الناقد الفرنسي فرديناند برونتيير
1 – تعسُّف النَّقد
مناهج النقد الأدبي كثيرة ومتنوِّعة، وأوَّل ما ظهر منها هو النقد التأثُّري الانطباعي. هذا النقد، بوصفه نقداً يقدِّم إحساساً ذاتياً بالجمال الأدبي، كان ولا يزال قائماً، وسيظل قائماً، مادام الأدب يؤثِّر في متلقِّيه، غير أنَّه يحتاج إلى إجراءت منهجية تجعل معطياته معروفة مقبولة من الآخر. في مقابل هذا النقد الذاتي، نجد نقداً يسعى إلى تطبيق النظريات العلمية، كما فعل الناقد الفرنسي برونتيير، عندما طبَّق نظرية التطور الداروينية على نشوء أنواع أدبية وتطوُّرها. وكان متعسِّفاً في ذلك. وإن يكن النقد الأدبي الذي يحكِّم مبادئ العلم التجريبي يتعسَّف، فإن النقد المعياري يتعسف أيضاً، ذلك أنه يصدر عن معايير مسبقة لما ينبغي أن يكون عليه النص الأدبي، وهذه المعايير متنوِّعة. قد تكون أدبية أو اجتماعية أو دينية أو سياسية.
2 ـ اتِّباع المذاهب الأدبيَّة
في هذا المجال من ممارسة النقد، نجد كثيراً من النقاد، خصوصاً من أصحاب المذاهب الأدبية، يدعون إلى اتباع مبادئ هذا المذهب الأدبي أو ذاك، ويحاكمون النص الأدبي على أساس هذه المبادئ. والتاريخ الأدبي يعرف كثيراً من هذه الممارسات النقدية.
3 – إشكاليَّةٌ كبرى
وإذ يتم إنتاج الإبداع الأدبي، يأتي دور نقده. وهنا تتمثل إشكالية كبرى ذات شقَّين: أولهما واقع النقد الأدبي العربي الراهن، وثانيهما استخدام المناهج النقدية الغربية.
3 – 1 – واقع النَّقد الأدبي العربي الرَّاهن
في مايتعلق بالشقِّ الأول، يمكن القول بايجاز يقتضيه المقام:
النقد الأدبي العربي، اليوم، ينشط في حيِّزين:
أولهما الصحافة والمنابر الثقافية، كالنوادي والمجالس الثقافية، وثانيهما الجامعة.
الملاحظ أن النقد الصحافي والمنبري يحكمه، في الغالب، مبدأ العلاقات العامة، وتبادل المنافع، الأمر الذي جعل هذا النقد عبارة عن كلام عام يمدح، أو يذم، يجامل أو يكيد، انطلاقاً من العلاقات الشخصية. أمَّا النقد الجامعي، المفترض أن ينهض بأداء هذه المهمات، فالملاحظ أنه يواجه مشكلات كثيرة، منها: أولاً، تقليدية كثير من الأساتذة، وغيابهم، لهذا السبب أو ذاك، عن “المعاصرة” الأدبية والنقدية، وثانياً هيمنة السلطة السياسية على الجامعة، ما يؤدِّي إلى غلبة المعايير السياسية، لا الأكاديمية، على مختلف شؤون الجامعة، وثالثاً، استخدام، كثير من الأساتذة المناهج الغربية الحديثة استخداماً شكلياً وحرفيا.
3 – 2 – استخدام المناهج النَّقديَّة الغربيّة الحديثة، المناهج النقدية الحديثة، كما هو معروف، هي غربية المنشأ، ونحن نعرفها من طريق الاتصال المباشر، أو الترجمة، ونطبقها كما عرفناها. وقد أثار تطبيق كثير من النقاد لها انتقادات كثيرة، من أبرزها أنه لا يجوز أن نستورد مناهج نشأت في سياق تاريخ أدبي غربي، و”نستَنبتها” في غير موطنها الأصلي، ونطبقها على نصوص لم توضع لها أصلاً .في هذا الصدد، يمكن القول: إن المنهج، أيَّاً يكن مصدره، هو إنجاز حضاري، والإنجازات الحضارية إنسانية، وملك البشرية جمعاء، ولكل شعب إسهاماته الحضارية التي استفادت منها الشعوب الأخرى، في هذه المرحلة من التاريخ أو تلك. المهم في الأمر هو معرفة الإنجاز معرفة حقيقية، ثم معرفة كيفية الاستفادة منه واستطاعة ذلك، وتوظيف هذا كله في خدمة المشروع التنموي النهضوي العربي. في ضوء هذا الفهم، يمكن للناقد الأدبي العربي الكفء، أن يحدِّد موضوعه والهدف الذي يسعى إلى تحقيقه، ثم يختار الطريقة التي تتيح له تحقيق هذا الهدف، وإجراءاتها وأدواتها، ثم يستخدم هذه الطريقة بمرونة تمليها خصوصية الموضوع الذي يدرسه.
لا بدَّ من استخدام المناهج في النقد الأدبي، ولا بدّ من أن نعرف أن لكل منهج خصوصيته ووظيفته، وما يجعلنا نختار هذا المنهج، أو ذاك هو الهدف الذي نريد تحقيقه.
4 – تحقيق الهدف هو المعيار في اختيار المنهج
في اختيار المنهج، تكثر الانتقادات، فمن قائل: إن المناهج الخارجية، كالتاريخي والنفسي والاجتماعي، تبحث في ما هو خارج النص، وتعجز عن تبيُّن خصائصه الأدبية، وإن كانت تقدِّم شيئاً، فهي تقدِّم ما يفسِّر ظاهرة، أو خصيصة أدبية، وما يسهم في فهم النص الأدبي. ويضيف هذا القائل: على الناقد أن يقبض على أدبية الأدب، وأن يقدم معرفة بهذه الأدبية، وهذا ما لا تقوم به إلا المناهج الدَّاخليَّة التي تبحث في بنية لغة النص، بوصفها كائناً مستقلاً. تُوجَّه لهذه المناهج الداخلية، اللغوية، التي تقول باستقلال النص عن مؤلِّفه، وعن أي عامل خارجي، انتقادات، منها أن هذا النقد يفضي إلى تهميش الأدب والأدباء، وعزل الأدب والنقد عن المجتمع والتاريخ، وجعلهما يفقدان وظائفهما الاجتماعية والسياسية، وفي هذا خدمة للسلطة، بمختلف أنواعها . في رؤية موضوعية إلى هذه الانتقادات، يمكن القول: إن أيَّ منهج نقدي ينبغي أن يؤدِّي مهمة معينة، تتمثل في الإجابة عن السؤال الاَتي: ماذا أريد من دراستي لهذا النص أو ذاك؟ فإن أدَّاها بنجاح كان منهجاً جيداً، وإن أخفق كان منهجاً غير ملائم، والخطأ يتمثل في اختياره، فالمنهج طريقة محدَّدة توصل إلى تحقيق هدف محدَّد، فمن يعرف ماذا يريد، ويعرف كيف يحقِّق ما يريده، ويستخدم الإجراءات اللازمة والكافية لذلك، هو الناقد الكفء.
هذا الكلام يعني القول بـ”التعدُّدية”، ويعني، أيضاً، أن تعدُّدية المناهج ينبغي أن تسود في النقد الأدبي، ونعني بالتعدُّدية أن لا نلغي منهجاً لصالح منهج اَخر، ولا أن نستخدم خليطاً من المناهج نسميه المنهج التكاملي، وإنما أن نختار المنهج الذي يمثل الطريقة التي توصلنا إلى تحقيق هدفنا من الدراسة النقدية، وأن نجيد استخدام هذا المنهج.
5 – أمثلة مؤيِّدة
يقدم المنهج الداخلي – النصِّي معرفة نقدية بأدبية النص وخصائصه البنيوية، بوصفه منهجاً مختصَّا بأداء هذه المهمة، وأداؤه هذا لا يحول دون قيام مناهج أخرى بمهمات أخرى، تقتضي تحصيل معرفة بالمؤلِّف، فعلى سبيل المثال، إن أراد الناقد تفسير خصيصة في مسرحيات توفيق الحكيم: (المرأة الجديدة، النائبة المحترمة، جنسنا اللطيف)، على سبيل المثال، هي بناء شخصية المرأة، يجد أن عليه العودة إلى معرفة سيرة حياة الأديب، ليتبيَّن العوامل التي شكلت تجربته، ويحتاج هنا إلى استخدام منهجين خارجيين هما: الاجتماعي والنفسي، وإذ يستخدمهما يتبيَّن أن العوامل التي شكلت تجربة الحكيم الأدبية، والتي أملت مسرحياته المتميِّزة بتلك الخصيصة، هي: والدة تركية الأصل مستبدَّة، وإخفاق تجربة حب عنيف في فرنسا، والبقاء مدَّة طويلة من دون زواج، وفقر عالمه إلى المرأة الحنون.. إن الناقد الأدبي الذي يريد أن يعرف الخصيصة الأدبية لا يستخدم المناهج الخارجية، والذي يريد تفسير اتصاف النص بهذه الخصيصة أو تلك، وفهمها، لا يستخدم المناهج النصِّية، فلكل منهج وظيفته، والخطأ هو أن يُعهد لمنهج بأن يؤدِّي وظيفة منهج اَخر.
في مثال اَخر، وليكن شعر الكميت بن زيد الأسدي، فإن أراد الناقد معرفة بنية قصيدته ومكوِّناتها وأسلوبها ودلالتها، فإنه يحتاج إلى مناهج نصية، ولا يحتاج إلى معرفة الشاعر، أما إذا أراد أن يفسِّر مجيء الطللية في نهاية القصيدة، وهي خصيصة بنيوية في قصيدة الكميت، فعليه أن يستخدم منهجاً تاريخياً اجتماعياً يقدم له معرفة مفادها، أن الطللية كانت مطلوبة في ذلك العصر، من الرُّواة وعلماء اللُّغة والمؤدِّبين، لأسباب علمية وأدبية، وأن الكميت أخَّرها ليجبر المستمعين، خاصَّة الرُّواة وعلماء اللغة والمؤدِّبين، على سماع ما يريد قوله من شعر دَعَوي في انتظار سماع الطللية، وإذا أراد الناقد أن يفسر تميُّز شعر الكميت بخصائص جعلت شعره شبيها بالخطب المجوَّدة، فعليه أن يعود إلى حياة الشاعر ليعرف أنه كان أحد دعاة الثورة على الدولة القائمة، فكان شعره وسيلة من وسائل التأثير والحجاج والإقناع، فتميَّز بما يتميز به خطاب الدُّعاة من جدل، إضافة إلى القصد للتجويد واستخدام معجم لغوي يكثر فيه استخدام الغريب، ليجبر الرواة وعلماء اللغة على رواية شعره وحفظه والاستشهاد به..
6 ـ اختصاص المنهج وخصوصيَّته وإشكاليَّة الاستهلاك
المسألة، إذن، هي مسألة منهج مختص بتحقيق هدف لا يحقِّقه سواه. وهنا يرتفع صوت بالقول: لم نكتف بتلقي المناهج الغربية واستهلاكها، ولا ننتج مناهجنا؟ ونخلص إلى بلورة مذاهب ونظريات أدبية خاصة بنا؟ هذا الصوت الذي لا ينفك يرتفع محقٌّ في قوله، وهو ينطق بالإشكالية الأساس في تاريخنا المعاصر على مختلف الصُّعد، فنحن مستهلكون ولسنا منتجين. في سبيل حلِّ هذه الإشكالية، على مستوى الإبداع الأدبي، نرى أن يترك الأديب لتجربته الحياتية التاريخية الكيانية، التي يدخل في تكوينها التراث القومي والوافد، أن تبدع الأدب الذي يمثلها. ثم يأتي دور النقد، فالمفروض أن يصدر هذا النقد عن النصوص، وأن يستخدم المنهج الملائم لكل نص، والقادر على أداء المهمة المنوطة به، وهنا لا ضير في استخدام إجراءات المناهج الغربية الحديثة وأدواتها، شريطة أن تنطلق من النص لا أن تسقط عليه مقولاتها، وإذ يتم ذلك، ويتم تبين الخصائص الأدبية وبلورتها، يتم رصد الظواهر الأدبية وكشفها، ووضع مبادئ المذاهب والنظريات الأدبية.
قد أكون بحاجة إلى تقديم مثال يوضح ما أذهب اليه ويؤيِّده، فالمنهج السردي الغربي يستخدم مصطلح الراوي في تحليله، ويصنِّفه في أنواع، وعندما يبحث الناقد العربي في المقامة، ويستخدم هذا المنهج، يتبيَّن له أن الراوي في هذا النوع القصصي مختلف، فيقرِّر ذلك، ويعدِّل المنهج ليلائم النص السردي العربي، ويتبيَّن خصائص النص وفقا للمنهج المعدَّل الذي أملاه النص موضوع الدراسة، ولا يلوي عنق النص ليستقيم والمنهج الغربي. المهم، في هذا الشأن، وفي كل شأن، الإنتاج وليس الاستهلاك، وحبَّذا لو ارتقى الإنتاج إلى مستوى الإبداع.
7 – النَّاقد الحصيف
ينبغي أن نقرَّ بأن معرفة المناهج النقدية لا تكفي لتكوين الناقد الذي يستأهل حمل هذه الصفة؛ إذ لا بد للناقد الحصيف من الموهبة أولاً، والمعرفة ثانياً، والمعرفة التي نعني ليست معرفة محدودة ساكنة، وإنَّما هي معرفة موسوعية متجدِّدة على الدوام، والدُّربة الطويلة ثالثاً، والذوق الأدبي المثقف المدرَّب رابعاً؛ لأن المبادئ المنهجية لا تستطيع أن تنفذ إلى “لطائف” في النص الأدبي لا يدركها إلا هذا الذوق المرهف، وإلى هذا قصد الناقد العربي الكبير، الآمدي، حين قال: “إن من الأشياء أشياء تدركها المعرفة، ولا تحيط بها الصفة”، والأخلاق العلمية خامساً، فالنقاد الذين يصدرون عن أهواء أو معايير عقدية مسبقة يقعون في أخطاء كبرى، وإن كانوا يعتمدون مناهج نقدية حديثة. كما حدث لأرنست رينان، عندما اعتمد مقولة العرق لدى دراسته الأدب العربي.
في ضوء ما سبق، نخلص إلى القول: لا بدَّ من استخدام المناهج في النقد الأدبي، ولا بدّ من أن نعرف أن لكل منهج خصوصيته ووظيفته، وما يجعلنا نختار هذا المنهج، أو ذاك هو الهدف الذي نريد تحقيقه. هذه الحقيقة تجعلنا نقرُّ بـ«تعدُّدية» المناهج وتكاملها، فلكل باب طريقه، وتعدُّد الأبواب يقضي بتعدُّد الطُّرق، والمهم أن يمتلك الناقد «عدَّته» اللازمة والكافية، وأن يتقن عمله، فإتقان العمل أمر عبادي، كما يُفهم من الحديث الشريف في هذا الشأن.
أكاديمي لبناني