بعد فترة انقطاعٍ فرضتها ظروفٌ قهرية يعيدني للكتابة مبارك وحكم براءته، الذي ربما يكون قد أغضب الكثيرين، وعلى رأسهم أولئك الذين توقعوه ورجوا أن يخيب الله والقاضي ظنهم، متشبثين بما تبقى لديهم من تصوراتٍ (وأوهامٍ في حقيقة الأمر) عن مغزى تطورات الأحداث طيلة ما يقارب الأربع سنين الماضية. الآن، وبعد مضي ما يزيد عن العشرة أيام منذ النطق بالحكم، أصبح من الممكن أن تتخطى الكتابة مجرد التنفيس عن الغضب و»فش الخلق» من تبرئة ذلك الرجل الذي لازمني مذ دخلت الصف الأول الابتدائي، ولا يبدو أنه يريد أن يفارق، ذلك الرجل البليد الشحيح الذكاء الذي يعد بقاؤه رابضاً على أنفاس مصر ومحيطها أكبر دليل إدانة لتلك الحقبة من التردي والترهل، إلى محاولة تحليل الموقف بحساب المعطيات والمقدمات والنتائج.
في ضوء ذلك، أستطيع أن أقرر بثقة أن ذلك الحكم ما هو إلا نتيجة منطقية وموضوعية لمسار الأحداث التي أعقبت 25 يناير/كانون الثاني؛ لن أزعم أنني الوحيد الذي قال بذلك إلا أنني يقيناً أحدهم… والحقيقة أن ما أوصلنا لذلك لم يكن مجرد اختيارات جانبها الصواب، وإنما في المقام الأول خطأ جوهري وأساسي في فهم طبيعة القوى الموجودة والفاعلة على الأرض إبان ذلك الفيض الثوري.
ليس من شك في أن ذلك الحراك الثوري لم يأت من فراغ وإنما نتج عن الواقع المصري الرث بتناقضاته وما يحفل به من فقرٍ وقمعٍ وتهميشٍ للسواد الأعظم من الجمهور، مقابل قلة ضئيلة من المتحلقين حول أسرة الرئيس وأبنائه، والمرتبطين بهم وبرأس المال الخارجي، خليجي ودولي، بشبكة علاقات ومصالح معقدة؛ ذلك الواقع ربما لم يضع حجر أساسه ومقدماته مبارك إلا أنه، ولطول عهده، كان له الدور الأبرز في ترسيخه وإكسابه صفاته وسماته الأساسية، التي مثلت في أحيان كثيرة انعكاساً لشخصه، كما هي الحال في دولنا، حيث يغلب على المجتمع المدني ضعفٌ نسبي قبالة الدولة، ومن هنا نفهم الترهل والبلادة التي وصلنا لها عشية 25 يناير.. ذلك اليوم التاريخي الذي تدفقت فيه الملايين إلى الشوارع والميادين بعفويةٍ لعلها تشكل العمل الأكثر منطقيةً في تاريخنا المعاصر،غير أنها ملايين مرهقة ومعدمة في الأغلب الأعم، تفتقر إلى التنظيم السياسي عقب تلك العقود من القمع وهيمنة سردية النظام والزهد، بل النفور المفعم بجميع معاني اللاجدوى من المشاركة السياسية التي تمكن النظام من زرعها فيها. ذلك الجمهور غير المسيس ورث ثقافةً انطباعيةً دارجة، عبارة عن مزيجٍ من القناعاتٍ والتصوراتٍ التي تختلط فيها المعرفة السطحية القشيرية بالواقع المعاصر بعناصر وأفكارٍ غامضة تراثية متوارثة ومشوهة عبر عصور الانحطاط المديدة، الأمر الذي أهله وأعده، للأسف للقبول بفكرة سلطة المجلس العسكري.. حينذاك تم خلط الأمور في خفة يد تاريخية وتحول الجيش إلى مخلصٍ آخر، في ما يمكن أن يعد بمثابة استباقٍ للرئيس الحالي. لقد كررتها مراراً من قبل أن الجيش تحرك لإنقاذ الدولة والنظام مؤثراً، ربما على مضض، التخلص من مبارك حين ثبت أنه صار ورقةً محروقة (وبالمرة دفن موضوع التوريث)… ومن ثم علت الأصوات المحذرة من المساس بالجيش، الذي أغدقت عليه أوصافاً من عينة، وتد الخيمة وعامود الدولة، إلى غير ذلك من مترادفات العصي والخوازيق المتينة الثابتة. تم تصوير المؤسسة العسكرية كونها شيئاً منفصلاً عن النظام، خاصةً من قبل بعض التيارات السياسية والصحافيين ذوي الحضور الذين يضفون عليها قداسةً ملائكية منقذة، وتم تكريس معادلة مفادها: سقوط الجيش يساوي سقوط الدولة وجعلوا يبثون الرعب من تلك الاحتمالية، ليثور سؤالٌ وجيه (من نظري على الأقل): هل تقوم الثورات لتبقي على الدولة؟!
إن ذلك لنموذجٌ آخر صارخ للخلط بين المفاهيم وعدم ضبط المصطلحات بما قد يؤدي إلى نتائج كارثية: الخلط وعدم التمييز بين مصر البلد، بموقعه الجغرافي وتركيبته السكانية وتاريخه الحضاري الذي هو تاريخ الناس بالاساس الخ و»الدولة»، تلك الماكينة العملاقة المتشكلة من بيروقراطية مترهلة متصلبة وأجهزة أمنٍ وأدوات قوةٍ وقمع متمثلة في الجيش والشرطة، التي تخدم مصالح المستفيدين من الطبقة الحاكمة في ظرفٍ تاريخي محدد ومشروط… من هنا نقر بأن المؤسسة العسكرية بالفعل هي عامود الدولة، إلا أنها دولة كان ينبغي أن تسقط لأنها أولاً أثبتت فشلها، وثانياً لأن التطورات الاجتماعية على الأرض تخطتها.
على المنوال نفسه ، فإن العقلية نفسها التي دافعت بشراسة عن «وتد الخيمة» تغنت بالقضاء ومحاكمة رموز الفساد وفق إيمانٍ أعمى بصنمية القوانين، كأنها ليست نتاج بشر وليست تحت رعاية الدولة نفسها التي قامت الثورة لإسقاطها، والأنكى من ذلك كونها أوكلت لأجهزة الأمن نفسها التي قمعت الجمهور طيلة عقود مهمة جمع الأدلة على جرائمها! شيء من قبيل «فيك الخصام وأنت الخصم والحكم»!
لقد غُدر بالحراك الثوري المصري وقطع عليه الطريق حين لم يترك لحركة الجماهير بتفتحها الخلاق طرح نماذجها حتى النهاية، وعوضاً عن إسقاط النظام بقوانينه تم الاحتكام إليها…مبارك لم يحصل على البراءة البارحة وإنما حين لم يتم الاستناد إلى الشرعية الثورية.
كل ما تلا ذلك لا يعدو كونه مد الخط على استقامته في سلسلة من النتائج المنطقية والمترتبة على ذلك الانحراف الأساسي، بما في ذلك معركة شفيق- مرسي، ومن ثم فترة الرئيس الحالي، وعلى ذلك فعلينا دائماً أن نعي أن السيسي لم يأت من فراغ ولم يهبط من السماء، وإنما هي سيرورة الأحداث وتوازنات الضعف بين قوى لم يشتد عودها بعد، وذلك الإرهاق الذي سحق الجمهور المتعب أساساً وانعدام الأمن الذي لعبت الدولة تحديداً دوراً عقابياً رئيسياً فيه… والإحباط.
لقد جاء السيسي معبراً عن مصالح تلك الطبقة من منتفعي عصر مبارك الذين يدافعون باستماتة عن مصالحهم، والأجهزة الأمنية – العسكرية التي أرادت الثأر لكرامتها الجريحة واستعادة مكانتها، كما مثل استجابةً لتوق قطاعات واسعة من الناس للاستقرار وإلى ما كانوا يعرفون على علاته، خاصةً في ظل الإرهاب والخشية على تفكك «الدولة»، وإن كان تم تصويره كمنقذ ومخلص وتم إسقاط كل آي الشجاعة والفصاحة والحصافة والحنكة عليه، فما ذلك سوى صنيعة الإعلام المنتمي عضوياً والمحسوب على ذوي المصالح أو الأمن من دون منازع مستغلين ذلك الانتظار الأزلي «للمخلص» الذي توارثناه عبر عقود الانحطاط إياها وصدرناه لأوروبا نفسها ضمن سلع فكرية أخرى منذ ألفي سنة تقريباً…
لقد تعرضت الثورة المصرية إلى عملية سطو مسلح قطعت عليها الطرق، وكما كتبت سابقاً، فإنه في غياب تغييرٍ اجتماعي واقتصادي حقيقي يطيح بالطبقة الحاكمة ودولتها يضحى الصراع بين شرائح أو أجنحة من الطبقة نفسها، وهو ما نرى بداياته الآن في مصر بين المحسوبين على مبارك ورجال سيد القصر الجديد.
ليس في براءة مبارك ما يدهش، فقد تمت محاكمته جنائياً كـ»حرامي غسيل» من قبل دولته بعامودها الذي صدعوا أدمغتنا به، عوضاً عن محاكمته سياسياً، فانقلب الحال وصارت الثورة مطالبة بالدفاع عن نفسها في ساحات ومحاكم الإعلام البذيء…
الثورة، أي ثورة، هي مبرر نفسها ودليلٌ كاف على مدى التدهور الذي وصلت إليه الأمور وتخطي الواقع للنظام الموجود بعلاقاته…هي العمل المؤسس والقانون رقم واحد…هي الحجة والبرهان والمرجعية..
عموماً، أنا أرى في الحكم على مبارك عملاً إيجابياً للغاية، إذ من المفترض أن تسقط أي أوهام قد تكون باقية لدى أي ذي عقلٍ عن طبيعة النظام والمرحلة وانحيازاته…والبقية ستأتي…
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل