لماذا يُصر «التحالف الدولي» على إقحام الجيش التركي لإنجاح الحرب ضد «داعش»؟

حجم الخط
3

إسطنبول ـ «القدس العربي»: لا تكاد زيارات زعماء العالم واتصالاتهم مع تركيا تهدأ أو تتوقف في محاولة لإقناعها بإقحام جيشها في حرب «التحالف الدولي» على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في سوريا والعراق، في الوقت الذي ربط فيه العديد من المحللين والمسؤولين نجاح هذه الحرب بمشاركة أنقرة، فلماذا الجيش التركي إذن؟
العديد من العوامل السياسية والعسكرية والجغرافية وحتى الدينية والمذهبية جعلت دول العالم أن تصل إلى قناعة شبه مؤكدة، مفادها أن حرب «التحالف الدولي» وعلى الرغم من مشاركة معظم القوى العظمى بالعالم بها إلا أنها لن تنجح بدون مشاركة تركيا.
ومنذ تشكيل «التحالف الدولي» للحرب على التنظيم، ترفض أنقرة بشكل قاطع المشاركة في العمليات العسكرية ضده، حيث وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شروطاً حادةً للانضمام إلى التحالف، أبرزها توسيع العمليات لتشمل نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وفرض منطقة حظر جوي على الحدود السورية التركية، وهو ما لم تقبل به الولايات المتحدة حتى الآن.
جغرافياً، ترتبط تركيا بحدود تصل إلى أكثر من 1200 كيلو متر مع كلاً من سوريا والعراق، حيث تمتد الحدود السورية لوحدها إلى ما يقرب من 900 كيلو متر، وفي حال فتحت أنقرة مطاراتها للتحالف فإن ذلك سيسهل بشكل كبير عمليات القصف الجوي التي تنفذها طائراته بشكل يومي على مواقع التنظيم في البلدين، بحكم القرب المكاني وقلة التكاليف.
لكن تطلعات التحالف لم تتوقف فقط عند تقليل تكاليف الطلعات الجوية، كون أن الأردن والعديد من دول المنطقة فتحوا مطاراتهم لهذه المهمات، لكن امتداد الحدود على مئات الكيلو مترات يجعل من تركيا الخيار الأول للانطلاق في أي عملية برية أو عمليات «كوماندوز» برية ضد مواقع التنظيم، الذي يتخذ من محافظة الرقة السورية مقراً أساسياً له، وهي المحافظة التي تقع على مرمى حجر من الحدود التركية.
وخلال الأسبوع الأخير وصل أنقرة كلاً من رئيسي الوزراء الإيطالي والبريطاني في زيارات منفصله، سبقهم جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي الذي سعى جاهداً للضغط على أنقرة لتبديل موقفها، لكن دون جدوى، حيث أعقب الزيارة هجوم غير مسبوق من قبل أردوغان على الولايات المتحدة، منتقداً «الوقاحة الأمريكية في موضوع سوريا ومطالبها الامتناهية».
عسكرياً، يبدو الأمر مقنعاً أكثر كون أن الجيش التركي يعتبر ثاني أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي «الناتو» بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ويصنف على أنه من أكبر جيوش المنطقة، ويتمتع بقدرات عسكرية جوية وبرية وبحرية عالية، ويضم في صفوفه مئات آلاف الجنود المدربين.
الجيش التركي والذي يعتبر رجب طيب أردوغان القائد العام له بحكم موقعه في رئاسة الجمهورية، يضم في صفوفه أكثر من 700 ألف جندي نظامي بالإضافة إلى 565 ألف جندي احتياط، بحسب إحصائيات غير رسمية، ليحتل بذلك المرتبة السابعة بين جيوش العالم من حيث العدد.
القوات الجوية التركية هي ثالث أكبر قوة جوية في حلف الناتو بعد أمريكا وبريطانيا حيث تتكون من 1940 طائرة حربية من بينها طائرات إف 16 وفانتوم، ويملك أيضا 874 طائرة مروحية، ومن بينهم 154 طائرة بدون طيار.
ويوجد لدى الجيش التركي 4.246 دبابة، في حين تمتلك القوات البحرية حوالي 265 قطعة بحرية عاملة، كل ذلك يجعل التحالف الدولي يؤمن بأن المشاركة الحقيقية التركية في الحرب على «داعش» ستكون إضافة حقيقية وتحول نحو إمكانية تحقيق نجاحات على الأرض، بعد إقرار العديد من المسؤولين والمحللين من دول التحالف، باستحالة هزيمة التنظيم من خلال الضربات الجوية فقط.
لكن وعلى الرغم من أهمية العوامل الجغرافية والعسكرية السابقة، يبدو العامل السياسي مهم جداً في هذا الإطار، لا سيما وأن القناعات التي باتت تترسخ لدى القوى المشاركة في التحالف، تشير إلى حتمية استغلال القوى السياسية العراقية والسورية «المعتدلة» في الحرب على التنظيم، ويثبت ذلك تصريحات العديد من الزعماء على أنه «يجب على العراقيين والسوريين أخذ زمام المبادرة وقيادة الحرب على داعش».
وفي هذا الإطار يأتي دور تركيا السياسي، كون أنقرة ترتبط بعلاقات مميزة جداً مع القوى السياسية السنية «المعتدلة» في كلاً من سوريا والعراق، وقدرتها على التأثير على قراراتهم، حيث يتداخل في هذا الإطار العامل الديني والمذهبي.
فالعالم أجمع بات مقتنع تماماً أن نمو وتعاظم قوة التنظيم في سوريا والعراق جاء نتيجة التحام القوى السنية المضطهدة في سوريا من قبل نظام بشار الأسد «علوي»، ورئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي «شيعي» المدعومان من إيران، معتبرين أنه لا بد من تبديد مخاوف هذه القوى وإيجاد دور لها من أجل أن تنفض عن «داعش» وتقود الحرب عليها، وفي هذا الإطار تبرز أنقرة كقوة «سنية» قادرة على لعب هذا الدور.
وتركيا التي استقبلت أكثر من مليون و800 ألف لاجئ سوري على أراضيها، وعدد كبير من اللاجئين العراقيين، يمكن أن تقود مهمة تدريب آلاف من المقاتلين من أجل زجهم في أي معركة برية قد يقرر التحالف شنها على «داعش» في بلادهم، بدلاً من الزج بجنود أجانب من دول «التحالف».

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية