائي.

ارْفَعِ السَّتَائِرَ، إِفْتَحِ المَصَارِيعَ والنَّوافِذَ، ارْفَع السَّقْفَ، فُكَّ ثُقُوبَ الأَبْوَاب، ولَكِنْ لاَ تَرْمِ اللَّوَالِبَ.

لاَ تُدَمِّرِ العَالَمَ إِذَا لَمْ يَكُن لَدَيْكَ شَيْءٌ أَفْضَلُ تُبَادِلُهُ.

 ليست كل قصائد فيرلينغيتي تدور حول النضال والعدالة الاجتماعية فهو يميل في الواقع في كثير من أعماله إلى الحديث عن الفن والحياة اليومية: مظاهر الحب في الحديقة العامة، تمثال يثير إعجابه، صباح سان فرانسيسكو، ومباراة البيسبول، وكلب يتجول في الحي الصيني، ويرى السمك في ورق الصحف، والدجاج معلق في النوافذ رأسا على عقب. يلاحظ القارئ أن شعر فيرلينغيتي يقبل الانفتاح ويبحث دائما على الإلهام. شعر فيرلينغيتي يقترض في كثير من الأحيان من موسيقى الجاز والأساطير اليونانية والحكايات الشعبية واللوحات والرياضة والثقافة الشعبية والفلسفة، ويحتوي على العديد من القصص التي تدور حول شبابه ودروس الشعر والرسم أثناء إقامته في أوروبا.

 من أهم مؤلفاته” كوني آيلاند”، التي ترجمت إلى تسع لغات، وبيع منها أكثر من مليون نسخة، و”الحب في زمن الغضب”، و”صور عالم لم يعد”، و”هذه أنهاري”، و”المعنى الخفي للأشياء”، و”أحييك في بداية حياة عظيمة: رسائل فيرلينغيتي وغينسبرغ”، و”الحياة التي لا تنتهي”، و”ما الشعر”، و”أميريكوس، الكتاب الأول”، و “كيف ترسم ضوء الشمس”، و”طفل صغير”، بالإضافة إلى أعماله الفنية من لوحات ورسومات.

 إن التفكير في شخص فيرلينغيتي وطول عمره، كشاعر ومواطن وبانٍ للعلاقات، يمنحنا شعورا بالاطمئنان. إذا اتصلت بـ City Lights Publishing اليوم ، فستسمع صوت فيرلينغيتي يجيب قائلًا: “مرحبًا بك بأدب فيCity Lights Bookstore!” فكرته عن التسكع، والبقاء بعض الوقت، وقضاء بعض الوقت في قراءة شيء ما، أو التحدث إلى شخص جديد ، تشعر بالثورة تقريبًا في هذا الظرف السياسي المسبب للخلافات والانقسامات. كان فيرلينغيتي في حياته يدرك أن التغيير يستغرق وقتًا، وأنه مرتبط بالتعلم من التاريخ، وبناء المجتمع، والانفتاح على الإبداع والإلهام الذي يمكن أن يأتي من أي مكان: من السير الذاتية، وآلات الرسائل، والألعاب الرياضية، والشراكات بين المبدعين.

كاتب و مترجم من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية