الانتخابات التشريعية الفلسطينية وآمال اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

عبد معروف
حجم الخط
0

يعتبرونها استحقاقا وطنيا

يتابع نحو أربعمئة ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، إمكانية إجراء انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة الفلسطينيين في الثاني والعشرين من أيار/مايو المقبل، والحادي والثلاثين من تموز/يوليو، بعد إصدار الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً حدد فيه موعد الانتخابات.
ورغم عدم مشاركة اللاجئين الفلسطينيين في الشتات في هذه الانتخابات الدستورية، إلا أن ما يتعرض له اللاجئون الفلسطينيون في لبنان تحديدا من عمليات قهر وحرمان وعذابات اللجوء، تجعل أنظارهم تتجه دائما نحو أي استحقاق وطني فلسطيني باعتباره استحقاقا مصيريا، يحدد مستقبل قضيتهم ويضع حدا لعذاباتهم ويكون خطوات باتجاه تحقيق أهدافهم الوطنية والإنسانية المشروعة.
ويعتبر اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، هذه الانتخابات محطة سياسية مهمة في الواقع الفلسطيني نحو التغيير، وإعادة بناء المؤسسات والمشاركة في القرار من أجل وحدة الشعب الفلسطيني وضمان حقوقه وثوابته الوطنية، في ظلّ مرحلة سياسية حافلة بالتطورات الإقليمية والدولية، لأنها تأتي في إطار المسار العام للقضية الوطنية، بعد أن استطاعت حركتا «فتح» و»حماس» والفصائل السياسية الأخرى إيجاد أرضية مشتركة للمصالحة ووضع حد لحالة الانقسام.
لذلك طالبت مرجعيات ومؤسسات فلسطينية مختلفة في لبنان، السماح للاجئين الفلسطينيين في الشتات المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، كباقي الفلسطينيين الذين يحملون جوازات سفر السلطة الوطنية ولديهم رقم وطني يسمح لهم استنادا إلى قانون الانتخابات المشاركة.
وحذرت المرجعيات من عدم مشاركة اللاجئين بالانتخابات لأن ذلك يعني سلخهم عن شعبهم في الوطن ومؤسساتهم الوطنية، وعدم مشاركتهم بالقرارات المصيرية.
ويمكن القول إن الانتخابات مطلب شعبي ورسمي، لذلك هناك ضرورة للبحث عن آليات لتجاوز الصعوبات والعقبات أمام مشاركة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات في الانتخابات، ورغم أن الأمور ليست سهلة على أرض الواقع وذلك لبعض الأسباب التي لها علاقة بالقوانين التي تتبعها السلطة الوطنية الفلسطينية، وطبيعة القوانين لدى الدول المضيفة للاجئين، حيث أنه من الصعب حصر الأجيال الجديدة كالجيل الرابع والخامس الذين ولدوا في دول الشتات ويحملون جنسياتها، وبالتالي أصبحت هناك صعوبة كبيرة في حصر أعداد الفلسطينيين الذين لهم حق المشاركة في الانتخابات، وعملية الإحصاء لن تكون سهلة في دول الشتات وتتطلب إمكانات غير متوفرة.

بيانات ترحب بالانتخابات

ولكن يبدو أن أغلب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لم يولوا قرار السلطة الفلسطينية إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بعد اتفاق المصالحة بين الفصائل اهتماما بالغا، وتوزعت الآراء التي استطلعتها «القدس العربي» بين رافض لها بسبب عدم مشاركة اللاجئين الفلسطينيين في الشتات بهذه العملية السياسية الهامة، وبين انشغالهم بأوضاعهم المعيشية المتردية مع انهيار العملة اللبنانية وارتفاع نسبة البطالة وغلاء المواد الغذائية، وتفشي وباء كورونا بصورة خطيرة.
يقع مخيم البص للاجئين الفلسطينيين على مسافة 1.5 كيلومتر عن مدينة صور اللبنانية، ويعيش عدد كبير من العائلات داخل مخيم البص في ظروف صعبة ويعمل معظم أبناء المخيم في البناء والزراعة والتجارة ويعتمد البعض على تحويلات المغتربين لهم.
كما في سائر المخيمات، تقيم الفصائل الفلسطينية مكاتب لها في مخيم البص، ويتابع كل من اللجنة الشعبية واللجنة الأهلية شؤون المخيم والتنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية. كما ينشط في المخيم عدد لا بأس به من الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية، منها: جمعية النجدة الاجتماعية، والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، والجمعية الإنسانية للإغاثة والتنمية، وجمعية عمل تنموي بلا حدود «نبع» وجمعية المرأة الخيرية، وجمعية البرامج النسائية، وبيت أطفال الصمود، والهيئة الإسلامية للرعاية، ومركز مساواة للتواصل والتعليم.
ويؤمن مشغل بيت ساحور التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، العمل لعدد من النساء في مجال الخياطة والأشغال اليدوية، بالإضافة إلى البرامج النسائية التي تنظمها «الأونروا».
لا يختلف مخيم البص عن غيره، فهو في النهاية فلسطيني الهوية، وسكانه الغارقون في أزماتهم المعيشية اليومية، يجدون متنفساً لهم، فيحيون مناسباتهم والوطنية والخاصة، فتارة يعلنون الإضراب، وتارة ينفذون اعتصاماً، وتارة أُخرى ينظمون مسيرات احتفالية، تحت قاسم مشترك عنوانه «فلسطين».
داخل مخيم البص الحياة طبيعية، ولا أحداث تعكر صفو الأمن والاستقرار الذي ينعم به اللاجئون، صور قيادات الفصائل ولافتات ورايات وأعلام فلسطينية ترتفع على جانب الشوارع والساحات الضيقة، بيانات واجتماعات الفصائل ترحب بالانتخابات التشريعية. نزار زيدان ناشط اجتماعي يعمل في مجال المنظمات الأهلية والاجتماعية ، تجاوز الـ50 من عمره، يجلس أمام مكتبة يقرأ الصحف، قال: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعيشون حياة صعبة، الفقر والبطالة والقهر والحصار وعذابات سنين اللجوء، جعلت الإنسان داخل المخيمات يعيش حالة من التعب والملل من السياسة. صحيح وأكيد أننا سنستمر في النضال جيلا بعد جيل، من أجل استعادة حقنا والعودة إلى وطننا، لكن الاخفاقات والتراجعات التي أصابت القضية، جعلتنا نعيش حالة إحباط، لذلك حقيقة أقول: «لا نأمل كثيرا بالانتخابات التي ستشهدها الضفة الغربية وقطاع غزة، وخوفنا أكبر من أن تكون المصالحة بين الفصائل الفلسطينية شكلية وغير جادة، ما يزيد من إحباطنا، ويدخلنا مرة أخرى في حالة يأس».
في مخيم البص، كما في جميع المخيمات الفلسطينية في لبنان، مظاهر الفقر والبؤس تخيم على وجوه اللاجئين، منازل متلاصقة تفصل بينها أزقة ضيقة، لاجئون مصممون على الحياة والعودة إلى وطنهم، لكنهم تعبوا الانقسام والاخفاقات، ويخافون الفشل.

«شبعنا من الكلام»

أبو خالد عكاوي، رجل عجوز، ما زال يضع على رأسه الكوفية السوداء والعقال، يقف أمام منزله يتكئ على عكازه، رفع يده لا يريد الكلام، وبعد دقائق قال: «شبعنا من الكلام، الكلام لم يعد له قيمة، المهم النتائج .. نحن في لبنان نريد حياة كريمة كباقي بني البشر، نريد حقوقنا بالعيش بأمان وسلام، نريد العودة إلى وطننا وأرضنا وديارنا التي هجرنا عنه ، ومستعدون للتضحية من أجل تحقيق أهدافنا المشروعة، وكفانا خطابات وشعارات ومؤتمرات».
وأضاف، والله لا أفهم بالانتخابات ولا أعرف الانتخابات في حياتي، ولكن إذا كانت الانتخابات فلسطينية، فلماذا لا نشارك نحن فيها، نحن أيضا فلسطينيون وقدمنا التضحيات من أجل وطننا ونستحق المشاركة في أي استحقاق وطني.
وفي رأي الطبيب الفلسطيني محمود ميعاري، إن طبيعة الحياة المأساوية والظروف المعيشية والإنسانية القاسية التي يتعرض لها اللاجئ الفلسطيني في لبنان، تجعله غير مهتم بالانتخابات التشريعية المرتقبة في فلسطين.
ويؤكد الدكتور ميعاري الطبيب في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لـ»القدس العربي»أن الظروف التي يتعرض لها اللاجئ الفلسطيني في لبنان بالإضافة إلى حالة الاهمال، وعدم السماح له بالمشاركه في الانتخابات التشريعية، تجعله غير مهتم بمسار الانتخابات.
ويعتقد الصحافي الفلسطيني ماجد عزام أن الانتخابات التشريعية والرئاسية في فلسطين هي خطوة مهمة جدا في مسار النضال الوطني من أجل تحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني داخل وطنه وفي دول الشتات، ويؤكد عزام لـ»القدس العربي» أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية خطوة لا يمكن التقليل من أهميتها، مضيفا «كنا نتمنى أن نشهد حوارا جديا وتشكيل حكومة وحدة وطنية وتكون من كفاءات مستقلة تهيىء الظرف أمام إنهاء حالة الانقسام بين الفصائل، وتوحيد المؤسسات لكي تكون الساحة الفلسطينية مهيئة للانتخابات، رغم ذلك لا بأس أن تكون خطوة الانتخابات التشريعية هي البداية».

تأجيل الانتخابات

وأضاف، أمام الحركة السياسية الفلسطينية عمل كبير وشاق، لكي تكون الانتخابات خطوة باتجاه إنهاء الانقسام، بالطبع تمت خطوات جيدة فيما يتعلق بالحريات ومحكمة الانتخابات والإشراف الأمني ولكن ما يثير القلق هو تأجيل انتخابات المجلس الوطني وإعادة تشكيل المجلس الوطني، وعندما يتم الحديث عن مدة شهر فقط بين 31 تموز/يوليو للانتخابات الرئاسية و31 آب/اغسطس لانتخاب المجلس الوطني نكون أمام مهلة ضيقة جدا.
وأكد على أن خطوة الانتخابات التشريعية مهمة جدا، معربا عن أمله أن تكون حجرا في المياه الراكدة، كما أن هناك بوادر حيوية داخل التنظيمات وداخل الساحة السياسية الفلسطينية وآمل أن ينتج هذا الحراك الديمقراطي مجلس تشريعي يعبر عن المزاج الشعبي الفلسطيني. كما يفترض أن يأخذ على عاتقه ضمن حكم المؤسسات محاسبة السلطة التنفيذية وأن يأخذ أعضاء المجلس الوطني على عاتقهم مسؤولية إعادة تشكيل المجلس الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية.
وختم عزام: الانتخابات التشريعية على أهميتها وأيضا الحكومة المقبلة على أهميتها هي خطوة مهمة وكبيرة ولكن الخطوة الأهم هي إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تشكيل المجلس الوطني كي يكون برلمان الفلسطينيين في أماكن تواجدهم المختلفة وتكون منظمة التحرير هي الإطار المرجعي القيادي الأعلى للإنسان الفلسطيني في الداخل والخارج.
بدوره، قال الكاتب الفلسطيني معروف موسى، على الرغم من أن دعوة الرئيس محمود عباس لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في أيار/مايو وتموز/يوليو المقبلين، جاءت عقب سلسلة من اللقاءات «الشكلية» بين حركتي فتح وحماس في كل من إسطنبول وبيروت ورام الله والقاهرة، إلا أنها عملياً تبدو دعوة «غير مدروسة» بلا روح ولا مضمون، يمكننا بكل بساطة تسميتها بالفقاعة.
ويشير موسى لـ»القدس العربي» إلى أن ملفات كثيرة لم تسلك مساراً تكتيكياً بين الحركتين يمكن له أن يؤدي إلى حياة سياسية متعددة، تأخذ شكلاً من أشكال الديمقراطية، يسهم في تشكيل واجهة قابلة وقادرة على التعامل مع استحقاقات الملف الفلسطيني على كافة المستويات: الداخلية، المفاوضات، الجامعة العربية، والنادي السياسي الدولي.
ومن أبرز تلك الملفات؛ المقاومة وأشكالها، المصالحة، منظمة التحرير الفلسطينية وما يُطرح حولها من ترميم، أو إعادة ترتيب.
هذا فيما لو جرت الانتخابات في موعدها المحدد. فالمسؤولية على مستوى حركتي فتح وحماس يجب أن تدفعهما إلى حل تلك الملفات حلاً شاملاً قبل الدخول في فقاعة فارغة لن تدوم أبداً.
الوقت المتبقي غير كاف لإعلان مشترك بين الحركتين يبشر الشارع الفلسطيني بصفحة جديدة تأخذ شكلاً منشوداً من أشكال الديمقراطية من جهة، ويساعد المجتمع الدولي في رسم حدود للعلاقة مع الفلسطينيين.
الناخب الفلسطيني متعطش للدخول في اللعبة الديمقراطية، والشارع الفلسطيني بأمس الحاجة لهذا الإجراء، والقضية الفلسطينية لا تتحرك محلياً ودولياً بدون حياة سياسية تنتجها العملية الديمقراطية، خاصة بعد التحول الملحوظ في المسار الأمريكي. لكن هذا لا يكون بالتسرّع، بل بالإرادة الجمعية للمكونات السياسية الفلسطينية.
وفي النهاية، اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يباركون العملية الانتخابية للمجلس التشريعي، ويعربون عن أملهم بأن تكون خطوة على طريق وحدة الموقف الفلسطيني وتعزيز القوة الفلسطينية من أجل استعادة الحقوق، ويعتقدون أنه كان من الضروري مشاركتهم بالانتخابات التشريعية وبجميع الاستحقاقات الوطنية الفلسطينية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية