البحث عن وظيفة حلم الملايين… واستهداف جيوب الأغلبية الحل المتاح أمام الحكومة

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: مخاوف ثلاثة بعضها خارجية وأخرى داخلية، لاحقت كتّاب صحف الاثنين 8 مارس/آذار.. أولها الرعب من مصير محتمل لعطش يلوح في الأفق بسبب إصرار إثيوبيا البدء في الملء الثاني لسد النهضة، خلال الموعد الذي حددته سابقاً. أما ثاني المخاوف فمرده تزايد أعداد القتلى المصريين في الخارج، وأحدث الضحايا تم سفك دمه في السعودية. أما الخطر الثالث الذي لاحق الكتّاب فمبعثه حكومة الدكتور مصطفى مدبولي التي دأبت على استهداف جيوب المواطنين، عبر تشريعات وضرائب جديدة.
وأمس الاثنين واصلت الصحف الاهتمام بزيارة الرئيس السيسي للسودان، إذ سعى بعض الكتّاب لنشر رياح التفاؤل بين الأغلبية، وحرص نواب ومراقبون من المنتمين للسلطة على الإشادة بزيارة الخرطوم، ومنهم النائب حسام عوض الله عضو مجلس النواب ورئيس لجنة الطاقة والبيئة الذي قال، إن زيارة الرئيس السيسي إلى دولة السودان الشقيقة، تأتي توطيداً لجهود مصر لدعم السودان في المرحلة التاريخية المهمة الحالية، وأضاف هناك جملة من الدلالات المهمة وقضايا إقليمية ومصالح مشتركة بين البلدين، حملتها تلك الزيارة؛ كالعلاقات الاقتصادية، وقضية سد النهضة والأمن في البحر الأحمر، إلى جانب تأكيد رفض البلدين، الأمر الواقع في قضية سد النهضة. من جانبها أكدت وزارة الخارجية أنها تواصل متابعة واقعة مقتل المواطن المصري عشري محمد حسن في الرياض، حيث قام الدكتور إيهاب عبدالحميد قنصل مصر في الرياض،، بزيارة مصلحة الطب الشرعي وعقد اجتماعا مع مديرها للتأكيد على اهتمام السلطات المصرية بالقضية،. كما قام القنصل بزيارة المواطن المصري المصاب في الحادث حسين أسامة محمد حسن في المستشفى، والتقى بالأطباء المتابعين لحالته وبمدير المستشفى، للاطمئنان على حالته الصحية.
وبشأن القضايا المحلية طالب الدكتور علي المصيلحي وزير التموين والتجارة الداخلية بتكثيف الحملات الرقابية على منافذ صرف السلع التموينية والمخابز، للتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه. وقال وزير التموين: إن تلك التوجيهات تأتي حرصا على المواطن الذي تدعم له الدولة الخبز والسلع التموينية بما يقدر بـ84 مليار جنيه سنوياً. ومن الشائعات التي حرصت الحكومة على نفيها، أكدت وزارة الصحة والسكان أنه لا صحة للسماح لأي من الشركات الخاصة بتوفير لقاحات فيروس كورونا للمواطنين، مُوضحةً أن الوزارة هي الجهة الوحيدة المنوط بها توفير وتطعيم المواطنين بلقاح فيروس كورونا، حسب الأولويات، مُهيبةً بالمواطنين عدم الانسياق وراء الشائعات، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيال أي جهة تروج لتوفير أو تطعيم المواطنين بلقاحات فيروس كورونا. من جانبه حذّر مركز الأزهر العالمي للفتوى، من تحدي «الوشاح الأزرق» على تطبيق الفيديوهات «تيك توك» الذي يدعو مستخدميه إلى القيام بتجربة فريدة من خلال تصوير أنفسهم وهم تحت تأثير الاختناق بعد تعتيم الغرفة، وبالفعل شارك العديد من الأشخاص في إعداد فيديوهات لأنفسهم بعد أن كتموا أنفاسهم وعرضوا أنفسهم للموت المحقق، وأشار في بيان إلى أنه من مجرد شرح هذا التَّحدي يتضح مخالفتُه للدين والفطرة؛ إذ إنه إن لم يفضِ إلى الموت؛ فإنه قد يؤثر على خلايا الدماغ؛ ومن ثمَّ يؤدي إلى فقدان الوعي والضرر.
مغلق بالضبة والمفتاح

سؤال مهم طرحه محمد أمين في “المصري اليوم”: “أين المصانع التي أتاحتها الحكومة في المشروعات القومية؟ وأين فرص العمل ومَن يحصل عليها؟ هل هي فرص عمل خدمية أم إنتاجية؟ وهل وضعت الحكومة في اعتبارها خريجي الجامعات، أم خريجي الدبلومات الفنية؟ مع العلم أن هناك محافظات مثل القليوبية لا توجد فيها مصانع، وليس لديها ظهير صحراوي.. ولم يدخل أي مصنع فيها الخدمة على امتداد سنوات، إن الشباب لا توجد لديه مشكلة في عمل أي شيء.. ولكن أين هذا الشيء أصلًا؟ عندنا شباب جامعي خريج لغات وهندسة وصيدلة وآداب، لا يعمل منذ أن تخرج منذ سنوات.. وعندنا مؤهلات متوسطة لا تعمل، حتى في الزراعة، فلا توجد مزارع ولا مصانع.. وأغلقت الحكومة الباب في وجه الشباب بالضبة والمفتاح.. افتحوا الباب للتوظيف أهم من تنظيف البيوت والترع، وعلى رأي سيدة ريفية تقول: «وظّفوهم، وهم مَن يقومون بتنظيف البيت والترعة على حسابهم، وعلِّموهم الصيد ولا تعطوهم السمك»، إن الشباب لا يريد دهان واجهات المنازل، ولكنه يريد مصانع ومشروعات صغيرة.. امنحوهم تمويلات مُيسّرة للعمل والإنتاج، بالتأكيد، تبطين الترع مشروع قومي مهم لا غنى عنه، وله آثار بعيدة.. ولكن أهم منه بناء المصانع الصغيرة للتشغيل.. الشباب حين يعمل يكفينا شره وينشغل بعمله عن أي شيء آخر.. ويكفى بيته وأولاده.. خاصة أنه في سن العمل والقدرة على الإنتاج، ولا يصح أن يبدد طاقته في النوم والجلوس على المقاهي.. الوزراء اليوم غير وزراء زمان.. الظروف اليوم غير ظروف زمان.. سأل الكاتب رئيس الوزراء: كم شابًا وجد فرصة عمل خلال عام، وما طبيعة ذلك العمل؟ وفي أي طريقة تم توزيع فرص العمل؟ هل هناك مسابقات أم يتم توزيعها دكاكيني؟ وأخيرا، أعرف أن الناس لها عشم في كُتابها وتلاحقهم بالتليفون والإيميل والماسنجر، وهذه صرخة للحكومة لأن الناس تترك بياناتها في رقبة الكاتب وتمضي، مرات تتصل ومرات تخجل وتتوقف.. ولكنها تظل تؤلم الكاتب في يومه ونومه”.

دماء رخيصة

زادت في الفترة الأخيرة جرائم الاعتداء على المصريين في الخارج ووصلت إلى جرائم قتل شبه يومية.. ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة، فإن القضية كماأعترف فاروق جويدة في “الأهرام” تحولت إلى ظاهرة.. وأيا كانت التعويضات التي يحصل عليها الضحايا إلا أن الموقف يحتاج إلى مواقف أكثر حسما من الحكومة المصرية.. أن هؤلاء الضحايا ذهبوا إلى هذه الدول وتركوا أوطانهم وتغربوا، وليس الجزاء أن يعودوا في توابيت مغلقة.. أن كثيرا منهم لم يحصلوا على أجورهم ومنهم أعداد من العمال والحرفيين وقد ذهبوا بحثا عن أرزاقهم.. أن الكثير من هذه الجرائم عمليات قتل مع سبق الإصرار والترصد.. كما أن عمليات القتل تشهد سحل القتلى وتشويه أجسادهم.. أن تكرار هذه الاعتداءات على المصريين في الخارج لا تقتصر على دولة واحدة والشيء الغريب أنها دول عربية شقيقة.. كان العامل المصري في يوم من الأيام يلقى كل التقدير في الدول العربية الشقيقة.. وقد عاشت أعداد كبيرة من المصريين حياتهم في هذه الدول واعتبروها وطنهم الثاني.. لا أستطيع أن أبرئ حكومتنا من هذه الكوارث التي تتكرر كل يوم ولا تكفى زيارة هنا أو عتاب هناك، فليس في القتل عتاب.. لا أدري إلى أي مدى نهتم بأحوال المصريين في الخارج، وما هي المؤسسات التي ترعى أحوالهم هناك، وأين السفارات والقنصليات المصرية في الخارج.. إن أعداد المصريين العاملين في الخارج تعد بالملايين وهم يرسلون إلى مصر مليارات الدولارات بالعملة الصعبة.. ولا يعقل أن نتركهم يتساقطون في جرائم قتل مجنونة.. في كل يوم نشهد جريمة جديدة تستباح فيها دماء مصري مغترب لم يجد عملا في وطنه، واختار الغربة ملاذاً.. في الأيام الأخيرة حدثت أكثر من كارثة قتل فيها مصريون بلا جريمة.. والمطلوب أن تحمي مصر أبناءها في الداخل والخارج.. هؤلاء لهم حقوق وواجبات علينا، وينبغي أن لا نتركهم ضحايا الموت والإهمال في الغربة.. الاعتداء على المصريين في الخارج تحول إلى ظاهرة لا يمكن السكوت عليها.

تراجع مؤقت

لا تثق منال لاشين كما قالت في “الفجر” في ما تضمره لنا الحكومة من خطط لاستهداف جيوبنا: “دعك من تراجع الحكومة المؤقت وثورة حزب مستقبل وطن على المادة 35 من قانون الشهر العقاري، وكأنهم اكتشفوا فجأة مساوئها. دعك أيضا من شبهة عدم دستورية القانون لأنه يهدد الملكية الخاصة المحصنة بالدستور، ودعك من كل هذا، وفكّر معي، هل تأثير كورونا أسوأ على صحتنا وعمرنا وحياتنا، أم توابع رعب الرسوم والضرائب وشبح فقدان بيتك هو الأسوأ والأخطر؟ هذا سؤال حقيقي لم أقصد به السخرية بالمرة من سلسلة الرسوم والضرائب التي نعيشها مرة تلو الأخرى، وضربة أشد من سابقتها. فأزمة الشهر العقاري لم تكن الأخيرة وهي بالطبع ليست الأولى من نوعها، إنها مجرد حلقة في سلسلة لعينة لم تكسر الحكومة حلقاتها حتى بعد جائحة كورونا، وكأن قدر المصريين أن يعيشوا في توتر دوما، ما بين أزمة وأخرى ومشكلة تجر مشكلة أشد. صرنا حقل تجارب بدون موافقات علمية أو شخصية. كل مرة يطلقون علينا مصيبة جديدة، فإذا احتمل جسدنا أو بالأحرى جيبنا المصيبة استمر تطبيقها، أو بدأ فلا شيء يهم. أما إذا بدأ أن جرعة التجارب أقوى من مناعتنا الاقتصادية أو المالية يتم التراجع عن الأمر تحت شعارات سخيفة ومهينة لنا. مرة يكون التراجع عشان إحنا غلابة، والمعنى أن الحكومة تتفضل علينا بهذا التراجع. أما قمة السخف فهو اتهام أي شاكٍ أو معترض بالمؤامرة والأخونة على الفور.. ثم لا تكلف لا الحكومة ولا الإعلام الذي يرمي الاتهامات بالاعتذار لنا كمواطنين شرفاء”.

الأخطر مقبل

تابعت منال لاشين إبداء سخطها من سلوك الحكومة: “تكرر هذا السيناريو مرتين خلال عدة أشهر.. مرة في ملف التصالح على العقارات المخالفة.. ثم مرة أخرى وليست أخيرة أزمة الشهر العقاري، وتسجيل العقارات، وفي المرتين كان المطلوب منا كمواطنين أن ندفع أموالاً باهظة لا نمتلكها من ناحية، ومشكوكا في دستوريتها من ناحية أخرى، ولذلك اندهشت عندما فجرت الحكومة بمنتهى الجرأة أزمة الشهر العقاري، وكأننا أمام حكومة عنيدة ترفض التعلم من أخطائها، أو بالأحرى خطاياها، في كل مرة كانت البداية بتهديد بحرمان المواطن من حقه في السكن، وحقه في أن يستمر في بيته اللي حصل عليه بشق الأنفس والغربة، ومع بوادر انفجار الغضب الشعبي تبدأ الحكومة في التراجع عن إجراءاتها العنيفة، وتقبل بالتقسيط وتفرط في كرمها بالتخفيضات في ملف التصالح، والآن تعاود التراجع من خلال البرلمان أو يدها البرلمانية، حزب مستقبل وطن. ولكننا وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها التراجع أو اعتذار أو الرجوع للحق فضيلة، لأن تكرار هذه الأزمات ذاتية الصنع له توابع على المواطن والوطن، أسوأ وأخطر كثيرا من وباء كورونا، فلا يمكن أن يعيش شعب على أعصابه وينام وهو متوقع بأن هناك مصيبة أو ضريبة أو رسماً جديداً سيفرض في الصباح.لا يمكن توقع أن يكون هذا المواطن متحمسا لعمله، مطمئنا على غده، مشاركا في قضايا مجتمعه، والأخطر اقتصاديا أن هذه الحالة تصيب الأسواق بالشلل، فحتى المواطن الذي يملك المال لم يغامر بشراء سلعة أو خدمة حرصا على فلوسه لأنه يخشى من فرض أعباء غير معلومة لا السبب أو التوقيت، وهذا الوضع الاقتصادي يسمى الكساد، فإذا أضفنا أثر الكساد الخاص بكورونا على الأسواق العالمية ونحن جزء منها”.

لمن نلجأ؟

بعض المتابعين المصريين لملف سد النهضة الإثيوبي يسألون كثيرا: لماذا لا تلجأ مصر لمجلس الأمن من أجل مناقشة المشكلة، واستصدار قرار ملزم يجبر إثيوبيا على وقف بناء السد، أو على الأقل الاتفاق مع مصر والسودان على آلية ملزمة للملء والتشغيل. هذا الموضوع مثار حوار طويل وممتد بين عماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق” والدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي، الذي ألقى الضوء على اقتراح البعض بأن تلجأ مصر لمجلس الأمن، قائلاً: ظن هؤلاء أن من السهولة بمكان أن يصدر مجلس الأمن قرارا يلزم إثيوبيا بوقف البناء والتشغيل لسد النهضة، وأن التبرير المصري الرسمي في مذكرة التنبيه الرسمية المصرية للمجلس بتاريخ الأول من مايو/أيار 2020، بأن من شأن النزاع الثلاثي المصري السوداني الإثيوبي على سد النهضة أن يؤدى إلى احتكاك دولي، سيلقى فعلا إيجابيا من مجلس الأمن في جلسته التي انعقدت في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران 2020 أي بعد ستين يوما بتمامها وكمالها، ولم يتسن لمصر التقدم بطلب لعقد الجلسة المشار إليها إلا بطلب من الإدارة الأمريكية «السابقة». تابع أيمن: يدرك المتابعون الجهود الحثيثة التي قامت بها مصر على مستويات مختلفة، بدءا من القيادة السياسية، ثم الدبلوماسية المصرية، وغيرها من مؤسسات تنفيذية فاعلة، من أجل إعداد المسرح السياسي لدى الجهاز السياسي التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة «مجلس الأمن»، ولكن الجهاز السياسي ذاته، وجد ضالته في الأساس الميثاقي للأمم المتحدة، فضلا عن ميثاق منظمة الاتحاد الافريقي، فأراح المجلس عن كاهله عبء حتى مجرد المداولات حول النزاع المهدد للسلم والأمن الدوليين، وفقا للرؤية المصرية.

كفانا عنتريات

لم يشأ مجلس الأمن أيضا، كما أوضح الدكتور أيمن سلامة في رسالته لعماد الدين حسين في “الشروق”، أن يحيل النزاع لمحكمة العدل الدولية٬ كما أشار البعض، ولم يوص بتوصية محددة لأطراف النزاع تحفظ في سجل المجلس الرسمي، ولم يكلف حتى الأمين العامة بالتوسط بين الفرقاء، كما لم يوص المجلس بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول النزاع، ولكن أشار المجلس بالإجماع إلى اضطلاع منظمة الاتحاد الافريقي باعتبارها التنظيم الإقليمي الكفؤ «قانونا» لتسوية النزاع بين الدول الثلاث. شهدت الأيام الأخيرة زخما مصريا سودانيا غير مسبوق في تاريخ العشرية الماضية، ومن المرتقب أن يعرض السودان ومصر معا مقترحات إبداعية جديدة، تكبح الغول الإثيوبي الجامح في البرية، ومنها تدليلا لا حصرا، عرض أكثر من مسودة للاتفاق الفنى المشار إليه، والتعلم من تجربة الاتفاق الإطاري للتعاون مع إثيوبيا عام 1993، التي لم تدخل النفاذ، فضلا عن مسائل قانونية جد مهمة، ليس مناسبا عرضها في وسائل الإعلام الموقرة. وختاما، واهم من يعتقد أن الملء الانفرادي لسد النهضة وتشغيله بواسطة إثيوبيا، في قابل الشهور أو السنوات، سيكون نهاية المطاف لمصر، وأن مصر العظيمة يمكن أن تشل إرادتها، أو تغل أياديها، أو تعدم إرادتها. انتهت رسالة الدكتور أيمن سلامة، وبدوره أضاف رئيس تحرير “الشروق” أن بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، خصوصا الصين لم تكن متحمسة لعرض ملف سد النهضة، في المنظمة الدولية، لأنه سيحول الأمر إلى سابقة قد تعود عليها بالضرر لاحقا.

ستراوغنا للأبد

المسيرة التفاوضية بشأن السد بقيت، كما قال مرسي عطا الله في “الأهرام” على حالها بسبب المراوغات والمماطلات الإثيوبية لأكثر من 5 سنوات متصلة، وقد تكفلت صفرية النتائج حتى الآن، بتأييد وجهة نظر مصر والسودان في حتمية اشتراك القوى الفاعلة في المجتمع الدولي في قراءة ما يمكن أن يترتب على السلوك الإثيوبي من تداعيات خطيرة، لا يمكن لمصر والسودان احتمالها، ومن ثم فإن حقوق مصر والسودان المائية غير قابلة للمساومة، لأنها تتعلق بالأمن المائي الذي هو مصدر الحياة والوجود للبلدين، والذي يحتم عليهما المضي في طريق حماية هذه الحقوق مهما كانت الاحتمالات، ومهما تعددت الخيارات. إن مفتاح الموقف ونحن على بعد خطوات من الموعد الذي حددته إثيوبيا لبدء الملء الثاني، هو أن تستمع إثيوبيا لصوت العقل، وتبادر من نفسها لنزع فتيل الأزمة، والاعتراف بالحق المشروع لمصر والسودان، ليس فقط في حصتها التاريخية من مياه النيل، وإنما في ترتيبات الملء والتخزين، التي يمكن أن يترتب على أي خطأ في حساباتها حدوث كوارث فوق الاحتمال، خصوصا بالنسبة للسودان الذي تعرض لأذى بالغ في العام الماضي، نتيجة القرار الإثيوبي المنفرد بالملء الأول خلف السد. وأكد الكاتب أن ما صدر عن قمة الخرطوم أعطى رسالة واضحة بأن مصر والسودان مازالتا تأملان في الحل السياسي. وأن الأزمة صنعتها إثيوبيا عامدة متعمدة رغم كل ما أبدته مصر والسودان من تفهم صادق لحقها في التنمية، وبمقدورها الآن أن تصحح كل ما وقع، سواء بالاستجابة للمطالب المشروعة لمصر والسودان في إطار القوانين الدولية التي تنظم استخدامات المياه في الأنهار عابرة الحدود، أو بالقبول بالرباعية الدولية كحكم ووسيط يدعم جهود الاتحاد الافريقي التي لم تلق تعاونا كافيا من جانب إثيوبيا.

مصيرهما مشترك

عبّر أكرم القصاص في “اليوم السابع” عن تفاؤله، لأن العلاقة بين شعب وادى النيل في مصر والسودان تستعيد قوتها بفضل إدراك البلدين لوحدة المصير والمصالح. البلدان من دول الجوار لليبيا، يتأثران بما يجري فيها، أمن مصر القومي في الغرب، وللسودان من الشمال والغرب، ويتفق البلدان على دعم جهود الاستقرار في ليبيا من خلال الليبيين أنفسهم، والأمر نفسه في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر، الذي يمثل أهمية لمصر والسودان وجنوب السودان، وبالتالي فإن التحالفات أو الاتفاقيات العسكرية مع مصر، بمثابة إشارة إلى أن أمن السودان عمق استراتيجي للأمن القومي المصري. والأمر نفسه، في ما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي، الذي يمثل ملؤه من دون اتفاق، أضرارا واضحة بمصالح مصر والسودان المائية، وبالطبع فإن التنمية والتعاون والتكامل الاقتصادي، هو أحد أهداف التعاون بين البلدين لصالح شعب وادي النيل. من هنا جاءت زيارة الرئيس السيسي للسودان بعد الكثير من الزيارات لمسؤولين من البلدين، وهي الأولى من نوعها عقب تشكيل مجلس السيادة الانتقالي، والحكومة الانتقالية الجديدة، ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، وإعادة العلاقات مع مؤسسات التمويل بعد الإصلاحات الاقتصادية. السودان يشق طريقه في مرحلة انتقالية ليست سهلة، يستعيد فيها قدراته التنموية والسياسية بشكل كبير، وعليه أن يعبر هذه المرحلة وسط مساع لقوى وتنظيمات تسببت في الكثير من الأذى، وتحاول تعطيل المسيرة، وأن يستعيد السودان قدراته وثرواته ويديرها لصالح التنمية العادلة.

ورطة جديدة

ليس ببعيد عن أزمة المياه ما كتبه سليمان جودة في “المصري اليوم”: “بما أن الحكومة هي التي تقدمت بمشروع قانون جديد للموارد المائية والري، وبما أن مجلس النواب وافق عليه من حيث المبدأ، فلا بديل سوى أن يتزامن النقاش حول مشروع القانون في المجلس، مع تقديم له تتولاه الحكومة نفسها وتشرحه في وسائل الإعلام. الحاصل أنه لا بديل عن ذلك حتى لا يواجه مشروع القانون الجديد ما واجه قانون الشهر العقاري المعدل، فانتهى إلى ما انتهى إليه. وكانت شائعات قد راجت عن اتجاه الحكومة إلى بيع المياه للفلاحين، بعد إقرار مشروع القانون في البرلمان، ولم يكن هذا صحيحا بدليل أن الحكومة نفته في وقته، ولكن رواج شائعة بهذا المعنى معناه أن مشروع القانون ليس واضحا.. ولو شاءت وزارة الري، صاحبة المشروع، لبادرت إلى الحديث مع الفلاحين خصوصا، ثم مع المجتمع في عمومه، عن أن مشروع قانون كهذا ليس الهدف منه بيع مياه للفلاح، وكانت وزارة الري قد راحت تدعو قبل سنوات في مؤتمر حضرته في الأقصر، إلى برنامج عمل تتبناه الوزارة ويحمل عنوان: 4 تاء.. والقصد أن هناك أربع كلمات لابد أن تحكم علاقتنا بالماء المتاح لنا، وهي كلمات تبدأ كلها بحرف التاء على النحو التالى: ترشيد، توعية، تنمية، تحلية. وليس من الواضح أننا استطعنا الانتقال بالكلمات الأربع من برنامج العمل النظري إلى حياة الناس، فلا يزال ري أشجار الشوارع بالخراطيم، ولا يزال الكثيرون منا يستخدمون الحنفيات في الأماكن العامة، ثم يتركونها مفتوحة على آخرها.. هناك بالطبع جهد حكومي في التحلية، وجهد آخر في نشر أدوات الري الحديث، وجهد ثالث في دعوات الترشيد، وجهد رابع في عمليات التوعية.. وكلها جهود مشكورة.. ولكنها ليست كافية في بلد حصته من الماء 55 مليار متر مكعب، وحاجته الحقيقية مئة مليار متر”.

نستحق الحرية

شدد عبد القادر شهيب في “فيتو” على أن حرية الرأي والتعبير مكفولة لجميع المواطنين طبقا للدستور والقانون أيضا، وليس للصحافيين والإعلاميين فقط.. فلسنا نحن معشر الصحافيين والإعلاميين مميزين عن غيرنا من المواطنين.. بل نحن إذا انتقدنا مواطنا عاديا وليس مسؤولا، يجب علينا بحكم القانون أن ننشر ونذيع رده على انتقاداتنا التي وجهناها له. تابع الكاتب: وما دام من مارس حقه الدستوري والقانوني في إبداء رأيه في أي شيء، ولم يرتكب خطأ يعاقب عليه القانون مثل السب والقذف، أو ترويج الشائعات فلا ضير عليه، ولا تصح محاسبته إداريا أو جنائيا، من يفعل ذلك مع من مارس حقه هذا، فإنه يخالف القانون والدستور الذي يقر في باب الحقوق والحريات هذا الحق للجميع، بل مطاردة من يمارسون حرية الرأي والتعبير في مجالس التحقيق والتأديب والوقف عن العمل أو حتى بتصريحات الاستهجان، هو خطأ قانوني يجب على كل مسؤول أن يربأ بنفسه عنه. والرئيس السيسي قال بوضوح إنه مع ممارسة أي مواطن لحق التعبير والرأي، وكل ما طالبه أن يكون ذلك لخدمة الوطن والمواطنين، وأن يستند الرأي إلى معلومات ويقدم اقتراحات بديلة للفعل أو الإجراء، أو القرار الذي ينتقده.. ولسنا في حاجة للقول إن ذلك كله يتوفر في آراء معظم المتخصصين، خاصة الجامعيين في العديد من القضايا والأمور.. لذلك ينبغي أن لا نرهب أحدا مارس حقه في إبداء الرأي والتعبير، لأن ذلك لا يتعارض مع الدستور والقانون فقط، وإنما يحرمنا من أن نسمع آراء متنوعة قد تفيدنا وتجعلنا نصحح أخطاءنا، ونعدل من قراراتنا وتصرفاتنا.. وهذا لا يخدم لا الوطن ولا المواطن أبدا.

إعلام في الهواء

دافع كرم جبر في “الأخبار” عن الإعلام المصري، مؤكداً على أنه ليس متخاذلاً ولا متراجعاً ولا منسحباً ولا متردداً، ولكنه يؤدي دوره بأمانة وموضوعية، ويقف حارساً أميناً في ظهر الدولة المصرية، متبنياً معاركها وتحدياتها. أما الإعلام الذي يبحث عنه البعض ويتصورون أنه جنة الحرية، وبلسم الديمقراطية، فله مفردات أخرى ليس لها أدنى علاقة بالمهنية والموضوعية والمصداقية، التي تفرق بين إعلام وآخر. البعض يتصور أن حرية الإعلام لا تكون إلا بإذكاء روح الغضب والتمرد في نفوس الناس، وشحنهم باليأس والإحباط، ليكونوا وقوداً للديمقراطية.
البعض يتصور أنه يعرف “نبض الجماهير” أكثر من الجماهير نفسها، وينصب نفسه متحدثاً باسمها راعياً لمصالحها مدافعاً عن أهدافها، بدون أن يسأل نفسه من منحه هذا التفويض؟ والبعض يتصور أنه مبعوث هداية الرأي العام، فيفتش في نظريات لا تمت للواقع بصلة، ويبحث في فضاء فسيح عن إعلامه هو، الكامن في مصالحه الشخصية. ومن يده في “الميه غير اللي إيده في النار”. فليست المسألة جمهورية الإعلام الفاضلة، ولكن أن نطرح على أنفسنا ثلاثة أسئلة: أين نحن الآن؟ أين نريد أن نصل؟ كيف نصل إلى هناك؟

إلى أين المسير؟

نحن الآن والكلام ما زال لكرم جبر، في مرحلة انتقالية للإعلام في العالم كله، وليس في مصر وحدها، واقتحمت الثورة الرقمية الأبواب والشبابيك، وحطمت موروثات قديمة. نحن الآن أمام إعلام جديد “سوشيال ميديا” يلعب فيه الجمهور دور الإعلامي، إعلام تفاعلي يشارك فيه الجمهور بالرأي والتحليل، ولبعضهم جمهور عريض جداً. أين نريد أن نصل بالإعلام؟ إلى ركوب قطار التحديث والتطوير والرقمنة، والتركيز على العنصر البشري، باعتباره الفكر الإنساني، الذي يشغل حيز أدوات الرقمنة الحديثة، ويطوعها لخدمة العملية الإعلامية وتحقيق أهدافها. العنصر البشرى هو الأساس، أما الوسيلة فقد تطورت من الكتابة على أوراق البردى حتى الراديو والتلفزيون والموبايل والمقبل أكثر تعقيداً. الرقمنة ليس معناها. كما يتصور البعض. أن يتحول الإعلاميون إلى “ريبوتات”، ولكن أن تظل القوة الناعمة هي التي تحرك الأدوات الحديثة. كيف نحقق ذلك؟ بالحوار والنقاش وتحفيز إبداعات الفكر، بدون جلد للذات، أو اتباع سياسة “هدم الآخرين” كي تقف فوق حطامهم و”تعلو”.. ولكن إبدأ بالبناء ثم قف فوق ما تبنيه “لتعلو”. من المهم جداً أن يحدث تزاوج هادئ بين الخبرات العلمية والأفكار النظرية، فإذا تحدثت مثلاً عن رقمنة الطباعة، عليك أن تذهب للمطابع، وتضع خطة لنهضتها وتحديثها، وليس هدمها وتشريد العاملين فيها. من يفعل ذلك هم البشر، والإعلام المصري يزخر الآن بمجموعات كبيرة من الشباب الرائع.. يحتاجون فقط إلى التشجيع والفرص العادلة.

مصنع الرجال

نصف نكاتنا للأسف، هي عن الصعايدة، ولعل الكثير من الأفلام، كما أكد سيد علي في “الأهرام” هي ما دعمت إبراز الشخصية الصعيدية بهذا الشكل الكوميدي. بدأ تكوين الصورة العامة للصعيد، صورة الشخص الذي لا يفقه شيئًا، ويمكن الضحك عليه بسهولة، وهو ما نراه جليا في شخصية “العمدة عبدالرحيم كبير الرحمانية قبلي ونجله”، اللذين ظهرا في الأفلام “الأبيض وأسود”، مُعبرين عن شخصية “الصعايدة” بالاستهانة وعدم القدرة على تقدير الأمور، حتى جاء محمد صفاء عامر ابن محافظة قنا وأعاد الوجه الحقيقي للمجتمع الصعيدي، من خلال مسلسل «ذئاب الجبل» في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ليحدث انقلابا حقيقيا في الدراما الصعيدية، اجتماعيا وثقافيا ولهجة، ثم أكملها بمسلسل “الضوء الشارد”، إلا أن حقيقة “تقفيلة دماغ” الصعايدة نابعة عن حسن التقدير التي تجعل الشخص منهم يقدر الأمور، ويختار بشكل صحيح ما يجعله مصرا على رأيه وقادرا على تحميل المسؤولية الكاملة مع أفعاله. وربما تكون المستويات الاجتماعية والاقتصادية في بعض مناطق الصعيد ضعيفة للغاية، ويكاد بعض الأشخاص لا يجدون قوت يومهم، أو لا يمتلكون أي وسائل للراحة أو الترفيه مثل البقية، إلا أنه في الوقت نفسه، يعتبرون أغنياء بالمقارنة ببعض المظاهر التي ربما تجدها في القاهرة، فلا يوجد في الصعيد من لا يجد مسكنا لينام فيه، كما لا يمكن أن ترى طفلا صغيرا أو رجلا كبيرا ينام في العراء، وللعلم فإن الصعيد والصعايدة هم مهد حضارة مصر وهم بناة حركة عمرانها الحالية، وهم محرك ووقود نهضتها المقبلة، إلى جانب إخوتهم في باقي أرياف ومدن مصر شمالا وغربا وشرقا. والصعيد هو مصنع الرجال ومنبع العلم والعلماء، ومركز المال والقوة والصبر والجلد والكرامة، ثم إن تاريخ مصر، انطلق من الصعيد، وإن حضارات ما قبل التاريخ عن أول وجود لمصريين على أرض الكنانة كان في الصعيد.

جريمة العزيزية

نشرت بعض صفحات «فيس بوك» مجموعة من الصور لترعة سقارة البحرية بعد تطهيرها وتبطينها، وإلى جوارها صور أخرى للترعة وقد امتلأت مرة أخرى بالقمامة، كما أكد محمد البرغوثي في “الوطن”، مجرد مجرى مائي راكد تتكدس فيه أطنان من القمامة المتحللة التي تنبعث منها روائح كريهة، وتتكاثر فيها الحشرات لتصيب كل من يعيش عليها بجملة أمراض مزمنة. وكان طبيعياً جداً أن تلتقط برامج التلفزيون هذه الصور، وأن يشعر كثيرون بإحباط شديد، وهم يطالعون هذه الكارثة التي وقعت بعد شهرين فقط من تطهير وتبطين الترعة، وأن يتوقف آخرون أمام هذه الجريمة باعتبارها سلوكاً قد يتكرر في كل ترع ومصارف مصر، التي يخضع معظمها الآن لأكبر عملية تطهير وتبطين وتجميل، في تاريخ مصر المعاصر، وهي عملية تهدف إلى إنقاذ شرايين الوطن من انسداد مزمن وتلويث إجرامي، عانت منهما مصر لأربعة عقود متصلة، تحولت خلالها الترع والمصارف من شرايين تمد الغيطان والبيوت بأسباب الحياة والنماء والجمال، إلى مباءات قذرة تنشر الأمراض وتُسمم الزرع والضرع. والمدهش في جريمة «ترعة سقارة» أن أهالي قرية العزيزية التي تقطعها الترعة، ظلوا لأكثر من عشرين عاماً يستغيثون بالمسؤولين لإنقاذهم من قذارة هذه الترعة تحديداً، ولا يكاد يوجد برنامج تلفزيوني لم يرسل الكاميرا إلى هناك لرصد عذابات هؤلاء الناس من المشاهد البشعة التي تدمر صحتهم وتنشر الأوبئة والأمراض المزمنة بينهم، والمثير في كل التقارير التلفزيونية التي تم إعدادها من هناك، أنها كانت دائماً تتوقف عند المعلومات التاريخية، التي تشير إلى أن «العزيزية» في البدرشين هي أقدم قرية مصرية، وأنها كانت جزءاً أساسياً من أول عاصمة عرفتها الإنسانية هي «منف»، وأنها أخذتْ اسمها من «عزيز مصر» أو وزير الملك الذي كان يعيش فيها، وأنها تنهض على كنوز أثرية.
الأمر إذن في حاجة لكشف هذه الجريمة، لوضع آليات تمنع أهالي مئات القرى الأخرى من تخريب هذا المشروع القومي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية