يرى البعض ان الحملة ضد البعث جزء من محاولة أحزاب السلطة لإسكات المطالب الإصلاحية في انتفاضة تشرين، خاصة وان الارتباط بالبعث والإرهاب، من ضمن اتهامات القوى الولائية لناشطي الانتفاضة.
بغداد-“القدس العربي”: حملة شعواء غير مسبوقة، تجري على الساحة العراقية هذه الأيام، تقودها القوى الشيعية، ضد ما تسميه بمؤامرات، لعودة حزب البعث إلى العراق، عبر تحريك عناصرها في البرلمان لتصعيد الإجراءات العقابية، على أعضاء الحزب المذكور، ومنتسبي أجهزة النظام السابق، بما عدته قوى سياسية وطنية بانه تأجيج لأجواء التوتر السياسي والاجتماعي وتهديد للسلم الأهلي في البلد وإطاحة بآخر آمال المصالحة الوطنية.
فقد قرر البرلمان العراقي، وبشكل مفاجئ، إلغاء كل الاستثناءات الممنوحة لعناصر “حزب البعث” (المنحل) بالعمل في الحكومة، وإيقاف الرواتب التقاعدية لعناصر الأجهزة الأمنية في النظام السابق.
وجاء القرار بعد اجتماع للنائب الأول لرئيس البرلمان (من التيار الصدري) حسن الكعبي، مع هيئة “اجتثاث البعث” وبعض النواب الشيعة في اللجان البرلمانية، حيث قرروا “إلغاء كافة الاستثناءات الممنوحة للبعثيين، أو لمن يمجد الحزب في جميع الوزارات والجهات الرسمية والاتحادات والنقابات” إضافة إلى “مطالبة اللجنة المالية في البرلمان بتضمين مشروع الموازنة لعام 2021 فقرة لإيقاف الرواتب التقاعدية للأجهزة الأمنية في النظام السابق”.
ولأن سيناريو الحملة كان معدا له مسبقا، فقد بدأت إجراءات سريعة من البرلمان الذي تسيطر عليه أغلبية شيعية، حيث كشف رئيس “هيئة المساءلة والعدالة” باسم البدري، إن “هناك رغبة بضرورة العمل الجاد لاستئصال كل من يحاول ان يسيء للنظام السياسي أو كل من يمجد أو يروج لفكر حزب البعث” مشددا أن “تعليمات الاجتثاث صدرت إلى الوزارات لتقديم المشمولين بالاجراءات”. أما النائب عن حزب الدعوة خلف عبد الصمد رئيس لجنة الشهداء والسجناء السياسيين البرلمانية، فإنه وجه كتابا إلى كافة الوزارات لابلاغ منتسبيها ممن تضرروا بإجراءات أمنية خلال النظام السابق، لرفع دعاوى قضائية ضد منتسبي الأجهزة الأمنية السابقة، من أجل محاسبتهم ومعاقبتهم ومطالبتهم بتعويضات مادية، مع طلب نشر هذا التعميم في وسائل الإعلام المحلية، دون ان يذكر مبررات توقيت هذه الإجراءات.
ويذكر ان قرار “اجتثاث البعث” من العراق، صدر من قبل إدارة الاحتلال الأمريكي عام 2003 ثم أقرته أحزاب السلطة بقانون عام 2006 وهو يمنع البعثيين ومنتسبي الأجهزة الأمنية في النظام السابق من تقلد مناصب في العراق، بما في ذلك الترشح لعضوية البرلمان والعمل في الوزارات والنقابات والاتحادات المهنية وغيرها، إلا ان الحاجة إلى خبراتهم لتمشية الدولة، جعلت حكومات بغداد، تصدر استثناءات تسمح لبعض أعضاء الحزب المذكور، أو منتسبي الأجهزة الأمنية السابقة، ممن لم يرتكبوا جرائم يحاسب عليها القانون، بالبقاء في الوظائف الحكومية.
أما حملة البرلمان الجديدة، فقد مهد لها العديد من القادة الشيعة، حيث طالب زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، قبل أيام، الحكومة ومجلس النواب بتفعيل دور “هيئة اجتثاث البعث” لإبعاد المحسوبين على الحزب عن الحكومة، مهددا بتحريك أتباعه لإسكات الأصوات المؤيدة للنظام السابق. وهو ما عده المراقبون بانه تذكير بحملة الاستهداف والتصفيات التي اتهم التيار الصدري بالقيام بها منذ الاحتلال، ضد كوادر الحزب والدولة. وبدورها طالبت كتلة دولة القانون التي يقودها زعيم حزب الدعوة نوري المالكي، بقطع الرواتب التقاعدية لمن اسمتهم “أزلام النظام السابق” في مشروع قانون الموازنة لعام 2021. وجاءت هذه الإجراءات مصحوبة بحملة واسعة في وسائل الإعلام المحلية والتواصل الاجتماعي ، للجيوش الإلكترونية التابعة لاحزاب السلطة.
البعض يعتقدون ان السبب المباشر لهذه الحملة هو اللقاء الذي أجرته قناة “العربية” مع رغد صدام حسين مؤخرا التي تحدثت عن أوضاع العراق بعد الاحتلال، إلا ان حجم الحملة وتوقيت تحركها قبل الانتخابات، تشير إلى نوايا مسبقة وأهداف سياسية يراد تحقيقها.
وكان طبيعيا ان تثير هذه الحملة، ردود أفعال مضادة لها كونها تتعارض مع المصالحة الوطنية، حيث تعارض أغلب القوى السنية والكردية، السياسة الانتقامية ضد منتسبي النظام السابق، ممن لم يرتكبوا جرائم يحاسب عليها القانون. وقد أصدرت جبهة الانقاذ والتنمية برئاسة اسامة النجيفي، التي تضم القوى السنية، بيانا أبدت فيه “الاستغراب من قرارات “هيئة المسائلة والعدالة” الجديدة بإلغاء آلاف قرارات الاستثناء التي صوتت عليها القوى السياسية لمختلف مكونات العراق، مؤكدة “ان شعار المصالحة الوطنية ليس شعارا نرفعه عند الحاجة بل هو ممارسة على أرض الواقع”. وأشار البيان إلى “ان دعوات قطع الرواتب التقاعدية لمنتسبي الأجهزة الأمنية السابقة، وهي لا تكاد تسد الاحتياجات الأساسية للعيش، سيجعل شريحة من المواطنين يشعرون بأنهم من الدرجة الثانية ويعمق معاناتهم دون ان يرتكبوا خطأ يحاسبون عليه” منوها إلى ان “الآلاف من المشمولين بالاجتثاث، استشهدوا للدفاع عن الوطن بوجه الإرهاب، وان آلافا منهم ساهموا ببناء العراق بعد 2003 ولم يظهروا إلا الولاء للوطن، فهل من الانصاف قطع أرزاقهم؟”.
ويذكر ان انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 2019 ضد الفساد والفشل في إدارة البلاد، أتاحت أجواء بدأت تنتشر في الأوساط الشعبية والسياسية للمقارنة بين مساوئ النظام السابق والنظام الحالي، حيث أخذ المتظاهرون يجاهرون بتفضيل الأوضاع السابقة عما وصل إليه البلد من انهيار شامل وهيمنة أحزاب الفساد والفشل والتبعية. ولذا يرى البعض ان الحملة ضد “البعث” جزء من الهجمة المضادة لأحزاب السلطة لإسكات المطالب الإصلاحية في انتفاضة تشرين، خاصة وان الارتباط بالبعث والإرهاب، من ضمن اتهامات القوى الولائية لناشطي الانتفاضة.
ومع ادراك الجميع، وبضمنهم القوى الشيعية، باستحالة عودة حزب البعث إلى العراق في هذه المرحلة، بسبب تغير توازن القوى وواقع البلد والمنطقة وأسباب أخرى، إلا ان المؤكد ان افتعال أزمات جديدة لزيادة التوتر والاضطرابات في العراق، هو نهج متواصل تقوده أحزاب السلطة، خدمة لأهدافها السياسية عبر مداعبة المشاعر الطائفية لبعض المكونات وصولا للبقاء في السلطة، ولاشغال الناس عن مطالبهم بالتغيير والإصلاح ومحاربة الفساد، ولعرقلة الانتخابات، إضافة إلى خدمة أجندات إقليمية ضمن تداعيات الصراع الإيراني الأمريكي.