ذلك الهول الذي ينبغي أن لا يوصف

حجم الخط
0

الوباء والحرب أيضا، لا تستطيع الرواية الاشتغال عليهما في إبّانهما. ينبغي انتظار ما يلي نهايتهما حتى يصير ذلك ممكنا. أما ذلك الإلحاح المتواصل الذي يثقل على الكاتب بأن لا شيء أكثر مدعاة للكتابة من هذا الزمن، الشامل الغريب الثقيل، فمن الأرجح أنه لن يوصل إلى شيء كثير.
يذكرُ من قرأ رواية «الطاعون» كيف أن موسيو جوردان، وهو أحد شخصياتها، كان يعاند استعصاء الكتابة بمزيد من الإصرار عليها، لكن لا يوفّق إلا بجملة واحدة هي جملة المطلع، يبدّل مواضع كلماتها مرة بعد مرة بعد مرّة. ذاك أنه كان واقعا في الأسر المهيمن لوباء الطاعون. أما مخترع تلك الشخصية، وهو كاتب الرواية البير كامو، فقد استطاع أن يكتب رؤيته الكاملة، لأنه جاء إلى ذاك العالم الوبائي من خارجه، مرسلا تخيّلاته عنه إلى مدينة وهران الجزائرية، يذرّ فيها هواء طاعونه الخاص، أو ربما، ينبغي الابتعاد عن الوباء بما يكفي ليصير قابلا لأن يُكتب.
التركي أورخان باموك رجع إلى زمن السلطنة في روايته «القلعة البيضاء» ليكتب عن الكوليرا. لا بدّ أن كتّاب سِيَر كثيرين تعاقبوا على تدوين ما كان يجري أيام انتشار الجائحات، وتبعهم مؤرخون عديدون، لكن الرواية كان عليها أن تنتظر. كتابة الجائحة في إبانها مهدّدة بغلبة هذين البابين عليها: السيرة الشخصية والتأريخ، لذلك ينبغي التمهل، رغم شعور الساعي إلى الكتابة بأنه، وهو مختبّئ في بيته اتقاء العدوى، مقيم الآن في الرواية التي يصنعها الوباء نيابة عنه وعن الجميع، لكن ذلك الساعي سيدرك، شأن ما خلص إليه المسيو جوردان في النهاية، أن ذلك هو بالتحديد ما يحول دون إمكان تحويل ما يعيشه إلى رواية.
تتعارض الرواية مع فكرة أنها يمكن أن تكتفي بكونها عملا نقليا.. ما يحدث في الحياة هو غير ما ينبغي أن يحدث في الرواية. ربما كان الانتظار ضروريا، انتظار أن تقوم الذاكرة بعملها، كي تصير الكتابة ممكنة. ما ينبغي هو الابتعاد، سواء في الزمن أو في المسافة، مثل ما فعل غابرييل غارسيا ماركيز، راجعا إلى نهاية القرن التاسع عشر ليكتب «الحب في زمن الكوليرا» علما أن روايته هذه ليست عن الكوليرا، بل عن الغرام الذي اخترق الزمن، مبقيا جذوة الحب مشتعلة بين عاشقين. أما الكوليرا فليست إلا لتنويع زمن الانتظار وتكثيره بذكر تبدّلاته، ومنها حقبات الأوبئة، كما للقول إن الحياة عرفت تبدلات كثيرة، فيما العشق ظل على حاله (وهذا الغرام إشكاليّ هو أيضا ويدفع إلى اتهام ماركيز بحسن الطويّة المفرط) أو قد يذهب الكاتب في ابتعاده إلى الزمن الذي سيلي، على غرار ما فعل الأمريكي غريس في روايته «بيت الآفات» التي صوّر فيها انهيار المجتمع الأمريكي على إيقاع ضربات طاعون مستقبلي متخيّل.

في الأعمال الكبيرة يظهر الوباء أقرب إلى زمن روائي منه إلى كارثة فعلية، أو هو يظهر، في تلك الأعمال، كواحد من الديكورات المتبدّلة في خلفيات المَشاهد.

أعود، كما أرغب دائما، إلى رواية «الموت في البندقية» لتوماس مان، وهي التي نقلها لوتشينو فيسكونتي إلى واحد من أعمال السينما الخالدة. فعلى الرغم من تلك التفاصيل (في وصف المدينة تحت الوباء) ومشاهد السينما التي بدت كأنها تغيّر شكل المدينة (البندقية) تحت وطأته، إلا أن هذا لم يكن إلا خلفية مكانية لدراما إنسانية معقّدة وقليلة الصلة بسقوط المدينة. وباء البندقية ذاك يبدو في الرواية مرحلة من مراحل سقوط غوستاف أشنباخ (ذكر نقاد أنه يرمز إلى الموسيقي غوستاف ماهلر) بعد أن أدرك فجأة أن حرص موسيقاه على التوازن والدقة، يضعف حيويتها ويسرع في جعلها شيئا من الماضي. أما أكثر ما يبقى متذكَّرا من الرواية، كما من الفيلم، فافتتان أشنباخ بالفتى تادزيو، الذي لا يتجلّى جماله المغوي والنادر، إلا ليكشف عن السقوط المتواصل لمفتونِه.
في الأعمال الكبيرة يظهر الوباء أقرب إلى زمن روائي منه إلى كارثة فعلية، أو هو يظهر، في تلك الأعمال، كواحد من الديكورات المتبدّلة في خلفيات المَشاهد. فقط في كلام السير يمكن الوقوف على هول الوباء العادي: «هبط إلى مصر ففتك بأهلها فتكا ذريعا، ودمّر مدنا وقرى ومحا أسرا بكاملها» كما كتب طه حسين في «الأيام» أو أنه، في الأدب أيضا، ينبغي أن يُهتدى إليه اهتداء، أو أن يستعاد من حياة بشر قديمين. يعرف صديقي الروائي، فيما هو يجد أن لا بد من الكتابة عن هذا الوباء الأخير، أن عليه أن يبتعد ما أمكنه عن تفاصيله. من ذلك مثلا أن يمتنع عن تسميته (كوفيد 19) ويكتفي بتعريفه بكلمة مثل «المرض» أو حتى «الوباء» من أجل أن يبقي فيه شيئا من قِدمه. كما يعرف صديقي الروائي أن عليه أن يتجنّب ذكر ما يستخدمه الناس من أدوات لاتّقائه، وأن لا يعدّد ظواهر الإصابة به، وأن لا يعدّد خصائصه، أي باختصار أن يظل، فيما هو يكتبه، دائم الفرار منه. إن جرى توصيف الجائحة كما هي، كيف سيمكنه أن يودع سرّه الشخصي، وهذا ما يسعى إليه الكاتب مما كتبه حيال شيء يعاني منه البشر جميعهم المعاناة ذاتها.
– لكن لماذا أنت مصرّ على الكتابة عنه؟
– لأنه لم يعد هناك شيء سواه. لا شيء.

روائي لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية