في سيميائية الربيع قديما

من النصوص القصيرة التي لا أدري أين قرأتها، ولا أين سمعتها، أن متسولا ضريرا كان يجلس في مكان عام ويحمل لافتة كتب عليها: «ساعدوا هذا الأعمى». فمرّ به من يفهم في كيمياء الكلام، وغيّر له النص ليصبح كالتالي: «يأتي الربيع ولا أراه». لم يعط الأديبُ الضريرَ سمكَة بل أعطاه شَصا جيدا يصطاد به السمك. الذين يشعرون بما في هذه الجملة من قسوة هم الذين سخت أياديهم وأكرموا المتسول الضرير؛ هم قوم يقدرون كم هو قاسٍ أن يأتي الربيع ولا يراه البشر. الربيع حين يأتي يكون للكون منظر بهيج ورونق تهتز له النفوس وتطرب.. الربيع مشهد يرى قبل أن يكون شيئا يسمع، أو قل هو طقس بصري قبل أن يكون لحنا في الوجود مختلفا.
لا جدال اليوم في الثقافات التي تعرف قدوم الربيع في علاماته، ولا في أوقاته فالربيع من جهة الأرصاد الجوية هو نصف فصل يقع بين الشتاء والصيف فهو اعتدال بين صقيع الأول وحَمارة قيظ الثاني. الربيع بهذا الاعتبار، حرارة لطيفة أو برد ظريف بالنسبة إلى حرارة الجسد. أجسادنا هي التي تدرك علامات الربيع وتتعامل معه على أنه شيء يناسبها. الإحساس بالطقس هو العلامة الأولى التي تحدد الفصول، لكن هذا الإحساس هو عابر وليس فصليا، فمتى يصبح الإحساس بالطقس علامة ثابتة؟ يكون ذلك في حين يمتد ذلك الإحساس بالطقس على أشهر يصبح عندئذ إحساسا بالفصل. إدراك الفصول عبر الحرارة هو في الحقيقة علامة طبيعية يكون الجسد الحساس واسطة لها، غير أن ذلك الإحساس يطول ويمتد على أيام أو بضعة أشهر.
العلامات الحرارية للربيع، وهي علامات تدرك بالقياس إلى حرارتين مركزتين وتعني من الناحية الإدراكية شيئا مهما يتمثل في تحديد التصور الذاتي للجسم Body self-concept هذا التصور الذي يبنيه المرء بناء نفسيا حين يقيس الدرجة التي يتحمل بها ذلك الجسم درجات البرودة ودرجات الحرارة. والتصور الذاتي للجسم هو الذي يصنع لنا أمزجة خاصة بالفصول، اعتمادا على تأثرها بالحرارة أو بالبرودة، وغيرها من العناصر التي تعلق بهذا الشعور. الشعور بالدفء حالة من الحالات التي يطلبها الجسد، حين يلوذ إلى الحرارة فرارا من البرودة، والشعور بالبرودة حالة من الحالات التي يطلبها الجسد حين يلوذ إلى البرودة فرارا من الحرارة، بواسطة التكييف مثلا؛ لكن الشعور بعدم الحاجة لا إلى ذاك ولا إلى هذا هو حالة من حالات التفاعل الذاتي للجسم بالاكتفاء بالحرارة المعتدلة للطقس، هذا حال التصور الذاتي للجسم في فصل الربيع، بالإضافة إلى العلامات الجسدية المتفاعلة إيجابا مع الحرارة في فصل الربيع، فإن إدراك الربيع بالاعتماد على العناصر الطبيعية المصاحبة له، سواء أكانت مسموعة أم مرئية أم مشمومة، هي ما يمثل حزمة العلامات الأخرى التي تؤثر في إدراك ثقافة معينة للربيع أو في تفاعل الأفراد مع الفصل.
تعرض لنا المادة المعجمية القديمة شيئا يبدو لأول وهلة متداخلا حول ما يعرفه العرب القدامى عن الربيع؛ فقد يسميه بعضهم الخريف، وقد يفرق بعضهم الثاني بين ربيعين بحسب نوع النبت الذي فيه. فقد جاء في «لسان العرب» أن الربيع هو «الفصل الذي يدرك فيه الثمار وهو الخريف» (لسان العرب (ر ب ع) 8/102). ومنهم من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول ويسمى الفصل الذي يتلو الشتاء وتأتي فيه الكمأة والنور الربيع الثاني» (السابق 103) بل إن أبا حنيفة يذهب إلى التمييز بين «ربيع الماء والأمطار وربيع النبات» (السابق).

السيميائية القديمة للربيع تعتمد إذن مرئيات طبيعية تؤكل، أو تؤذن بنضج ما يؤكل وحتى النور المذكور هنا ليس مذكورا، إلا لأنه علامة على بدء الإثمار.

وقد يرى وغيره أن « الشتاء كله ربيع عند العرب من أجل الندى» (ل. ع، 8/103) بل إن الربيع ربيعان عند بعض الناس «ربيع الشهور، وربيع الأزمنة، فربيع الشهور شهران بعد صفر، أما ربيع الأزمنة فربيعان الربيع الأول وهو الفصل الذي تأتي فيه الكمأة والنور، وهو ربيع الكلأ، والثاني وهو الفصل الذي تدرك فيه الثمار» (السابق). لن نتوقف عند الترادف بين الفصلين الخريف والربيع فربما كان تشابه العلامات الطبيعية وهي النبت والثمر والماء، سببا في الترادف ولا يستغرب أن يعد الخريف عديلا للشتاء، حتى عند المعاصرين، فقد قال أحد الرسامين الفرنسيين وهو هنري دي تولوز لوتراك: «الخريف هو ربيع الشتاء».
وهذه العلامات التي تدرك بالبصر هي التي ارتكز عليها العرب القدامى في التمييز بين ربيعين، ربيع أول هو فصل الثمار ولعل المقصود بها الرطَب، والثاني فصل الكمأة وهو فطر بري صحراوي، ينبت بعد سقوط المطر ويعرف في مناطق المغرب العربي باسم الترفاس. ما يجمع العلامتين أنهما علامتان طبيعيتان مرتبطتان بالغذاء. لو استعنا بالثنائية التي اعتمدها كلود ليفي ستراوس عند حديثه عن أنثروبولوجيا الطعام، وهي ثنائية الطبيعة/ الثقافة، قلنا إن سيميائية الربيع منخرطة في نسق من هذا التقابل الذي يجعل الثقافي يحدد بالطبيعي والطبيعي ههنا محدد بالمأكول. ولو استأنسنا أيضا بالمثلث المطبخي، الذي اعتمده ستراوس حين ميز بين النيء والمطبوخ والفاسد، فإننا نجد في تحديد الربيع اعتمادا على نيء أحدهما، يقبل أن يطبخ على الكمأة، والثاني ثمرة صبور لا يمكن أن تفسد هي التمر، المطر الذي ينضج الثمرة والنبتة هو حدث سابق كأي حدث طبخ أو إنضاج للطعام. وأن يحدد الربيع الأول بالثمار، يعني أن إنضاج القيظ للثمرة قد فات، وأن الربيع هو فصل الجني أو قطف الناضج، وأن يحدد الربيع الثاني بالكمأة فذلك يعني أن إنبات هذا الطعام البري الشهي بعد المطر، هو مرحلة من قطفه لإنضاجه بالنار. لا نعتقد أن في الربيع ما يذهب بالطعام إلى أن يكون فاسدا، فالحلقة مفقودة أو هي في الربيع شيء لا يمكن أن يحدث. سيميائية الربيع ههنا هي سيميائية البحث عن الطعام، فالفصل فصل نضجه وقطفه، وهو ليس فصلا معسرا، فلا هو شتاء أزمة ولا هو حمارة قيظ.
السيميائية القديمة للربيع تعتمد إذن مرئيات طبيعية تؤكل، أو تؤذن بنضج ما يؤكل وحتى النور المذكور هنا ليس مذكورا، إلا لأنه علامة على بدء الإثمار. هناك سيميائية أخرى طبيعية للربيع تعتمد على المرئي الجمالي، وتركز على الزهر والخضرة والروائح الربيعية المميزة، فهي سميائية لا تركز على الغذاء المادي بل على الغذاء الروحي المتفاعل مع الطبيعية الجميلة. طبيعة كهذه لا تنطبق على الطبيعة الصحراوية، بل على طبيعة تكثر فيها الخضرة: خضرة المراعي والأشجار والغابات، ويكون الماء فيها وفيرا رقراقا، الطبيعة الخصبة تفرض سيميائية للربيع، لا تميل إلى الطعام، بل إلى الانجذاب الجمالي إلى الطبيعة لأن الطعام في تلك الطبيعة المخصبة من تحصيل الحاصل. لهذا السبب يمكن أن يطلق لفظ الربيع على الكلأ، وعلى جدول الماء أو النهر الصغير، وعلى الغيث وعلى «ما تعتلفه الدواب من الخضر» (لسان العرب8/ 104).
نجد في «لسان العرب» شيئا من الانفعال الطبيعي الجيد مع هذا الزمن في الفصول ولكنه لا يعلله: «وفي حديث الدعاء: اللهم اجعل القرآن ربيع قلبي، جعله ربيعا له لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان، ويميل إليه، ما يدل على حب هذا الفصل أن هناك من يجعل له مستقرا في الربيع، فمثلما للأغنياء عندنا اليوم من المصطاف لهم في أيامهم المرتبع أو المربع «وهو الموضع الذي يقام به في زمن الربيع خاصة» (السابق). يقيمون حيث يكون الخصب عاما كي تأكل شياههم. مرة أخرى تربط سيميائية الربيع بما هو زمان يتطلب مكانا يستقر فيه لعلة بالطعام.

أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية