في إطار الأنشطة والندوات الأدبية التي تقوم بها مجموعة من مراكز البحث والمؤسسات الثقافية، عن بعد، في ظل هذا التباعد الذي فُرض علينا قسرا، بسبب تداعيات جائحة كورونا، استضافني الشاعر والإعلامي عبد الله دكدوك، في صفحته التي تحمل اسم «على صفحتي علم» لمناقشة راهن النقد الأدبي في الوطن العربي. ومن ضمن الإشكالات النقدية التي أثيرت في هذا اللقاء، استوقفتني ثلاثة أسئلة طُرحت عليّ في هذا اللقاء، وارتأيت أن أتقاسمها معك عزيزي القارئ، لما فيها من جدة تحتاج إلى نقاش موسع.
■ السؤال الأول: هل يمكن للنقد الانطباعي أن يصبح منهجا ذا مصطلحات ومفاهيم خاصة قادرة على ملامسة النص الأدبي بطريقة موضوعية؟ وكيف تصدت له المناهج الجديدة؟
□ علينا أن نتفق أولا على أن الانطباعية، في النقد الأدبي، أو كما يحلو للبعض تسميتها بالمنهج التأثري، تُضحي بنمو النص والتحليل الموضوعي، في سبيل الانطباع أو ما يتركه العمل الأدبي من أثر في نفسية هذا الكاتب أو ذاك. فالناقد الانطباعي لا يعطي أي اهتمام بالبنيات الباطنية للنص، وبإمكانه أن يُقوّل النص ما لم يقله بكثير من الحرية، ولو أدى به الأمر إلى الخروج عن النص/ الموضوع، إذ لا حدود للناقد لما يقوله. ومعلوم أن هذا المنهج قد عرف انتشارا واسعا في أواخر القرن التاسع عشر عند الغرب، وستتأثر به مجموعة من الكتاب العرب في النصف الأول من القرن العشرين. وعلى هذا الأساس أبادر وأقول إن القراءة الانطباعية للأثر الأدبي لا يمكنها البتة إلا أن تنتج أفكارا وأحكاما قيمية بالأساس.. أفكارا وأحكاما لا يمكنها، في أي حال من الأحوال، أن تُنصت للنص أو أن تصل مثلا إلى أقصى ما ذهب إليه. فالأحكام جاهزة ويتم إسقاطها بشكل فج على العمل، حسب الهوى، لأن (المنهج الانطباعي) إذا صحت تسميته كذلك، منهج يحتكم إلى المزاج والانطباع، في تقييم الأعمال الأدبية، بدون الاستناد إلى أسلوب علمي أو مصطلحات منهجية. وهو (منهج) على كل حال، يقوم على القدرة الإنشائية لدى الكاتب في معالجته للنص بشكل سطحي وسريع، ما يجعله منهجا/أسلوبا صحافيا بامتياز. وأغلب الظن، في مجال الأدب، أن تغيُّر نظرة الدارسين والباحثين، إلى مفهوم الأدب، في ذاته، وإلى النص الأدبي، باعتباره كينونة تضاعف من وجودها، بفعل آثامها اللغوية (الآثام بما هي خرق وانزياح) هي التي جعلتهم يعيدون النظر في طرائق تعاملهم مع النص الأدبي، منذ أواخر القرن التاسع عشر.
إن الحديث عن طبيعة/ هوية النقد العربي الحديث، إن أنا أحسنت فهم السؤال، يبدو مجرد تحصيل حاصل في ظل ما أصبحنا نعيشه من سيولة حداثية، في وشيجة عولمة ناسفة للهويات.
لقد كانت الرغبة ـ آنئذ ـ ملحة وضرورية، من أجل تخليص النقد الأدبي من نزعته الميتافيزيقية، ولغته الصحافية، وأحكامه التذوقية، الشيء الذي دفع الدارسين، خصوصا في بحر القرن العشرين، إلى الاستعانة بالعلوم الإنسانية، والإفادة منها أيما إفادة. فانقسمت بذلك نظرة الدارسين إلى الأثر الأدبي، وتعددت بتعدد المشارب الفكرية والفلسفية والأيديولوجية. فهناك من نظر إلى النص الأدبي بوصفه نتاجا مرجعيا/اجتماعيا، وهناك من اعتبره نتاجا وإفرازا لعوامل نفسية معقدة، وبالمقابل نجد تصورا آخر اختزل الأثر الأدبي كله في بنية مغلقة، تنتظم في سلسلة من العلاقات والقوانين المضبوطة، مؤشرا بذلك إلى فكرة «موت المؤلف» فضلا عن أن هناك من اعتبر النص مجرد سلعة تعرض على قارئ/مستهلك، وتحتكم لشروط السوق ما يفرض علينا النظر إليه في تداوله واستهلاكه.
■ السؤال الثاني: أمام تعدد المناهج النقدية وتعدد مرجعياتها، تبعا لقناعات متبنيها، هل يمكن أن يكون المنهج التكاملي بديلا عنها؟
□ سؤالكم يحيلني إلى نقاشٍ طُرح في الجامعة المغربية، في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، حول إمكانية صوغ إطار منهاجي منفتح على كل المناهج التي بدا عليها بعض الانحباس، وأبدت قصورا واضحا في سعيها الدؤوب للإمساك بجوهر النص الأدبي. نُعت هذا المنهج، حينها، بالتكاملي، نظرا لأنه يأخذ بعين الاعتبار داخل وخارج النص، ويستنفر من ثم، كل الإمكانات المنهاجية المتعددة والمتضاربة أحيانا. هو منهج يستفيد من باقي المناهج النقدية الأخرى، كالمنهج النفسي والتاريخي والاجتماعي والأسلوبي وغيرها من المناهج، بشكل فوضوي أحيانا.
هذا الجمع بين المناهج بطريقة لا تراعي الضابط الأبستيمولوجي جعل بعض الدراسات التي تبنت هذا المذهب تبدو مبلقنة وملفقة إلى حد كبير، إلا أن النقاش اليوم حول هذه الإمكانية أصبح يُطرح انطلاقا من منظور أبستيمولوجي واضح في إطار ما بات يعرف بالمناهج وتكامل المعارف من داخل الفلسفة التأويلية بوصفها طريقة ومنهجا في الفهم. هذا يعني أن التكامل لن يتحقق إلا من داخل منهج قائم بذاته، ويتسع لعديد المناهج والمعارف والعلوم الإنسانية، مثلما هو الحال عند التأويليين المعاصرين. ولعل صيحة زعيم البنيويين تودوروف الأخيرة في وجه الوضع الكارثي الذي أصبح يعيشه الدرس الأدبي في فرنسا، من خلال كتابه «الأدب في خطر» La Letterature en Peril، لدليل قاطع على ضرورة إعادة النظر في مسألة مناهج النقد الأدبي. والسبب، في نظره، هو طرق التدريس، والمناهج المعتمدة في المعالجة والمقاربة؛ وبذلك لم يتردد في إدانة الأطر المنهاجية الحديثة، كالسيميائيات والبنيوية والتداولية، باعتبارها مسيئة للدرس الأدبي.
■ السؤال الثالث: هل يستقيم الحديث بمصطلح النقد العربي الحديث؟
□ إن الحديث عن طبيعة/ هوية النقد العربي الحديث، إن أنا أحسنت فهم السؤال، يبدو مجرد تحصيل حاصل في ظل ما أصبحنا نعيشه من سيولة حداثية، في وشيجة عولمة ناسفة للهويات. تاريخيا كانت الثقافات الإنسانية دائما تعيش هذا التجاذب، مدا وجزرا، تأثيرا وتأثرا، بحسب موقع الثقافات بين الغالب والمغلوب. والسؤال الذي يمكن طرحه في أعقاب سؤالكم، هل لدينا أدب عربي صرف؟ شعر عربي خالص مثلا.. شخصيا أنظر للمسألة من زاوية أخرى، زاوية تتعدى ما هو إقليمي ضيق إلى ما هو إنساني رحب. طبعا مع ضرورة التفاعل الإيجابي، تأثيرا وتأثرا. نقدُ أدونيس للتقليد (أدبا وفكرا) عربيا وإنسانيا، مثال يجعلني أقول إن النقد العربي في جعبته الكثير، وبمكنته أن يجعل الناقد عندنا ينخرط في بناء المشروع الحداثي الإنساني الذي لم يكتمل بعد، كفاعل لا كمنفعل فقط. قد أكون مخطئا في نظر البعض، لكنني أجدني كناقد ـ إن بدا لكم ذلك ـ يؤمن بمشاريع عربية حداثية واعدة، غير متردد في القول إن النقد الإنساني، حتى لا أقول العربي، موجود رغم الصعوبات التي أصبحت تهدد ليس الأدب وحده وإنما الإنسان بما فيه من جمال وإبداع.
شاعر وناقد مغربي