السيسي يحصد التصفيق والحكومة تجني اللعنات… والقانون مهمته دعم المواطن لا رفاهية السلطة

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» : كما توقع المراقبون، حظي الرئيس السيسي أمس الأربعاء 3 مارس/آذار مزيداً من الثناء بسبب تدخله في اللحظة المناسبة لنزع فتيل الأزمة التي تسببت فيها الحكومة، على خلفية التعديل الذي لحق بالمادة 35 من قانون الشهر العقاري، وهي المادة التي أسفرت عن غضب ما زالت تداعياته ماثلة للعيان في عموم المدن المصرية.. وبقدر الثناء الذي حصده الرئيس في معظم الصحف ما زالت الحكومة تتلقى المزيد من الهجوم، وبات الاسم الذي يلاحقها في محتلف المناسبات “حكومة قطع الأرزاق”.
وكشف العديد من الكتّاب في صحف الأربعاء عن أن الحكومة التي نالت في السابق المزيد من الثناء في مواطن عديدة، أصبحت تمثل في الوقت الراهن خطورة على الأغلبية الفقيرة من المواطنين، لكونها تستهدف ما ليس بحوزتهم بعد أن باتوا شبه مفلسين، بل تجاوز بعض الكتّاب الأمر متهمين إياها بأنها تمثل خطراً على البرنامج الطموح الذي يتبناه الرئيس السيسي بهدف إعادة بناء دولة عصرية.
ومن جانبه أعلن وزير التعليم العالي الدكتور خالد عبدالغفار، موافقة الرئيس السيسي على إطلاق إشارة البدء في تنفيذ مشروع الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين، وإنشاء المركز المصري للجينوم، خلال اجتماعه، برئيس الوزراء المهندس مصطفى مدبولي، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي. وأوضح عبدالغفار، أن مشروع الجينوم هو أكبر مشروع علمي في تاريخ مصر الحديثة، وقد أطلقت الوزارة المبادرة الخاصة بهذا المشروع ممثلة في أكاديمية البحث العلمي، بالتعاون مع وزارات الدفاع والصحة والاتصالات، وأكثر من 15 جامعة ومركزًا بحثيًّا ومؤسسة مجتمع مدني، مشيرا إلى أنه من المتوقع الانتهاء منه بداية عام 2025 بتكلفة 2 مليار جنيه. وكعادته حرص الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم على الإشادة بما تقوم به وزارته، مؤكداً أن التغير الذي تقوم به الوزارة حاليا في العملية التعليمية في مصر، هو مُهمة شاقة جدا، مؤكدا أن الأصعب في هذا التغيير هو تصحيح أو تغيير بعض الأفكار المغلوطة، قائلًا: «إذا لم نتحرر من الاهتمام بالدرجات والطريقة القديمة لن نتحرك للأمام». وأضاف شوقي، أن ما تعرضت له الوزارة خلال الفترة منذ الإعلان عن «الامتحان المجمع» من 14 فبراير/شباط وحتى 27 فبراير، لا يتحمله بشر، مؤكدا أنه كانت هناك حالة هلع كبيرة ورهيبة. من جانبها أصدرت نيفين جامع وزيرة التجارة والصناعة، قرارا بفرض رسوم مكافحة إغراق نهائية على الواردات المصرية من صنف الإطارات الخارجية الهوائية المستخدمة في الحافلات (الأتوبيسات) والشاحنات، عدا سيارات النقل الخفيف (نصف نقل) المصدرة من أو ذات منشأ الصين وتايلند، على أن يُعمل بهذا القرار لمدة 5 أعوام، اعتبارا من تاريخ نشره في الوقائع المصرية. وبشأن أخبار مواجهة الفيروس القاتل، أفاد رئيس الفريق البحثي لإنتاج لقاح كورونا، المصري محمد أحمد علي، بأن المركز القومي للبحوث في مصر يتجه لإجراء تجارب سريرية على اللقاح الجديد في غضون أسبوعين. وقال، إن الفريق البحثي بصدد التحضير للدفعة الأولى من جرعات اللقاح بعد تصنيعه للدخول في التجارب السريرية على عدد كبير من المتطوعين، يتراوح بين 10 إلى 15 ألف شخص، وفقا لـ”سكاي نيوز عربية”. وأوضح أن الفريق البحثي ينتظر موافقة هيئة الدواء المصرية على إنتاج الجرعات الأولى، والبدء في التجارب السريرية، بعد تقديم ملف كامل يتضمن التفاصيل المتعلقة باللقاح والتجارب التي تم إجراؤها، مضيفًا أن هذه الموافقة “على وشك الصدور”، حيث يعمل الفريق البحثي المصري منذ نحو 6 أشهر على إنتاج لقاح كورونا محلياً.
العقاب بالقانون

ألقى الدكتور حسن أبو طالب في “الأهرام” الضوء على ملاحظة مهمة بشأن تعديلات المادة المثيرة للجدل في قانون الشهر العقاري: “هناك صدام مباشر بين تفسيرات تطبيق تلك المادة والدستور، إذ كيف تمنع الحكومة المواطنين من الحصول على الخدمات الحيوية، التي يفرض الدستور على الحكومة وكل أجهزة الدولة أن توفرها للمواطنين، وتعمل على تيسير الحصول عليها، نظير الضرائب المتعددة التي تحصل عليها من جميع الأنشطة الحياتية، التي يعرف الجميع أنها أكبر جدا من تلك التي تتحصل عليها الدولة من إشهار العقارات المبنية. وهل يتصور أحد أن مالكا لديه عقد ابتدائي ودخل في دوامة الإشهار الإجباري ومتطلباته من مستندات عديدة، وتواصل مع جهات حكومية متنوعة تصل إلى ست جهات، لكل منها تعقيداتها الإدارية المشهودة، التي قد تصل إلى عام أو أكثر للوفاء بها، فضلا عن تكاليف الإشهار الباهظة المباشرة وغير المباشرة، التي لا يقدر عليها الغالبية العظمى من المالكين البسطاء، فهل يُتصور أنه سيظل هو وأسرته بلا كهرباء أو مياه أو غاز، لحين إرضاء الشهر العقاري، وهل هذا العقاب غير الدستوري، سيجعله مواطنا راضيا وواثقا في حكومته، أم أنه سينظر إليها نظرة غضب واستنكار، وربما أكثر من ذلك؟ ومن خلال الشروح الرسمية العديدة يتبين أن تطبيق المادة الـ 35 مكرر يتضمن تمييزا بين فئات المواطنين، إذ لا تطبق على العقارات في الريف، كالقرى والنجوع، ولا على عقارات المجتمعات العمرانية الجديدة، بصفتها خاضعة للقانون من قبل، وبالتالي فتطبيقها يقتصر على فئة المواطنين غير الريفيين وغير القاطنين في الأراضي التي خصصتها الدولة للمستثمرين الأفراد أو الشركات، وهو تمييز يؤكد أن شمول القاعدة القانونية ليس موجودا، وبالتالى فهى تخلو من سمات القاعدة القانونية السليمة. صنع القانون يا سادة ليس فكرة عابرة تُصاغ وتُبرر، وفق عبارات إنشائية، إنه حركة حياة، لا بد أن تسبقه دراسات وافية”.

كفانا بكاءً

ما زال الغضب من الحكومة مستمراً على حد رأي أحمد عادل هاشم في “المشهد”: “الحديث عن الغضب الذي تفجره الجباية داخل بيوت المصريين منذ عصر الفراعنة إلى العصر الحديث، ربما يبدأ بالدهشة، ولا يقف أمام المناكفة، ولا ينتهي عند الثورة، فقد اعتاد المصريون على الجباية، وهي اعتادت عليهم وتعرفت إليهم عن قرب، وجلست معهم داخل بيوتهم وشاركتهم طعامهم وملبسهم ومسكنهم، ورغم ذلك شعروا بالمرارة تنقض على حلوقهم من قانون الشهر العقاري، الذي تم التراجع عنه مؤخرا، لكن غريزة التحايل التاريخي على المصاعب التي اكتسبها المصريون، حوّلت المرارة إلى وقود في ماكينة السخرية والنكات لديهم، لتدور الآلة وتنتج عبوات جديدة من السلع الفكاهية، تشمل كل مظاهر الحياة في المحروسة، بداية من السياسة ومرورا بالدين إلى الحب والزواج.. ماكينة النكات وصلت إلى البرلمان وأوقعته في حرج بالغ، عندما تم نشر “بوست” على مواقع التواصل الاجتماعي يزعم أن البرلمان سيقوم باستطلاع هلال الشهر العقاري أعاده الله عليكم بالجباية والغرامات.. وإلى الأسر والعائلات والأزواج بوست آخر يحذر الرجال من مغبة عدم تسجيل عيالهم في الشهر العقاري، حيث سيتم سحب العيال من الأب الذي لا يسجلهم ويحرموه من كلمة بابا”.

بيت العز

واصل أحمد عادل هاشم سرده لمعاناة المصريين: “لم ترحم ماكينة السخرية والنكات الفنون والأغاني كذلك، حيث نوه أحدهم على المواقع تحت عنوان “خبر عاجل” أنه تم منع أغنية بيت العز للمطربة الراحلة فايزة أحمد، لحين تسجيل البيت بالشهر العقاري، حتى المشاعر والحب والزواج لم ينج أيا منها، ونشر أحدهم “بوست” كتب فيه لزوجته أو ربما خطيبته: إنت اللي متسجلة في القلب والباقي صحة توقيع.. التاريخ والآثار طالتهم السخرية، عندما نشر “بوست لرجال الآثار وهم يوقظون الملك خوفو من مرقده لكي يسرع بالذهاب إلى الشهر العقاري لتوثيق الهرم الذي بناه، بينما قدم أحدهم الرثاء لصديق له تزوج على مراته في شقة غير مسجلة داخل عمارة مخالفة.. حتى الدين تم توظيفه لتمرير السخرية والنكات: “بيقولوا الاعتكاف في العشر الأواخر من الشهر العقاري ثوابه كبير قوي عند الحكومة! الغضب عند المصريين دائما ما يكون طاقة مكبوتة، لا تجد لها مخرجا إلا من خلال ألسنتهم، هم مسالمون، طيبون، يسمعون الكلام، لكنهم يحولون المتاعب والمصاعب إلى طاقة إبداع أحيانا، وطاقة عمل كثيرا، وطاقة سخرية دائما، وجميع حكام مصر تعرضوا للسخرية وإطلاق النكات عليهم، لم ينج أحد منهم”.

التصفيق لا يهم

الشكر مستحق للرئيس السيسي أعرب عنه عبد القادر شهيب في “فيتو”على قراره بتأجيل تطبيق قانون الشهر العقارى لنحو عامين، حتى يتسنى إجراء حوار مجتمعي حوله، وتعديله بشكل يريح الناس.. والإشادة مستحقة أيضا للرئيس السيسي على تدخله لاحتواء مشكلة أزعجت الكثير من المواطنين وأثارت ضيقهم.. استدرك الكاتب: لكنني لا أفهم أن يأتي الشكر والإشادة من البعض تحديدا، خاصة هؤلاء الذين كان في مقدورهم أن يتحركوا مبكرا لاحتواء هذه المشكلة، سواء كانوا ينتمون للسلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية، ولا يتأخرون حتى تصدر توجيهات الرئيس..
الشكر والإشادة للرئيس مفهومة من كل مواطن تدخل الرئيس لاحتواء قلقه وطمأنته.. فهذا تصرف ورد فعل طبيعي.. أما من كان في مقدورهم أن يفعلوا شيئا لتهدئة المواطنين، واحتواء المشكلة ولم يفعلوا شيئا وانتظروا صدور التوجيهات الرئاسية، فهم قصروا في أداء واجبهم الأساسي، لأنهم كانوا يملكون أن يفعلوا شيئا ولم يقوموا به لطمأنة الناس، وتجاوز مشكلة أزعجتهم. الرئيس السيسي يريد ما هو أهم وأكثر فعالية من الشكر على تدخله لحل المشاكل والإشادة بتوجيهاته والتصفيق لقراراته.. إنه يريد أن يقوم كل مسؤول بدوره وواجباته، وألا ينتظر حتى تصدر له التوجيهات.. بذلك سوف نمضي في طريقنا، وسوف نتجاوز العقبات ونتصدى للتحديات ولن نمنح أحداً فرصة لتعكير صفو الرأي العام أو تضليل الناس.. أما تصدير المشاكل للرئيس فهو أمر غير مسؤول من المسؤول”.

أفضل من لا شيء

المهم على حد رأي عبلة الرويني في “الأخبار” تراجعت الحكومة… اختارت العقل والمراجعة.. اختارت أن تسمع وتستجيب، وتم إيقاف العمل بتعديلات قانون الشهر العقاري الجديد (إيقاف مؤقت) يعني تأجيل القانون لإعادة النظر، وبحث إجراءات تسجيل الملكية العقارية، بعد الرفض الشعبي للتعديلات. حتى الحقوقيون (ويمنحهم القانون الجديد 1% من رسوم التسجيل لنقابة المحامين) طعنوا في دستورية القانون الجديد… بينما تقدم حزب الأغلبية في مجلس النواب (مستقبل وطن) بمبادرة لتعديل تشريعي، يتعلق بالمادة (35) الخاصة بتسجيل العقارات والوحدات السكنية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وهو ما أيدته بعض الأحزاب الأخرى (الحرية. العدل. الشعب الجمهوري). وبالتأكيد لا أحد ضد تسجيل وتوثيق العقارات في الشهر العقاري… لا أحد ضد حماية حقوق المواطن وصيانة ملكيته… ولا أحد أيضا ضد حق الحكومة القانوني في تسجيل العقارات، ولا ضد دورها ومسؤوليتها في حصر وتوثيق وتنظيم الثروة العقارية في مصر.. لكن كيف نصون الحقوق، بدون جباية، وبدون إنهاك للمواطن؟ تلك هي المسألة.. كما أشارت الكاتبة 90 % من الأبنية والعقارات في مصر غير موثقة، وغير مسجلة في الشهر العقاري، ولا يسعى أصحابها إلى تسجيلها، والسبب هو إجراءات التسجيل المعقدة والمعطلة والمحبطة، ورغم ذلك تأتي الحكومة بتعديلات مقترحة لقانون الشهر العقاري، تزيد من الأعباء المالية (رسوم مضاعفة على إجراءات التسجيل)، وتزيد من الأعباء القانونية على المواطن (فرض شروط وموافقات وتوقيعات وبيروقراطية تاريخية للحصول على التسجيل)، ثم الأشد هولاً من زيادة الأعباء… المقايضة على الحق في الحياة، حين تربط التسجيل العقاري بتوفير دخول الخدمات (تحظر توصيل الكهرباء.. الغاز.. مياه الصرف الصحي إلى العقارات غير المسجلة في الشهر العقاري) والحمد لله على نعمة العقل والمراجعة.

حل مؤقت

النقطة الجوهرية الإيجابية في أزمة الشهر العقاري كما أوضح عماد الدين حسين في “الشروق” أن رئيس الجمهورية استجاب للناس، والحكومة لم تعاند أو تكابر ولم تأخذها العزة بالإثم، وهو تطور مهم جدا يمكن البناء عليه في المستقبل في الحالات المماثلة. رسالة الدولة وصلت للمواطنين، فقد كان أقصى ما يمكن توقعه هو التأجيل حتى نهاية هذا العام، أي لمدة عشرة شهور فقط، كما اقترح حزب «مستقبل وطن»، لكن الرئيس رفع المدة إلى عامين على الأقل، يتم خلالها بحث أفضل السبل لتحقيق مصلحة المواطنين، وتحصيل حقوق الدولة. الحكومة أخطأت خطأ كبيرا، وهيأت الفرصة لكل المتربصين بها لأن يصبوا المزيد من الوقود على النار المشتعلة، ولا يمكن أن نلوم هؤلاء حينما يفعلون ذلك، لأن تلك هي بضاعتهم وتجارتهم الوحيدة، والخطأ الأكبر على من يهيئ لهم الفرصة. ثم إن مثل هذه الطريقة الحكومية، سترسخ انطباعا ـ حتى لو كان خاطئا ـ بأن هدف الحكومة الوحيد هو جباية الأموال من المواطنين، طوال الوقت، ومن دون مراعاة ظروفهم المعيشية الصعبة.

الأمن في الخدمة

الأجهزة الأمنية وأجهزة قياس الرأي العام، وفق رأي عماد الدين حسين، كان لها دور مهم في التعجيل بنزع فتيل الأزمة، بعد أن اطلعت على حالة الغضب، والاستياء بين غالبية المواطنين بسبب القانون. وأتمنى أن تراعى القيمة الثابتة المقطوعة، التي قال الرئيس السيسي إنها «مخفضة» خلال الفترة الانتقالية، الظروف الصعبة التي يمر بها الجميع، ولا أعرف هل ستكون موحدة للجميع؟ أم مختلفة ومتدرجة حسب المكان والمساحة وقيمة عقد البيع؟ الدرس الأهم الذي لا أمل من تكراره، هو ضرورة أن تكون هناك هيئات أو لجان أو مؤسسات أو أجهزة، وما يشبه خلية إدارة الأزمة، تنظر في كل قرار أو مشروع قانون قبل صدوره، خصوصا إذا كان يمس حياة الناس، ويتضمن دفع ضرائب أو رسوم أو دمغات أو أموال تحت أي بند. أن تتناقش وتتجادل اللجنة وتبحث بهدوء في الأمر، وقبل صدور القرار أو القانون، أفضل مليون مرة، من حدوث ذلك بعد الصدور. وأتصور أن هذه المهمة يفترض أن تكون أولوية لدى البرلمان بمجلسيه، خصوصا مجلس النواب، الذي يقوم بإصدار القوانين. لم نعد نملك ترف تكرار صدور قوانين مماثلة في المستقبل، لأن التكلفة الشاملة، خصوصا السياسية على الحكومة والنظام والمجتمع فادحة.

رؤيتان للنجاة

الناظر في حال مصر الآن يجد أن هناك رؤيتين مختلفتين لمستقبل الدولة والمجتمع فيها، هاتان الرؤيتان لم يتم التعبير عنهما صراحة، ولم يحدث أن تم النقاش حولهما، ولكن يمكن أن نستشفهما من قراءة المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر. تابع الدكتور نصر محمد عارف في “الأهرام”، الرؤية الأولى التي اعتاد عليها سكان بر مصر على مدى السنوات الخمسين الماضية، منذ وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، رحمة الله عليه، وهى تقوم على فكرة الترميم، والترقيع الدائم، والمستمر، بدون إضافة جوهرية تحدث تغييرا هيكليا في الاقتصاد أو في المجتمع. وهذه الرؤية هي التي تعشش في عقول وقلوب الكثير من الشعب، ونخبه المثقفة، وطبقاته المتعلمة. أما الرؤية الثانية وهي التي يتم تحقيقها في الواقع بدون الحديث عنها، وبدون شرحها أو تفسيرها، وبدون أن يكون هناك جهاز إعلامي، أو ثقافي يقدمها للشعب كما حدث في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهي رؤية تقوم على بناء مصر جديدة بعيدة هناك في الصحارى، التي ظلت مهجورة لآلاف السنين. الرؤية الأولى لمستقبل مصر تحلم بإصلاح وترميم البقعة الجغرافية التي يعيش فيها المجتمع المصري، وتجديد البنية التحتية والطرق والشوارع والمواصلات، وتحلم بتعليم جيد يحمي الفقير من ضياع دخله البسيط على الدروس الخصوصية، وتوفير خدمات صحية بأسعار مناسبة، لأصحاب الدخول المحدودة، وفتح المجال لأبواب الرزق؛ حتى لو جاء من مهن هامشية، أو من عمل خارج إطار النظم والمعايير، المهم أن تترك الدولة العباد يرزق بعضهم بعضا بأي كيفية يشاءون.

على طريق اليابان

واصل الدكتور نصر محمد عارف: “الرؤية الثانية ترى أن يصبر الشعب قليلا، أو كثيرا، ويحتمل بعض الصعاب لأنه سوف يتم تغيير حياته تغييرا كاملا، سوف ينتقل نقلة زمانية تقاس بالعقود والقرون، سوف تتاح له فرصة الحياة بصورة كريمة، وراقية تناسب العصر، وتنافس ما هو موجود في العالم المحيط بمصر. لأنه سوف يتم بناء مصر جديدة ينتقل إليها من يستطيع، ليتسع مجال الحياة لمن لا يستطيع، ويصير من يستطيع ومن لا يستطيع في بحبوحة من العيش بصورة تلقائية. هذه الرؤية الثانية تحققت تاريخيا في اليابان؛ ولليابان قصة مع الصعود والهبوط، مع القوة والانهيار إلى حد الدمار، ثم النهوض بسرعة فائقة، والقفز خطوات إلى العلا حتى تصير على قمة هرم العالم، فما حدث في اليابان يتعلق بمصر وما تمر به اليوم؟ القصة أنه كانت في اليابان خطوط سكك حديدية للقطارات بدأت منذ 1872، ثم انهارت تماما مع الحرب العالمية الثانية، وبدأ بعد الحرب نوع من الترميم والإصلاح، والتوسعة لهذه الشبكة، وفي لحظة حاسمة في ستينيات القرن الماضي، وجدت اليابان أن فكرة الإصلاح والترميم مكلفة جدا ولا تحقق الاستدامة، فما يتم إصلاحه اليوم يتعطل بعد فترة وهكذا، لذلك قررت أن تترك القديم كما هو يعمل في حدود طاقته، بدون أن تنفق كثيرا على تجديده، وتطويره، وأن تنشئ خطوط سكك حديد جديدة بقطارات جديدة، تقوم على تكنولوجيا جديدة، تعمل بالطاقة النظيفة، وليس بالمازوت أو الفحم، وأن تترك للناس حرية الاختيار بين القطار القديم، والقطار الجديد، وكلاهما يذهب للاتجاهات نفسها، وينطلق من أماكن متقاربة”.

انصرفوا لحالكم

حرص حمدي رزق في “المصري اليوم” على إرسال خطاب إلى بلينكن الذي اطلق عليه مبعوث القيم الأمريكية: “أنا، كمواطن مصري، ودولتي وحكومتي وشعبي نحترم منظومة الأخلاق العالمية، ويحترم الكبير والصغير فينا إعلان حقوق الإنسان العالمي، ويعرف التلميذ الصغير في مدارسنا أن هناك قواسم حضارية مشتركة بين كل حضارات العالم، ويعرف الفلاحون في المزارع، والعمال في المصانع، والعجائز الذين يجلسون أمام المدفأة في شتاء بلادنا، كل هؤلاء يعرفون أن كل دولة لها طريقتها في التعبير عن المنظومة الأخلاقية. لا يمكن لدولة أن تجبر كوكب الأرض كله بخطوط طوله وعرضه على مفهوم موحد للأخلاق والقيم. الكل يعرف أن هذا هراء، ومن باب نافلة القول، أو من باب التحديد الجامع والمانع أقول، إن هذا كله معروفٌ لكل الدول التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، لذلك ليست هناك مشكلة لدينا عندما نقول إن منظومة القيم الأمريكية المستقرة في أمريكا بولاياتها، تلك القيم التي استنها الآباء المؤسسون لأمريكا الحديثة، كالمساواة والاستقلالية والتنافسية.. وغيرها هي قيم بعيدة كل البعد عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة عبر البحار وخارج الحدود، وتبتعد بعرض الأطلنطي عن بسط النفوذ بقوة السلاح، والطائرات المسيرة، وصواريخ الأسطول السادس، والحصار الاقتصادي، والعنصرية، ووصم الرافضين للهيمنة الأمريكية بالإرهاب. ما زلنا نترحم على رؤساء أمريكا العظماء، أمثال لينكولن، وفرانكلين روزفلت، وثيودور روزفلت الابن، لذا أستغرب جدا، وحقَّ لي أن أستغرب، من دفقة تصريحات أمريكية منسوبة لأقطاب الإدارة الديمقراطية الجديدة في البيت الأبيض تتحدث عن مجموعة القيم الأمريكية بمفاهيم مغايرة لما هو مستقر في العقل الأمريكي الواعي بمنظومة القيم الأمريكية الحقيقية. وجه الاستغراب أن الديمقراطيين يسنون منظومة قيم للتصدير لا تعبر عن أمريكا الحقيقية، ويفرضونها فرضا على العالم بقوة الطائرات المسيرة تحت زعم نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان”.

عظة للآخرين

نتوجه نحو باريس بصحبة محمد أمين في “المصري اليوم”: “عندنا مَثَل مصري يقول: «الميّة مبتطلعش في العالي».. وهو كلام غير صحيح في فرنسا، فالمية بتطلع في العالي بالقانون، ولو كان الرئيس نفسه.. منذ أيام ألقت المحكمة قنبلة في الوسط السياسي الفرنسي، وحكمت بالسجن على الرئيس ساركوزي لمدة ثلاث سنوات بتهمة استغلال النفوذ ومحاولة التأثير في المدعى العام الفرنسي، وهو ما يهدد مستقبل ساركوزي السياسي في حال عدم إلغاء الحكم.. وليس هذا فقط ولكن تم سجن محاميه بالأحكام نفسها.. فأصبح المتهم والمحامي في السجن في المدة ذاتها، وهو ما اعتبره الوسط السياسي قنبلة سياسية ومعنوية، مع أن الحكم لا يمنع ساركوزي من الترشح للرئاسة، ولكنها فضيحة فساد واستغلال نفوذ تمنعه معنويا من الترشح للرئاسة، فالشعب الفرنسي لا يمكن أن ينتخب ساركوزي وهو غير أمين على منصبه، وغير أمين على دستور البلاد، الذي يضمن استقلال القضاء، بينما ساركوزي كان يحاول رشوة أحد أعضاء مؤسسة العدالة لخدمة مآربه الشخصية.. وكانت المفاجأة حبس الرئيس السابق ومنع محاميه من مزاولة مهنة المحاماة، أو ما نسميه هنا عدم الصلاحية.. فقد كان يساعده لعدم اقتصاص القضاء منه، وكان المدعي العام يطالب بالسجن، لأن صورة الرئاسة تضررت بهذه الاتهامات.. وأخيرا، أسدلت المحكمة الستار على القضية المعروفة إعلاميًا بـ«قضية التنصت»، وكان المحامي يقول إن ما حدث غير قانوني، لأن هناك من تنصت على المحامي وموكله، ووصف الاتهامات الموجهة إلى ساركوزي بأنها أشبه بالقمامة، ويجب أن تُلقى في صندوق النفايات.. فألقت به المحكمة في السجن. المهم أن المظاهرات لم تخرج دفاعا عن ساركوزي.. ولم نسمع هتافات من عينة «بالروح بالدم نفديك يا ساركوزى».. ولم ترتعش يد العدالة وهي تقتص من الرئيس الذي كان يجلس في قصر الإليزيه منذ سنوات.. ولم يتدخل أحد ليوقف السير في القضية، ولم يُصدر عنه الرئيس عفوا عاما.. لا شيء من ذلك حدث”.

بين عجز وأهمال

ملف المتقاعدين كبير وعميق وشائك، كما قالت فكرية أحمد في “الوفد”: “بدءا من المعاشات الهزيلة المهينة التي لا تغنى ولا تسمن من جوع، في أرذل العمر، الذي من المفترض أن تكرم فيه الدولة هؤلاء، جزاء بما عملوا وأفنوا شبابهم في خدمة الوطن والمجتمع، فإذا بالمعاش الفتات لا يكفي حتى ثمن الدواء لهم، ليعيشوا ما تبقى لهم في قهر وعوز وحاجة، وأكاد أزعم أننا في مقدمة دول العالم التي تهدر كرامة وحقوق المتقاعدين على هذا النحو، في كل دول العالم حتى تلك التي علمناها نحن القوانين، وساهمنا في وضع تشريعاتهم، المعاش لديهم يكفي لأن يحيا المتقاعد حياة كريمة، بجانب تخفيضات كثيرة، وإعفاءات في العديد من الخدمات، حتى في أجرة السكن، بجانب توفير مساكن خاصة لهم في أحياء بعينها، تتسم بالهدوء والمناظر الجميلة، والخدمات والمرافق السهلة لخدمتهم، بما يوفر لهم المزيد من الحياة الكريمة. طالبت الكاتبة بإنشاء مراكز للرواد في الأحياء على غرار مراكز الشباب، وأن تتضمن أنشطة حرفية يدوية ومهنية «اصنع بنفسك» وثقافية وفنية ورياضية، على غرار الألعاب البسيطة التي يمكن أن يمارسها المسنون، ورياضة ركوب الدراجات والتجديف ومكتبة وأن تكون فيها مطابخ، يطهو بها المسنون طعامًا جماعيًا بالمشاركة بمبالغ مالية، خاصة المقيمين بمفردهم في منازلهم، ممن يعانون الوحدة والملل والاكتئاب. فكثير من المتقاعدين لديهم مواهب خاصة فنية أو رياضية، أو أي موهبة، ولكن ظروف العمل والحياة الطاحنة جعلتهم ينسون هواياتهم، ويزيحونها بعيدا عن اهتمامهم لوجود أولويات حياتية ومسؤوليات اعتبروها أهم تجاه أسرهم، لذا مع التقاعد تكون الفرصة متاحة لأن يمارسوا هواياتهم وينفسوا عن أنشطة يحبونها أرجأوها سنوات طويلة”.

النسيان قاتل

تابعت فكرية أحمد: “يمكن الاستفادة من المتقاعدين في عمل دورات تدريب للشباب في هذه المراكز، على أن يستخدم كل متقاعد خبراته السابقة في عمله وتخصصه، لتدريب الشباب ونقل خبرته إليهم في أي من مجالات العمل، ويمكن تشغيل المتقاعدين في دور الحضانة، والمدارس الابتدائية ليقوموا بدور «الراوي» أي الحكواتي، فمن منا لا يشتاق إلى وجود جد أو جدة لأولاده وأحفاده، يحكون لهم القصص اللطيفة، ويجلسون معهم بعض الوقت، ينقلون لهم السلوك المحترم والعادات والتقاليد الجميلة، ويحدث هذا النموذج في بعض الدول الأوروبية، حيث تتم الاستعانة بالمسنين في حصة من حصص الأنشطة للأطفال، إذ يقوم بسرد الحكايات للأطفال، أو مشاركتهم في بعض الألعاب والأنشطة والهوايات، ويكون هذا مصدر سعادة للمسنين وللأطفال أيضا، كما تتم الاستعانة مثلا بضابط شرطة ورجل مرور متقاعد، أو أي من رجال القانون، ويقدم حصة تدريبية للأطفال في المدارس لتعليمهم احترام قواعد المرور، والقانون، واحترام دور رجال الشرطة، من خلال سرد مبسط واحتكاك عملي مع الأطفال، يوضح من خلاله الضابط أو رجل الأمن أو المرور أو الإطفاء المتقاعد، كيف يتعب رجال الشرطة والقانون من أجل راحة المواطنين وأمنهم وسلامتهم، كما يمكن الاستعانة بالمتقاعدين في دور الأيتام، لتعويض الأطفال الأيتام حنان الأم والأب والأجداد، وفي فصول محو الأمية بالأحياء والقرى”.

أمل محتمل

أكد عبد العزيز الشناوي في “اليوم السابع” أن الحكومات المتعاقبة ظلت لسنوات، تغفل تنمية وتطوير المواطن الشاغل الرئيسي لتلك المنشآت، وتركته يعاني أو يفتقد شيئا ما، إلى أن ولد مشروع “بشاير الخير” في الإسكندرية، تلك المناطق السكنية الجديدة التي افتتح السيد رئيس الجمهورية مرحلتها الأولى في سبتمبر/أيلول 2016 وجاءت على أنقاض عشوائيات منطقة “غيط العنب” في الإسكندرية، فكانت نقلة نوعية وحضارية غير مسبوقة، ثم توالت المراحل حتى افتتح الرئيس في مايو/أيار 2020 المرحلة الثالثة في القباري، وجار العمل في مراحل أخرى من مشروع بشاير الخير. وجدنا في سلسلة بشاير الخير، الخير الحقيقي فبحق، لكل شىء نصيب من اسمه! كيف لا ونحن نرى أن التنمية هنا ترتكز على الإنسان محورا لها، وتنفذ شعار “البشر قبل الحجر”، واقعا ملموسا، وتؤسس لتنمية مستدامة، مركزها الإنسان. بشاير الخير، وعلى مساحة (مليون متر مربع) تم إنشاء (55547) وحدة سكنية، حتى الآن، من المخطط أن تستوعب قرابة (210 ألف) مواطن، في وحدات يستلمها سكان العشوائيات ـ سابقا ـ كاملة التجهيزات، ليس هذا هو المشروع فحسب.. فالمشروع يضم مراكز تنموية وتجارية ومدارس ومستشفى ومساجد وكنائس وأندية رياضية ومراكز رعاية اجتماعية. منذ اللحظة الأولى، تم إنشاء بشاير الخير على مبدأ المساواة، فجاءت العقارات جميعها على الشكل والمضمون نفسه بما يحقق المساواة بين المواطنين كافة من سكان المشروع. وفي بشاير الخير، يُستهدف القضاء على الفقر وجميع أبعاده، لذا تم استحداث نظم وتدابير حماية اجتماعية وتغطية صحية واسعة للفقراء والضعفاء.

عافاكم الله

اهتمت ريهام سعيد في “فيتو” بقصة أغلى دواء في العالم: “زولجينزما” أحدث الأدوية لعلاج مرضى ضمور العضلات من إنتاج إحدى الشركات السويسرية، وهو يعتبر من أغلى الأدوية في العالم، ويصل ثمنه عالميا إلى 2.1 مليون دولار ويستخدم لعلاج مرض “ضمور العضلات الشوكي عند الرضع”. ويعد مرض ضمور العضلات، أحد الأمراض الوراثية وله عشرات الأنواع، يسبب ضعفًا تدريجيًا في العضلات، ويصاحب مرض ضمور العضلات صاحبه إلى أن يتوفى. ومرض ضمور العضلات نوع واحد من أنواع متعددة للضمور، فهناك ضمور العضلات، وضمور الأعصاب، والضمور الطرفي والشوكي. وتوجد أدوية تقلل من نسب إصابات المرض بالإعاقة على مدار عمرهم، إلا أن تكلفتها مرتفعة للغاية، وترتفع نسب الإصابات في مصر بنسبة كبيرة بسبب زواج الأقارب، كما يتسبب المرض في فقدان الأطفال القدرة على الحركة ثم الوفاة. وتمثل نسبة الإصابة به في العالم 1 إلى 3500 لكل مولود ذكر مصاب بنوع دوشين ذكور، كما تبلغ نسبة الإصابة في مصر مليون مصاب بأمراض ضمور العضلات، التي تتعدى أنواعها الـ65 نوعا، ويصاب به من 200 إلى 250 مريضا سنويا. وقامت وحدة أمراض العضلات والأعصاب في طب عين شمس برئاسة الدكتورة ناجية فهمي أستاذة المخ والأعصاب في جامعة عين شمس بعلاج أول طفل مصري مصاب بمرض ضمور العضلات الشوكي، بدواء “زولجينزما zolgensma” الذي يعد الدواء الأعلى سعراً في العالم وتبلغ قيمته 2.125 مليون دولار بما يوازي 34 مليون جنيه مصري. وأوضحت الدكتورة ناجية فهمي أن هذا الدواء هو العلاج الجيني الأول من نوعه في العالم الذي يُعطى للمريض عن طريق الحقن الوريدي ولمرة واحدة فقط. من جانبها قالت الدكتورة ناجية علي، مديرة وحدة أمراض الأعصاب في طب عين شمس، أن علاج ضمور العضلات الشوكي لا يصلح مع حالة اللاعب مؤمن زكريا المرضية، وأوضحت أن مرض مؤمن يعد إصابة في الخلايا العصبية في الحبل الشوكي، ولكن أسباب إصابة مؤمن زكريا مختلفة عن أسباب الإصابة بمرض ضمور العضلات الشوكي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية