بعد رواياته «ماري روز تعبر مدينة الشمس» و«أرض أكثر جمالا « و«عمان ورد أخير» و«ورقة التوت» و«الشندغة» وهي لفظة غير مفهومة و «حكاية اسمها الحب» و«البوكس» و«رائحة اللوز المر» و«صخب» و«حانة فوق التراب» و«نزف الطائر الصغير» تصدر للكاتب قاسم توفيق رواية جديدة بعنوان «ميرا» وهذا الاسم هو اسم بطلة الرواية، فالرواية على هذا الأساس من الروايات التي يؤخذ عنوانها من اسم إحدى الشخصيات، مثلما أخذ عنوان الرواية الأولى لمحمد حسين هيكل من اسم البطلة زينب. وميرا هذه تنحدر من أسرة صربيَّة من بلدة نوفي ساد، ولا يعرف إن كانت غجريّة فعلا، أم متشبهة بالغجر، فقد زعم السارد أنها كانت في الصِغر تنتظر قدوم الغجر، وتترك البيت، وتصاحب هذه الجماعات التي لها نمط حياتي خاصٌّ، عماده اللهو والغناء والموسيقى والرقص، وعدم الامتثال لتقاليد أبناء المدن. وفي إحدى جولاتها هذه مع الغجر فقدت بكارتها مثلما جاء في الرواية، لكن الحظ قادها لاحقا للوقوع في إعجاب شابٍ أردني قدم للدراسة، بمنحة اشترتها أخته الكبرى من الحزب الشيوعي (كذا) مع أن الكاتب صورها لنا في موقع آخر من الدعاة السلفيين أتباع الشيخ مجاهد، وما إنْ وقع بصره عليها حتى أحبَّها من أول نظرة. وتقدم لها خاطبا، بعد أن جرى التفاهم بينهما على أن يبقى كل منهما على دينه. وقد عقد قرانهما مرتين؛ الأولى في كنيسة البلدة، والثانية أمام مفتي المسلمين في بلغراد.
«المخرج عايز كده»
ويبدو أنّ الكاتب لم يدرسْ شخصيَّتيْ روايته هذه دراسة دقيقة، فقد أنجبت ميرا ولداً سمياه شادي، وفي تفسيره لاختيار الاسم يدعي إعجابها به لتردده في أغنية لفيروز. فكأنَّها تعجب بأغاني فيروز عن غير فهم، وكيفما اتفق، أي على طريقة «المخرج عايز كده». وبعد زمن غير قصير أنجبت طفلة سمّياها رجاء على اسم عمتها، غير أن شادي بلغ العشرين، وبقي على ما هو عليه من طيش، وعندما نشبت الحرب الأهلية في ما كان يسمى يوغسلافيا (1992) انضمَّ للمسيحيين، لا لشيء إلا مجاراةً لطبعه الطائش، النَزق، ما دفع بوالده رعد لاتخاذ قراره المفاجئ، وهو العودة إلى عمّان. تُرى، هل كان هذا القرار رهبةً من الحرب، أو رغبةً في الوطن؟ هذا ما لم تقله لنا الرواية. بيد أن ميرا كانت سعيدة بهذه العودة، وكذلك الصغيرة. وفي السيارة التي أقلتهم من نوفي ساد إلى المطار في بلغراد تستعيد ميرا ما مرَّ بها من وقائع على مدار السنين العشرين. خطبتها، موقف قريبها بوسكو، زفافها. ومن هذه الذكريات يتَّضح أن ميرا كانت تحب رعدا حبا كبيراً صادقا، وهو يبادلها الشعور ذاته، وقد ضحَّى كل منهما في سبيل الآخر.
بيد أنَّ الأمور ساءت بينهما لاحقا لأسباب لا يتضح للقارئ أنها مُقنعة. فالرجلُ وجد عملا في شركة قرب البحر الميت، وهو ما يزال في الأربعينيات من عمره، ووجد مكانا للسكن في حي شعبي بعمان. ولكن المؤلف صور لنا رعدا وكأنه شيخٌ طاعنٌ، لم يعد قادراً على الوفاء بواجبه الشرعي تجاه زوجته، التي هي الأخرى أربعينية مثله. ولا ندري – في الواقع – كيف تأتّى للكاتب أن يتخيل هذه المرأة ضحية الغواية من شابٍ يصوّره الراوي بصفته نموذجاً للأرْعن، الذي لا يؤمن بأخلاق، ولا بعادات، ولا بتقاليد. يحيى الراوي، الذي قدمه تلميذا لأمل معلمة الموسيقى، وفجأة يتناسى المؤلف ذلك ويجعل منه شوبان الأردن، والفنادق ذات النجوم الخمسة، والسائحات اللواتي يأتين من أقصى الأرض يحلُمْن بمداعباته، وكأنَّ الرجال الفحول انقطعوا من الدنيا، ولم يبق دون جوان (عليه القيمة) إلا يحيى الراوي العازف في بهو الاستقبال في أحد فنادق عمان. أما منزله في الحيّ، فأشبه بإحدى الفيلات الفخمة على شواطئ ميامي، أو على نهر السين. جدرانه تكسوها اللوحات الفخمة، وخزائن المخطوطات الموسيقية، والأسطوانات الكلاسيكية التي تذكره بموزارت، وبتهوفن. وهذه الشخصية ـ يحيى- شخصية غير طبيعية يخترعها الكاتب، ويزرعها في بيئة غير ملائمة، ولا مناسبة، كزراعة نخلة باسقة في أصّيص بحَجْم قبضة اليد.
صفوة القول إن ما يأخذه المؤلف من حكايته على الذين يعْجزون عن خلق الشخصيات الروائية، هو أحد أوجه القصور التي لا تبرأ منها روايته «ميرا».
أما العلاقة التي ساقت ميرا للوقوع في أحضان هذا الشاب، فترتَّبَتْ عليها أكاذيب لا تنطلي على أيٍّ من الشخوص. فهي، لتلتقي به، تدعي الذهاب لصلاة الأحد في الكنيسة البعيدة. والزوج يصدّق مثل هذا الادعاء على الرغم من أنه واثقٌ بأنها لا تصلي، وتكرارُ الادعاء نفسه مراراً لمدة تقارب السنتين شيءٌ لا ريب يثير الشك. ومن حول ميرا منْ هم شكاكون ـ كالعمَّة رجاء، التي تصف ميرا بالكافرة، فهل يمكن أن تصدق أكاذيب ميرا؟ كذلك ابنتها، وابنها شادي، وهما موجودان معها في البيت، إن كان هذا ينطلي ببساطة على المؤلف، فمن الصَعْب أن ينطلي على هاتيك الشخوص.
وثمة نقطة ضعف أخرى وهي الخاصّة بنابليون عمان ـ لا نابليون بونابرت ـ فلو حُذفت من الكتاب لما ترك حذفها أي ثغرة فيه. ومع ذلك فإن المؤلف يقدم لنا بها دليلا على أنَّ شخصياته مثل الدُمى يحركها كيف يشاء، فهي شخصياتٌ لا تتمتع بإرادة مستقلة عن المؤلف، وهذه إحدى سمات الروايات غير المُحْكمة، وغير المتقنة. وشيءٌ آخر يستوقف القارئ، وهو ما جرى بين هذه السيدة الأجنبية، التي لم يمض على حضورها لعمَّان سوى وقت قصير، والمتقاعد العسكري (أبو محمد) البقال، حين يحاول التحرُّش بها. فالمتقاعد العسكري لا يتقاعد مراهقا، وعلى فرض أنه مراهق، فبأي لغة، أو لكْنَة، تحرَّش بها، وهي التي لا تعرف إلا النزر اليسير من العربية. ومثل هذه الحكاية حكاية الولد البصاص الذي يختلس النظر من وراء خزانات المياه على السطوح ليراقب ميرا ممارسا العادة السرية. وهذه الحكاية أقلّ ضرَراٍ بالسرد من حكايته عن ابن حلاق الحارة أمين، الذي انتحر لأن أباه رفض أن يزوِّجه من ابنة الجيران، التي تقدم لها خطيبٌ آخر. ولو استبعدت من المرويات، لما تركت ثغرة كبيرة أو صغيرة في القصة. فالكاتب يلفق حكاياته كيفما اتفق. وثمة حكاية أخرى تختلفُ عن سيل الحكايات المذكورة، وهي تؤكد لنا أن الكاتب لا يفتأ يواصل سرده العشوائي الذي يستفزّ القارئ حين يُفاجأ، في نهاية الرواية، بمضي ثلاثة أشهر على شادي في مستشفى الأمراض العقلية. وأنَّ ميرا كانت خلال هذه الشهور تستقلُّ ثلاث مواصلات كي تزوره في بلدة (الفحيص) بدون أنْ يذكر عن هذا أيَّ شيء. ولا يُعقل أن تجري كل هذه العواصف، والزوابع، في منزل الزوج (رعد) بما في ذلك زوبعة الصغيرة رجاء، التي جاءت أمَّها بجلباب، وحجاب، وطلبت منها ارتداءَهما قسرًا. وقالت لها بلهجة آمرة أن تعلن إسلامَها، وإلا… وما كان بينهما من غضبٍ متبادلٍ لمْ يخلُ من صَفَعَات. نقول: لا يُعقل أن يجري هذا كله في منزل (رعد) وكأنه غير موجود طبقا للمثل الشعبي «الزوج آخرُ من يعلم» فالكاتب أقصى رعدًا من منظوره السردي، وكأنه الضمير المستتر وجوبًا، لا جوازا، مع أنه الشخص الثاني في الحكاية، وينبغي أن لا يُنْسى إلا إذا توفي.
الاعتراف
هذا جانبٌ من جوانب الإشكالات التي تعترضُ قارئَ هذه الرواية العادي، فكيف المتمرِّس بقراءَة الروايات. وثمَّة جانبٌ آخر، وهو الأهمّ، والأخطر، كحكاية الاعتراف الذي لا هو بالاعتراف ولا ما يحزنون. فكل ما في الأمر أن السيدة ميرا تريد الانفصال، أو بكلمة أخرى تطلبُ الطلاق. فهل يسمّى هذا اعترافا؟ ثم هل يتطلب مثل هذا الشأن تلك الحبكة المصطنعة كعدم التحدث عن ذلك في البيت.. والبحث عن مطعم سياحي في مكان بعيد كي يكون الحوار في منأىً عن الأولاد. ألم يُقنعنا الكاتب بأن الصغيرة رجاء، واللامبالي، أو المجنون شادي، لا يعنيهما شيءٌ من أمر الأبوين؟ فما الذي تخشاهُ ميرا؟ فالحبكة كلها مفتعلة، وحكاية النيروز ـ اسم المطعم السياحي ـ والحوار القصير المُقتضب، لا يستحق كل هذا اللف والدوران، لاسيما وأن الرجل حاول أن يعرف سبب الرغبة في الانفصال، وهي أحْجمت عن التصريح، وحتى عن التلميح، بأنها تخونه، فما الداعي لكلّ هذا التكتم؟ علاوة على هذا كله لم يسوغ لنا الكاتب كيف أقحم حكاية البلياردو، والمشاحنات بين شادي واللاعب المهزوم الذي عيّر شادي بأمه المومس، وأن هذه الكلمة كانت السبب في قيام الابن بذبح أمه طعنا بسكين المطبخ. فهذه الحكاية كلها، ولو أن المؤلف حاول أن يمهد لها في بداية الرواية، لا تقنع القارئ بأن شادي في مطلق الأحوال يمكن أن ينهي حياة أمه بسبب كلمة تافهة من لاعب مهزوم، وهو الذي لا تعنيه الغيرة على النساء في شيء.
صفوة القول إن ما يأخذه المؤلف من حكايته على الذين يعْجزون عن خلق الشخصيات الروائية، هو أحد أوجه القصور التي لا تبرأ منها روايته «ميرا».
ناقد من الأردن