استيقظت دبلوماسية الغاز في شرق البحر المتوسط لتلعب دورا محوريا في إقامة بنية جديدة للتعاون الاقتصادي الإقليمي بمشاركة إسرائيل، إلى جانب «تدفئة» العلاقات المصرية الإسرائيلية، من خلال مشروعات وردت في «صفقة القرن» أو تتوافق معها. ولم يعد لدى إسرائيل أي مبرر للشكوى من «السلام البارد» فالسلام تحول منذ صفقات تصدير الغاز الإسرائيلي إلى «سلام دافئ» حيث أصبحت مصر أكبر مستورد للغاز الطبيعي من إسرائيل، بينما كانت منذ سنوات تصدر إليها ما يعادل 40 في المئة من احتياجاتها. وبعد أن كانت إسرائيل هي التي تدفع لمصر، فإنها الآن تحقق معها فائضا من تجارة الغاز يبلغ 1.3 مليار دولار سنويا.
ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكون أول وزير مصري يقوم بزيارة لإسرائيل، بعد خمس سنوات من الجمود النسبي، هو طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية. الزيارة التي تمت في الأسبوع الماضي تحمل دلالات كثيرة اقتصادية وسياسية، حيث التقى الوزير المصري برئيس الوزراء الإسرائيلي ووزيري الطاقة والخارجية ورئيس جهاز الأمن الداخلي «الشاباك». كذلك زار الوزير رام الله ليدشن اتفاقا أوليا بشأن إمداد محطة كهرباء في جنين بالغاز المصري، وتوقيع اتفاق بشأن تطوير حقل مارين البحري للغاز. وبذلك تكون إسرائيل ومصر وفلسطين قد شرعت في إقامة شبكة تعاون اقتصادي إقليمي جديدة، تنطلق من منصة الغاز، وتتجاوز حدود العقود والصفقات التجارية القصيرة الأجل، وتجعل من إسرائيل فاعلا رئيسيا في مشروع جديد للتعاون الإقليمي بدلا من المشاريع العربية المشلولة. وتندرج هذه المشاريع ضمن خطة تطوير مركز تجاري إقليمي للطاقة في مصر، يضم البلدان الثلاثة، مع كل من الأردن ولبنان حسبما ورد في خطة ترامب من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط، كما أن بعضها يندرج ضمن خطة العمل الأوروبية لمساعدة فلسطين.
تطوير حقل مارين للغاز
يهدف المشروع الذي تقدر تكلفته الاستثمارية بنحو مليار دولار إلى تطوير حقل غاز مارين البحري قبالة سواحل غزة، الذي تصل كمية الغاز القابل للاستغلال التجاري فيه إلى حوالي 1.5 تريليون قدم مكعب، وذلك بهدف استخدام إنتاجه في توفير الوقود اللازم لمحطة كهرباء غزة، وتصدير الفائض، أو تحويله إلى غاز مسال في المعامل المصرية، ثم تصديره إلى الخارج. وقد ورد هذا المشروع ضمن قائمة المشروعات المطروحة في خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط، كما ورد مشروع تزويد محطة كهرباء غزة بالغاز الطبيعي الإسرائيلي في مشاريع المساعدات الأوروبية. وليس من الواضح حتى الآن ما هو الدور الذي ستقوم به مصر في تطوير الحقل، طالما أنها تلجأ إلى شركات دولية لتطوير حقولها، وكيف سيتم نقل الإنتاج إلى مصر، طالما ان محطة كهرباء غزة قد تحصل على الغاز من إسرائيل.
إمداد محطة كهرباء جنين بالغاز
ما تزال محطة جنين لتوليد الكهرباء مجرد مشروع على الورق، يهدف إلى سد احتياجات الاستهلاك المحلي من الكهرباء، التي يتم حاليا استيرادها من إسرائيل إلى محطة محولات جنين، ثم توزيعها على المشتركين. ومع أنه يتم الحديث عن إنشاء المحطة منذ سنوات، فإن المشروع يتعرض لمشاكل كبيرة، أدت إلى تأخير تنفيذه، خصوصا بعد أن قررت السلطة الوطنية الفلسطينية إلغاء اتفاق لاستيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل بقيمة 1.2 مليار دولار سنويا في 2015. ويتوقف إمداد محطة جنين بالغاز المصري على الانتهاء من إنشاء المحطة، والاتفاق مع إسرائيل على مسار خط الأنابيب الذي سيغذيها، وغير ذلك من الجوانب المالية والفنية، بما فيها معايير حماية البيئة. ويجب أن نأخذ في الاعتبار أيضا أن إسرائيل تضع عينيها على تصدير الغاز إلى المناطق الفلسطينية، كما هو الحال مع كل من مصر والأردن.
ربط حقول الغاز بمصر
كتبت في هذه الصحيفة في 18 اب/أغسطس الماضي مؤكدا أن استحواذ شركة شيفرون الأمريكية على شركة نوبل إنرجي التي تملك حصصا كبيرة في حقول تمار ولوثيان وأفروديت وفي مناطق للتنقيب أخرى للتنقيب عن النفط والغاز في مصر وإسرائيل وقبرص، سيؤدي إلى تغيير قواعد لعبة المنافسة على غاز شرق المتوسط، وسيضع الولايات المتحدة على الخريطة جنبا إلى جنب مع إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وروسيا. وها نحن نرى الآن واحدة من نتائج ذلك، حيث تلعب شيفرون الدور الرئيسي في الاتفاق الجديد بين مصر وإسرائيل، فهي التي اقترحت المشروع، وهي التي تعهدت بتمويله مع شركائها الإسرائيليين، وأهمها شركة ديليك للتنقيب عن النفط والغاز. ويتمثل المشروع في ربط الحقول الإسرائيلية بمحطات إنتاج الغاز المسال في مصر، عن طريق مد خط أنابيب بحري يربطها بخط أنابيب شرق المتوسط الذي تستخدمه إسرائيل حاليا في التصدير إلى مصر. كما يتردد أن كلا من شيفرون وديليك تسعيان إلى امتلاك حصة في محطة إسالة الغاز في دمياط التي استأنفت العمل في الأسابيع الأخيرة بعد توقف لأكثر من ثماني سنوات، بعد تسوية الخلاف مع شركة يونيون فينوسا الإسبانية.
ولا تعتبر إسرائيل هذا المشروع بديلا عن مشروع ربط الحقول الإسرائيلية بخط أنابيب غاز شرق المتوسط الأوروبي، الذي سيمتد إلى إيطاليا، ليرتبط بشبكة الغاز الأوروبية ويزودها بنسبة 10 في المئة من احتياجاتها. وقد تم توقيع اتفاق بشأن خط الأنابيب بين إسرائيل واليونان وقبرص في بداية العام الماضي، لكن المشروع تحيطه الكثير من الشكوك والصعوبات الفنية، ومن المرجح ان يتأخر تنفيذه لعدة سنوات، على الأقل حتى تستقر سوق الطاقة في أوروبا، التي ستشهد خلال السنوات المقبلة تغييرات كبيرة، لأسباب تجارية أهمها بدء تشغيل خط الأنابيب الشمالي الروسي، وأسباب بيئية وتكنولوجيا تتعلق بسلامة البيئة، وزيادة الاتجاه للتخلي عن كل أنواع الوقود الاحفوري.
إعادة تصدير
الغاز الإسرائيلي من مصر
وربما يكون ذلك هو السبب الذي دفع إسرائيل إلى المبادرة بالخيار المصري أولا، نظرا لأن إنتاجها من المتوقع أن يزيد هذا العام مع بدء تشغيل حقلي تانين وكارش، وأيضا لأن معامل إسالة الغاز في مصر «ادكو ودمياط» تتمتع بطاقة إنتاجية كبيرة غير مستغلة، ولقرب هذه المعامل من أوروبا، ومن ثم تسهيل تصدير الغاز الإسرائيلي في صورة سائلة. ومن البدائل الأخرى المطروحة في نطاق التعاون الإقليمي إنشاء مجمع جديد للغاز المسال على ساحل البحر الأحمر في جنوب سيناء، يستخدم في إسالة الغاز الطبيعي المصري والإسرائيلي وتصديره إلى أسواق الشرق الأقصى دون الحاجة للمرور عبر قناة السويس.
وسوف يؤدي ربط حقلي تمار ولوثيان بمعامل إسالة الغاز المصرية، في زيادة صادرات إسرائيل إلى مصر بحوالي 7 مليارات متر مكعب سنويا، وهو ما يعني عمليا مضاعفة كمية الصادرات المتفق عليها في صفقة دولفينوس التي تبلغ 85 مليار متر مكعب على مدى 15 عاما. ولم يعلن أي من الطرفين تفاصيل الاتفاق الجديد، وما إذا كانت الشركة القابضة للغاز الطبيعي هي الطرف المتعاقد من الجانب المصري. ومن المعروف أن رئيس الشركة كان حاضرا في المباحثات مع وزير البترول، بينما لم يشترك في المباحثات ممثلون عن شركتي إيني وشل اللتين تتوليان تشغيل محطة دمياط للغاز المسال ومحطة ادكو على الترتيب، وكذلك لم يشارك ممثلون عن الأطراف الأخرى الشريكة في خطوط الأنابيب.
صعوبات تصدير الغاز المسال
تواجه مصر عددا من المشاكل الهيكلية التي تؤثر سلبا في قدرتها على التصدير. المشكلة الأولى هي ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب استخراج الغاز المصري من أعماق كبيرة تحت سطح البحر، وارتفاع أسعار تسليم الغاز من الشركات الدولية مثل إيني، حيث يصل السعر إلى 5.88 دولار للمليون وحدة حرارية، وهو ما يحد من القدرة على المنافسة في الأسواق الفورية، التي هبطت فيها الأسعار إلى ما يتراوح بين 2 إلى 3 دولارات للمليون وحدة حرارية اعتبارا من اذار/مارس حتى تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وما تزال حتى الآن أقل من سعر تكلفة الغاز في مصر. غير أن أهم المشاكل التي تعترض طريق تصدير الغاز المصري، هي العجز عن توقيع عقود طويلة الأمد مع شركاء استراتيجيين، وهي المشكلة التي تجنبتها إسرائيل بعدم تطوير حقول الغاز البحرية، إلا بعد ضمان عقود طويلة الأجل تبلغ 10 سنوات مع الأردن و 15 سنة مع مصر، وهو ما سمح للشركات المطورة بالحصول على تسهيلات ائتمانية من المصارف العالمية لتمويل احتياجات التطوير، بضمان التدفقات المالية من إيرادات التصدير.
تخفيض الإنتاج
ونتيجة لهذه الصعوبات، فقد تم تخفيض الإنتاج الفعلي في مصر بنسب تتراوح بين 10 إلى 15 في المئة. وطبقا لتقرير مؤسسة وود ماكينزي عن سوق الغاز المصرية في نهاية العام الماضي، فإن محاولات تنمية الإنتاج اصطدمت بعقبتين رئيسيتين هما تراجع الاستهلاك المحلي وانخفاض التصدير، وهو ما دفع شركة الغازات القابضة «إيجاس» إلى تخفيض الإنتاج من المنبع. ومع ذلك فإن تحسن السوق في العام الحالي قد يساعد على تنمية حقول الغاز، وفتح مناطق جديدة للإنتاج لتغطية الاحتياجات المستقبلية للاستهلاك المحلي والتصدير. وكانت الشركة قد أعلنت انها تعتزم زيادة الإنتاج في السنة المالية التي تنتهي في حزيران/يونيو المقبل بنسبة تصل إلى 15 في المئة، لكنها تواجه صعوبة كبيرة في تحقيق ذلك. ومن المتوقع تحسن ظروف الطلب الخارجي على الغاز المسال المصري اعتبارا من الربع الأخير من العام الحالي، أي في السنة المالية المقبلة.
الحاجة لاتفاقيات طويلة الأمد
بإضافة الغاز المستورد من إسرائيل (14 مليار قدم مكعب) إلى الإنتاج المحلي لمصر، فإن إجمالي العرض في السوق بلغ في السنة المالية الأخيرة 2.4 تريليون قدم مكعب من الغاز مقابل إجمالي الطلب المحلي والخارجي الذي وصل إلى 2.2 تريليون قدم مكعب. ويشمل الطلب الخارجي صادرات الغاز الطبيعي إلى الأردن (33.9 مليار قدم مكعب) ومجموع صادرات الغاز المسال (120 مليار قدم مكعب). وهذا يعني أن الطلب الإجمالي كان أقل من العرض بحوالي 181 مليار قدم مكعب أو ما يعادل 7.5 في المئة من الإنتاج المحلي. وواجهت مصر أزمة في تصريف الفائض محليا، وعجزت شركة إيجاس عن تحقيق كمية التصدير المستهدفة. وسوف يزيد هذا الفائض مع تنفيذ الاتفاق الأخير بربط حقول الغاز الإسرائيلي بمحطات الإسالة في مصر. ولتصريف هذا الفائض تحتاج مصر لتوقيع اتفاقيات طويلة الأجل مع دول مستوردة، خصوصا إسبانيا وفرنسا وتركيا التي تعاني من نقص في الإمدادات، وكذلك دول جنوب المتوسط وبحر ايجه، ودول شرق وجنوب آسيا وهي أكبر أسواق استهلاك الغاز في العالم. ونظرا لأن ظروف الطلب العالمي ستتحسن كثيرا في العام المقبل، فإنه من المتوقع ارتفاع أسعار الغاز إلى أعلى من 8 دولارات للمليون وحدة حرارية كحد أدنى، وهو ما يوفر للغاز المصري نسبة ربح معقولة في الأسواق الأوروبية والآسيوية بعد استرجاع التكاليف التي تتراوح بين 5 إلى 6 دولارات للمليون وحدة حرارية، كما يسمح لمعامل الغاز المسال بالعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، واستيعاب كميات إضافية من الغاز الإسرائيلي والفلسطيني، بل ويفتح الباب لتوسيع المحطات القائمة وبناء وحدات جديدة. في هذه الحالة فإن إقامة منطقة تعاون إقليمي مشترك في الطاقة يمكن أن يعود بالفائدة على كل الأطراف المشاركة فيها.