بغداد ـ «القدس العربي»: أقرّ قضاة عراقيون، أمس الأربعاء، بزيادة عدد حالات العنّف الأسري، حتى أصبحت ظاهرة يعاني منها المجتمع، عادّين الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها العائلة والبطالة، فضلاً عن الحظر الصحي العام وارتفاع الأسعار وعدم توفر فرص العمل وسوء استخدام برامج التواصل الاجتماعي، أسباباً تقف وراء تفشي الظاهرة. ونظم مجلس القضاء الأعلى حلقة نقاشية، بحضور المشرف على المركز الإعلامي للمجلس، القاضي حيدر علي نوري، وعدد من القضاة والمختصين بهذا المجال من منظمة الأمل العراقية ودائرة تمكين المرأة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء ودائرة العنف الأسري في وزارة الداخلية، ركّزت على خطورة جرائم العنف الأسري مع إطلاق حملة لتشريع قانون «مناهضة العنف الأسري».
وأوضح قاضي محكمة تحقيق بغداد الجديدة جاسم محمد كاظم، لإعلام القضاء، أن «للقضاء، إجراءاته واهتمامه بجرائم العنف الأسري، التي أصبحت ظاهرة تهدد ترابط لبنة العائلة العراقية ووحدة الأسرة، فقد أصدر مجلس القضاء بيانا بالرقم 9 لسنة 2021 المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4613 في 25/ 1/ 2021 تم بموجبه تشكيل محكمة تحقيق ومحكمة جنح متخصصة بالنظر بقضايا العنف الأسري، إضافة إلى أعمالها ويكون مقرها في كل منطقة استئنافية، كما ناقش في جلسته الرابعة بتاريخ 24/ 1/ 2021 موضوع العنف الأسري وأهميته وأبعاده بالنسبة للأمم المتحدة، وقرر المجلس أن يكون التحقيق والمحاكمة في شكوى العنف الأسري حسب الاختصاص لمحل وقوع الجريمة إضافة إلى المحاكم التي تم إنشاؤها بالبيان المشار إليه آنفا، وهذا ما تأكد بتعاميم مجلس القضاء الأعلى بالعدد 128 في 27/ 1/2021 وبذلك سبق باقي السلطات في الاهتمام بمعالجة هذه الظاهرة، فضلا عن تهيئة محققين قضائيين مختصين في هذه الجرائم ومن كلا الجنسين».
تشريع يوقف الجرائم
وعن ارتفاع نسبة الجرائم قال إن «ظاهرة العنف الأسري ازدادت خلال الفترة الماضية وأصبحت ظاهرة تهدد المجتمع، ما يعزز ضرورة وضع تشريع يوافق هذه الجرائم للحد منها، سيما وأن الأسباب تختلف في كل جريمة عن الأخرى، لكن أغلب الحالات التي سجلت كانت بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها العائلة والبطالة وأسباب أخرى منها الحظر الصحي العام وارتفاع الأسعار وعدم توفر فرص العمل، وكذلك سوء استخدام برامج التواصل الاجتماعي وعدم معرفة العواقب التي تؤديها طريقة استخدامها بصورة غير صحيحة».
ولفت إلى أن «أغلب الدعاوى تحرك من قبل المجنى عليهم أو من يقوم مقامهم قانونا كـ(الولي) في حال صغر سن المشتكي، إذ قد يبلغ سنه خمس سنوات أو أقل، ففي هذه الحالة يتوجب إقامة الشكوى من الولي الجبري أو حاضنة الطفل بموجب حضانتها، وفي حال تعارض مصلحة المجنى عليه مع مصلحة من يمثله أو لم يكن له من يمثله فالمحكمة عينت ممثلة له استنادا لأحكام المادة 5 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 «.
وعن المادة القانونية وأبرز الدعاوى وأنواعها، بين أن «لا توجد مادة مقيدة لوصف العنف الأسري، إذ إن كل جريمة لها وصفها وقد تصل العقوبة إلى السجن في جرائم الضرب إذا اقترنت بظرف مشدد مثل إحداث عاهة مستديمة في المجنى عليهم، وإن أغلب الدعاوى هي جرائم الإيذاء العمد والضرب».
الأوضاع الاقتصادية الصعبة والبطالة وسوء استخدام برامج التواصل الاجتماعي وراء تفشيها
وبشأن الإجراءات القضائية أكد أن «محكمة التحقيق تتولى استقبال الشكاوى التي تخص الجرائم أجمعها سواء كانت بالعنف الأسري أو غيرها من الجرائم، إذ بإمكان المشتكي الحضور أمام قاضي التحقيق أو المحقق القضائي أو ضابط الشرطة وتسجيل شكوى بالحادث سواء كان في محل الحادث أو خارجه، فلا يوجد مانع قانوني من قبول الشكوى واتخاذ الاجراءات التحقيقية فيها» مبينا أن «(جرائم الشرف) تعد من ضمن جرائم العنف الأسري والتي ترتكب بباعث شريف حسب وصف المادة 128 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 التي اعتبرت الباعث الشريف عذرا مخففا للعقوبة، ويشترط أن تتحقق أسبابه المقنعة لمحكمة الموضوع سواء محكمة الجنايات أم الجنح، وأن تؤدي هذه الأسباب إلى دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة وتكون معاصرة اليها والتي يرتكبها الجاني على خلاف وضعه الاعتيادي مثل حالة الاستفزاز الخطير الذي يفقد الانسان حرية الاختيار والتمييز ويقع في الخطأ، وقد ضيق القضاء العراقي الأخذ بهذه الأسباب إلا في حال توافر شروطها المذكورة انفا، وفي خلاف ذلك يتم فرض العقوبات المناسبة لتحقيق حالة الردع الخاص والعام».
التفكك العائلي
كذلك بين، قاضي محكمة تحقيق مدينة الصدر حارث عبد الجليل أن «جريمة العنف الأسري هي جريمة حالها حال بقية الجرائم لكنها تأخذ خصوصيتها من خلال أطرافها حيث يكون أطرافها هم من أسرة واحدة».
وأضاف أن «نسبة جرائم العنف الأسري ارتفعت نتيجة للتفكك العائلي وإنعزال أفراد الأسرة الواحدة والعيش في العالم الافتراضي من خلال الهواتف الذكية وعلى برامج التواصل الاجتماعي وترك العلاقات الحقيقية والإنسانية، فتجد أفراد الأسرة الواحدة وإن كانوا مجتمعين بمكان واحد إلا أنهم متفاعلين مع هواتفهم وما يجري على شبكة الإنترنت».
وزاد أن «أغلب دعاوى التعنيف تحرك من الزوجة بحق زوجها، وحتى هذه الجرائم لا يتم الإخبار عنها إلا بعد تكرارها، ولا ننفي حصول حالات تعنيف الزوجة لزوجها ولا يتم الإخبار عنها من قبل الزوج لشعوره بالخجل من أفراد العائلة وكذلك للمحافظة على مكانته في المجتمع، فتجد الإخبار عن هذه الجرائم قليلا جداً، وكذلك تعنيف الأب لأولاده البالغين سن الرشد بسبب العادات والتقاليد».
وأشار إلى أن «قانون العقوبات عالج حالات العنف الأسري باعتبارها جريمة اعتيادية مثل باقي الجرائم، وعلى سبيل المثال فأنه يعاقب كل من اعتدى عمدا على آخر بالجرح أو الضرب أو بالعنف فسبب له مرضا أو أذى وفقا للمادة 413 منه، وهي المادة القانونية ذاتها التي يعاقب بموجبها الزوج اذا اعتدى على زوجته بالضرب أو العنف وكذا الحال لبقية الجرائم إلا أن القانون العراقي لم ينص صراحة على جرائم العنف الاسري».
وأتم أن «أبرز دعاوى العنف الأسري تتمثل بتعرض الزوجة للضرب الذي يسبب لها اذى أو جرحا ومن ثم دعاوى استرداد الأطفال حديثي العهد بالولادة أو من صدر له قرار حكم قضائي للأم بحضانة الأطفال ومن ثم امتناع الزوج عن تسليم الزوجة لمستمسكاتها الشخصية أو مستمسكات أولادها بعد حصول مشكلة عائلية تؤدي لخروج الزوجة من دار الزوجية».