تتفاقم الأزمة السياسية والدستورية في تونس، من دون ظهور ضوء في آخر النفق، مُسببة أضرارا جسيمة للاقتصاد، وارتباكا في مجابهة وباء كوفيد-19.
فبعد أشهر من الإطاحة بحكومة الياس الفخفاخ في الخريف الماضي، على خلفية شبهات فساد، ما زال البلد بلا حكومة، وما زال رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي كلف هشام مشيشي تشكيل حكومة جديدة، يرفض أداء الوزراء الجدد القسم أمامه، ويدفع برئيس الحكومة إلى الاستقالة.
مع ذلك حصلت الحكومة، على ثقة الغالبية في البرلمان، المؤلفة من “حركة النهضة” وحزب “قلب تونس” وحزب “ائتلاف الكرامة”. ويرأس “قلب تونس” نبيل القروي، رجل الأعمال المثير للجدل، وغريم سعيد في الانتخابات الرئاسية، فيما يقود “حركة النهضة” راشد الغنوشي، الذي انقطع حبل الود بينه وبين سعيد منذ اعتلاء الأول سدة رئاسة مجلس النواب. ويتهم أنصار سعيد رئيس المجلس بالاستحواذ على بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، من خلال استقباله وفودا رسمية أجنبية وزياراته إلى الخارج، وخاصة إلى تركيا، ما حمل سعيد على التذكير، أكثر من مرة، بأن للدولة رأسا واحدة، ومقرها في قصر قرطاج (القصر الجمهوري) في مقابل قصر باردو (مقر مجلس النواب).
وسرعان ما تطور الخلاف إلى تصادم بين سعيد ومشيشي، بعد إصرار الأول على استبعاد وزراء من الحكومة، على خلفية وجود شبهات فساد تحيط بهم. وكان رد رئيس الحكومة غير متوقع، إذ لم يعزل الوزراء الذين تلاحقهم شبهات، بل أقال الوزراء المحسوبين على رئاسة الجمهورية، وأدمج الوزارات التي كانوا يتولونها في وزارات أخرى، مُوزعا الوزارات الشاغرة على الوزراء المتبقين في الحكومة، فصاروا يُديرون وزارتين أو ثلاث في وقت واحد، وهو وضع لا يمكن أن يستمر طويلا.
وظهر مخرج أول من هذا المأزق بالتفكير في استعفاء الوزراء المعنيين، أو مبادرتهم بالاستقالة من الحكومة، تنفيسا للأزمة، لكنهم أبوا الانسحاب، مخافة أن تثبِت تلك الخطوة الشبهات التي تطاولهم. ولجأ مشيشي إلى المحكمة الإدارية يستفتيها في الخلاف، غير أن المحكمة أعلنت أن الموضوع سياسي، وأنه ليس في دائرة صلاحياتها.
رُباعي نوبل
على خلفية تفاقم الأزمة تقدم اتحاد النقابات العمالية باقتراح يقضي، بإجراء حوار بين الأطراف السياسية الرئيسة، أسوة بالحوار الذي أداره الرباعي الراعي للحوار الوطني، الذي أنقذ البلد من أزمة حادة في 2013. وتألف الرباعي، الذي نال لاحقا جائزة نوبل للسلام، من نقابة المحامين ونقابة العمال ونقابة رجال الأعمال ورابطة حقوق الإنسان. وهيأت تلك الوساطة لإجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية في 2014 فاز بها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي وحزبه “نداء تونس”. ويقول المعترضون على معاودة هذا الحوار اليوم، إن في البلد الآن هيئات منتخبة انتخابا ديمقراطيا، خلافا للوضع السائد في 2013 وأنها هي الإطار الطبيعي للحوار، وخاصة مجلس النواب.
في السياق اقترح بعض السياسيين على مشيشي الاستقالة لإفساح المجال أمام تشكيل حكومة تكنوقراط، غير أن الأحزاب الأولى في البرلمان تمسكت بحكومة سياسية، وهذه الأحزاب هي التي تؤمن حاليا حزاما سياسيا لحكومة مشيشي، أي “حركة النهضة” وحزب “قلب تونس” وحزب “ائتلاف الكرامة”.
مجلس الأمن القومي
بعد مُضي أربعة أسابيع على اندلاع الأزمة، دعا سعيد إلى اجتماع لمجلس الأمن القومي، في حضور مسؤولين عسكريين، وكال الصاع صاعين لمشيشي، وحمل مُجددا على بعض الوزراء واصفا إياهم بالفساد، وتوعدهم بالمحاسبة القضائية، من دون ذكر الأسماء. واعتمد سعيد، وهو أستاذ سابق في مادة القانون الدستوري، على أن الدستور لا يُلزم الوزراء إلزاما صريحا بأداء القسم أمام رئيس الجمهورية، مستمرا في الهروب إلى الأمام. واعتُبر إشراك العسكريين في اجتماع مجلس الأمن القومي، الذي تطرق لخلافات بين السياسيين، سابقة خطرة في تقاليد الدولة التونسية.
وزادت الأمور تعقيدا بعد إصرار الرئيس على موقفه، ورد الحكومة باستبعاد الوزراء القريبين منه، إذ دعت “النهضة” أنصارها إلى مظاهرة كبيرة في العاصمة تونس صباح أمس، لتعبئة الرأي العام ضد سعيد. غير أن استطلاعات الرأي تُظهر أن الرئيس الحالي ما زال يتبوأ المركز الأول في نوايا التصويت، إذا ما أجريت انتخابات رئاسية. وهذا ما يمنحه هامشا واسعا للتحرك، وقطع الطريق أمام دُعاة اللجوء إلى إجراء انتخابات مُبكرة، على أمل إخراجه من قصر قرطاج.
وفي خط مواز تسعى المعارضة في مجلس النواب إلى الإطاحة برئيس المجلس راشد الغنوشي، بعدما أخفقت مبادرة مماثلة سابقا، في تحقيق هذا الهدف. ويقول المعارضون إنهم جمعوا أزيد من مئة توقيع من النواب، وأنهم باتوا غير بعيدين عن العدد المطلوب (109 أصوات). غير أن “النهضة” لجأت إلى المناورة بالسعي للإفراج عن نبيل القروي، الذي يتزعم الحزب الثاني في البرلمان “قلب تونس” على أمل أن يرد على هذه “الهدية” بسحب ستة من نوابه تواقيعهم من لائحة نزع الثقة عن الغنوشي، ما قد يُعرِضها للفشل.
أما خبراء القانون فيعزون الأزمة الحالية إلى التأخر الحاصل في تشكيل الهيئة العليا لمراقبة دستورية القوانين، وهي التي كان يمكن أن تكون الفيصل في الخلاف بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، مع أن أستاذ القانون في الجامعة الدكتور أمين محفوظ رأى أنه ليس من دور الهيئة إبداء الرأي في خلاف سياسي (بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة).
عقبة المحاصصات
وعرقلت المحاصصات تشكيل تلك الهيئة، على مدى السنوات الخمس الأخيرة. وتتألف الهيئة من اثني عشرة عضوا، يختار البرلمان أربعة منهم، ويُسمي رئيس الجمهورية أربعة آخرين، وينتخب مجلس القضاء الأعلى البقية. وبسبب استحالة الاتفاق على تشكيلة وفاقية للهيئة، تم اللجوء إلى تسمية “هيئة وقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين”. وأرسلت الهيئة الوقتية رسالة إلى مشيشي، جوابا على استفتائه لها، في الخلاف مع سعيد. غير أن الدكتور محفوظ اعتبر أن المسألة التي استُفتيت فيها “خارجة عن اختصاصها” وحضها على إبداء الرأي في النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي أكد أنه مخالفٌ للدستور في كثير من بنوده.
نظام رئاسي أم برلماني؟
في سياق هذه المناكفات بين رأسي الدولة في قرطاج وباردو، كثر الحديث عن انتخابات مبكرة. واعتبر رئيس الهيئة العليا للانتخابات نبيل بفون أن كل الاحتمالات واردة، مُعلنا أنه سيقدم غدا الاثنين أفكارا في شأن إصلاح القانون الانتخابي، الذي تم سنه في 2011 بعدما ظهرت فيه كثير من الثغرات والمطاعن، التي تستوجب التعديل. وترتبط بتعديل القانون الانتخابي مراجعة طبيعة النظام السياسي، التي تطالب بها عدة أحزاب يمينا ويسارا. ولا يُخفي الرئيس سعيد أنه يسعى إلى إرساء نظام رئاسي على الطريقة الأمريكية أو الروسية، فيما تدعو حركة “النهضة” إلى نظام برلماني على الطريقة الألمانية أو البريطانية، في مكان النظام السياسي الحالي، الذي يوصف بـ”الهجين”. وتدل جميع المؤشرات على أن سعيد يتطلع إلى انتخابات 2024 بعدما زرع نواة حزب سياسي في المحافظات تحت مُسمى “التنسيقيات”.
هموم رجل الشارع
بهذا المعنى يُعتبر التنافس على السلطة العليا محورا رئيسيا للمعارك، الظاهرة والخفية، الدائرة منذ الانتخابات الأخيرة بين سعيد والغنوشي. وبعيدا عن تلك المناكفات والصراعات، يغرق رجل الشارع في مشاكله اليومية، لاعنا السياسة والسياسيين، ومُبديا نوعا من الحنين لمرحلة زين العابدين بن علي. وهذا الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب مُرشحٌ للتفاقم، مع إعلان وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني، الثلاثاء، الحط من تصنيف تونس من بي2 إلى بي3، مع المحافظة على توقعات سلبية.
ومن تجليات هذه الأزمة ما تتعرض له المنشآت العمومية من مصاعب كبرى، بسبب عبء الديون وتضخم أعداد الموظفين وتراجع الانتاجية. ومن الأمثلة على ذلك، شركة الطيران التونسية، التي لم تعد قادرة إلا على تسيير أربع طائرات من أسطولها، المؤلف من 28 طائرة، بسبب العجز عن استيراد قطع الغيار. ومنها أيضا شركة الفوسفات، التي توقفت عن الإنتاج تقريبا، بسبب الاضطرابات الاجتماعية، ما حمل الحكومة على اللجوء للاستيراد، بعدما كانت تونس في مقدم مُصدري الفوسفات والأسمدة في العالم.
تراجع الترقيم الائتماني
وعزت وكالة “موديز” الحط من تصنيف البلد إلى “ضعف الحوكمة في مواجهة القيود الاجتماعية المتزايدة، التي تُضعف قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات جذرية في منشآت القطاع العام، من شأنها أن تحقق الاستقرار وتخفف من عبء المديونية”.
في هذا الإطار بات التونسيون يخشون من الصعوبات المتوقعة لدى الخروج إلى السوق الدولية، من أجل الاقتراض مجددا لمجابهة استحقاقات قريبة، أولها حلول ميقات تسديد ديون قديمة، وثانيها صرف رواتب الموظفين، وثالثها استيراد مواد استهلاكية أساسية وأدوية. وحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الأزمة السياسية والدستورية سيزيد من حالة الشلل التي يعيشها البلد منذ أسابيع، واستطرادا فهو يهدّد بنسف التجربة الديمقراطية التونسية اليافعة. ونبهوا إلى أن الأزمة السياسية أدت إلى التأخير في التفاوض مع صندوق النقد الدولي، من أجل الاتفاق على برنامج جديد ممول من الصندوق، إذا ما قبل بإقراض تونس مجددا.
الهجرة هي المهرب
وحملت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة الشباب التونسي على التخطيط لمغادرة البلد بأية وسيلة، بعد اليأس من الفوز بفرصة عمل. وظهر الاقبال المتزايد على ركوب البحر نحو إيطاليا، في مرآة الإحصاءات الأخيرة، التي نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وكشفت الإحصاءات أن عدد المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا منذ مطلع السنة الجارية إلى السواحل الإيطالية، انطلاقا من تونس، ارتفع ارتفاعا ملحوظا ليصل إلى 558 مهاجرا على الأقل، في مقابل 94 مهاجرا في الفترة نفسها من السنة الماضية، و31 مهاجرا فقط في الفترة ذاتها من 2019. وعزا المنتدى تلك الزيادة الكبيرة إلى تزايد حركات الاحتجاج في مناطق مختلفة، ويأس الشباب العاطلين عن الظفر بفرصة عمل، بمن فيهم حملة الشهادات الجامعية.
الأخطر من ذلك أن الأزمة الدستورية والسياسية الجاثمة على الصدور، تكاد تشل الحياة الاقتصادية، وتنشر الإحباط بين الشباب، وسط توسُع وباء كوفيد-19 وتأخر وصول اللقاحات، لكن لا يبدو أن السياسيين معنيون بإيجاد حلول لهذه الأوضاع.