(1) مكيال أرسطو
في الحكاية المرصودة لمقامات الدَّهاء أنَّ الثعلبَ احتالَ لنفسه على الكُركيِّ، فدعاه إلى غداءٍ نِصابُهُ الحقُّ فخرُ الكَرَم بالكرم. ابتدعَ حساءً ليس في مَسْردِ المرويِّ مِمَّ صُنِع، وعلى أية نارٍ أُنضِج. لكنه غداءٌ يليق بالحكاية مختزَلَةً إلى صحنين ضحليْنِ، على مائدةٍ حولها كرسيان اجْتلَسهما الضيفُ والمضيف.
سكب الثعلب في الصحنين بلا عمق حساءَ الوليمة. وَلَغَ في صحنه بلسانه حَسْواً، مثبتاً عينيه الساخرتين على ضيفه الطير المتحيِّر ينقر الصحنَ فلا يخرج بغرْفٍ من الحساء.
انتهت الوليمة. خرج الكركيُّ سكرانَ جوعاً من الغداءِ حُسِبَ عليه دَيناً، فأوفى بالدَّين. أوْلَمَ للثعلب على حساءٍ سكبه في قارورتين عميقتي الغورين، ضيِّقتيِّ العنقين. غَرَف من القارورة حساءَه حتى ثفْلِ قاعها، بعينين ساخرتين على ضيفه المتحيِّر مخذولاً لا يطاولُ بلسانه الحساءَ من عنق القارورة الطويل الضيق.
خُدعةٌ بخدعة. حكايةٌ من حِذْقِ الأحابيل دسَّها الإنسانُ في جيب الحيوان، لكنها مفرطة في تفاهة خيالها إن أُدرجتْ في رقابة المنطق: من أين اشترى الثعلبُ الصحنين، ومن أيِّ متحفٍ للزجاج استعار الكركيُّ قارورتيه؟ كان ينبغي تصحيحُ خلل «الذكاء» في الحكاية على النحو التالي: كلاهما مخادعان، ذكيان، داهيتان. الكركيُّ ـ على غداء الثعلب ـ يستحدث ثغرة في الأرض بمنقاره القوي. يحمل الصحن بيديه اللتين استحدثهما خيالُ الإنسان. يدلق الحساءَ في النُّقرةِ الحُفرة، ثم يغرف منه حَسْواً.
مقابل هذا المَخْرج تصحيحاً لعجرفةِ النقصان في خيال الراوية، يعمد الثعلب، حين يُدعى إلى مأدبة الكركي، إلى حفْر جورة بمخالبه يدلق فيها القارورة، ثم يَلِغُ في الحساء شارباً.
أهذا مَخْرجُ المقالة هذه تقديماً في سياقٍ فلسفي، أو قريب من الفلسفة يماسُّها أو يكاد؟ حين لا تستطيع فلسفةٌ اجتيازَ مأزقها، تُحيلُ المأزقَ إلى خطابٍ مُشْكلٍ في تصنيف الخصائص النظرية للفكر، أمَّا الخصائص العملية فمقامُها مقامُ المخلوقات في أسمائها: «هي وجودٌ متَّصِفٌ بما ليس فيه».
ثمَّت انزلاقٌ هنا إلى عدميةٍ من مشاعية الرمزيات: الفكرُ العملي وجودٌ متَّصفٌ بما يكونه، وما هو عليه، ليس كالكائنات الأُخر يتخيَّرون لها أسماءً لا تكون ماهيَّاتِها. كلُّ البشر ربما لا يتماهون مع أسمائهم.
ربما الروحُ، بمكيال أرسطو للتعريف، هي ـ بتحديدٍ صارمٍ، ومتعسِّفٍ أيضاً ـ كلُّ كائن. واليقين الذي «أتنعَّم» به، من استذكار الثعلب والكركيِّ في ماهيتين إنسانيتين، هو أن الفلسفة «ميثاقُ» الأقوال المستندة إلى ثغراتٍ في المنطق. وها أرى، في ختام هذه السرديَّة، أن الكركيَّ يشعل لِفافة تبغ متنعِّماً باستنشاقها، فيما يستذكرُ الثعلبُ شيئاً من فلسفة أبيكوروس.
(2) تناظرُ العالَميْنِ
الخطأُ كان ـ أبداً ـ نظاماً للحقيقة. تتبَّعتُ ذلك مع لويجي برانديللو في المسرح: ممثلون يبحثون عن مُخرج. هَدْمُ الجدار الرابع. النزوح بالممثلين والمشاهدين إلى الطريق خارج مبنى العُروض. انزياحٌ بالمعاني إلى تشويقٍ من نوع آخر يغدو فيه المكانُ ممثِّلاً ذا دورٍ عاصفٍ في الإلقاء، يصغي إليه الممثلون، والمُخرجُ، والحضورُ، وينحني له النصُّ مصفِّقاً من «خشبة المسرح» الذي غادره الجميع.
من تداعيات برانديللو في تأثيث «الشكل» المتلاعب بفِقه الأبعاد، التي تُخضِع المسرحية لشروط المكان الثابت، أن تصل الموجةُ إلى مخرج السينما البريطاني بيتر غرينوي (صاحب فيلم «الطاهي. اللص. زوجته وعشيقها»، و «كتاب الوسادة»)، الذي أحالَ الفضاءَ الشاسع ـ فضاءَ السينما وألاعيبها السحرية من المؤثرات الخاصة، إلى حصْرٍ بجدران المكان. عبوره عبورٌ إلى السينما ـ المسرح، بالرغبة في عودةٍ إلى منشَأِ العروض الأصول ابتكره عالَمٌ قديم في الترفيه: تمثيلٌ بسيطٌ على خشبة، في مقابل عالم جديد، مذهلِ القدرات بألاعيب آلاته. غير أن الجامع بين العالَميْن هو المُشاهدُ واقفاً، أو جالساً، أمام المعروض عليه: خشبة العالم القديم، وشاشة العالم الجديد.
مِنَ المُرتكز البدهيِّ لعالَم العروض، أيْ وجود المُشاهد، يتلاعب غرينوي بالأبعاد. يضيِّق عليها ممكنات الشساعةِ، والوَسْع، والعمق. «يعتقل» الكاميرا في جدران، وهي القادرة في «الفن السابع» على جموحٍ يقلب أعالي المنظورات إلى أسافل، بجنون التِّقانة في الربط والضبط.
سينما ضيِّقةُ المساحة في مسرحٍ ذي جدران ضيقة. غرينوي لا يرى في ذلك انتقاصاً من القدرات. جَانْغْ ييمو الصيني لن يوافقه على ذلك. يضيف إلى أبعاد المكان أبعاداً كاقتدار المرايا على التوسعة إن تناظرت. فيلمه «بطل» (2002) ـ الذي لا تفلت فيه برهةٌ من تَرَاتبها نحْتاً مضبوطاً بقياسٍ شِعريٍّ في التصويرِ النحت ـ إعصارٌ فنيٌّ لن يلحق به وصف. كلُّ لحظةٍ قصيدةٌ من الرسم.
أدخل ييمو «الفنَّ السابع» مدخلاً هو نَسَبُ الفن حقاًّ إلى الفن. رفيقه في المهنة، الأمريكي المقتدر ترانس مَلِك (أصل اسمه)، وازاه من منحىً آخر نقلاً للسينما إلى فنِّيةٍ فوق الشبهات، وولاءٍ للفن يعيد إلى تسمية «الفن السابع» ثقتَه باسمه. فيلمه «شجرة الحياة» (2011) منعطفٌ (لا أوافقُه غيبيةَ التساؤلات فيه) فاتنٌ من الاستحواذ بالنصِّ المتقطع كأنه ارتجالٌ تصويري، لكنْ بروابط من مَشاهد الكون الساحر.
لن يستطيع أحدٌ إغفالَ الصرحَ السينمائي الآخر، المكين في فنه، ستانلي كوبريك. كل فيلم له قويٌّ. لكن ينبغي التوقف عند فيلمه «باري ليندون» (1975). هنا هو، مثل صنوه الصيني ييمو، لا يدع مشهداً واحداً من غير إخضاعٍ للرسم. كل مشهد لوحةٌ كرسوم رامبرانت: الظلالُ نبوغٌ مما تستحصله الظلالُ لنفسها من مقامٍ في الرسومِ الرِّفْعة، والأنوارُ شرائعُ مُحكمةُ النصوص في تدبيرِ إدارةِ العُمرانِ النورانيِّ.
(3) الفكر بين كوازيمودو وغرامشي
أعدتُ قراءةَ «أحدب نوتردام» تسع مرات، أو أكثر، وأنا في الخامسة عشرة من عمري. كانت كلُّ قراءةٍ أن أصل إلى السطور الأواخر من رواية فيكتور هوغو. لماذا لم أوفر على نفسي، بعد القراءة الأولى، أن أمضي مباشرة في تقليب الصفحات إلى آخر صفحة فيها؟ أمرٌ ينبغي عرضُه على تحليلٍ من مقتَبسات «اللوعة»: لقد عُثر في قبر الغجرية أزميرالدا على هيكلٍ عظمي محدَّب، منطوياً على نفسه إلى جوار هيكلها.
هيبةُ القبر بهيكلين عظميين استوقد شيئاً فيَّ. حزنٌ مَّا لم ترمِّمه القراءاتُ المتواصلة للرواية، ظلَّ يميل بخيالي، محزوناً، إلى التوسل إلى كوازيمودو كيف دفنَ نفسه في قبر أزميرالدا؟
لم أكن لأعثر على جواب، وأنا أعيد قراءة الرواية. حملتُ ذلك معي في «أعمارٍ كُثر» من أعماري الأوائل، حتى الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تردَّد اسم أنتونيو غرامشي في توثيق أحوالِ الصراع على مبادئ الفهم النظريِّ لطلقات الحرب وصواريخها.
«المثقف العضوي»، أيْ المترابط بعموده الفقري مع باقي اللحم من جسده ـ أجساد الآخرين. ربطٌ للمثقف بزئبقيةِ قِيَمِ العامَّة، التي لن يمكن حصرُها بتصنيفٍ كالتصنيف «المترجرج» للطبقات ووعيها. ما لَفتني إلى غرامشي، عدا ثقافته الواسعة، وما قرَّبه إلى الفرع المتشعب من شجرة خياليَ، ذلك التوافق «العضوي» بين الحَدَبة في ظهره والحدبة في ظهر كوازيمودو ـ بهلوان الأجراس في كاتدرائية نوتردام.
«لاهوتُ الوجود» ـ جملة لجاك دريدا، يعجبني أن أميل بها إلى المُطابَقات بين الخلائق. أنا هنا في الموضع من «موت الكاتب» وولادة القارئ الذي هو أنا، بحسب اللاهوتية المُحدثة من غراميات التفكيكية، ولوعة البنيويين في اشتغالهم على استيلاد تراكيبَ بلاغية، أدبية. جسد كوازيمودو «مفكَّك». جسد غرامشي «مفكك». عاشا مفكَّكين من تلاعب الشكل بهما بإضافاتٍ «عضوية» إلى ظهريهما قوَّضتْ نسبةً من «لاهوت وجودهما».
لا أنحو قطُّ أن أكون ناقدَ «أشكال» في علمها «المقارن»، مذ أعرف أن «الناقد لا يقول فقط ما يقوله النصُّ، بل يقولُ أيضاً ما لا يعنيه هو نفسه» (بول دي مان). أدبٌ وفكر «أعني رواية هوغو، وأعمال غرامشي» جمعاني على نقدٍ «عاطفيٍّ» لا تحليل فيه؛ لا تثبيت للمعاني بنفيها؛ لا نفيَ للمعاني بتثبيتها. حزنٌ مَّا عشتُه إلى جوارهما. «حزنٌ عضويٌّ» إلى جوار كل جَرَسٍ في كاتدرائيات الأرض.
(4) تاريخيةُ الحقيقة «التعاقدية»
يشير العنوان إلى منظومة من المفاهيم أخذَها السجالُ كلَّ مأخذٍ، وأدارها على تشابهات «المَصَالح» وتحالُفاتها، احتكاراً للسُّلطة فكراً (وهو ما يجهد كلُّ نظام إلى فرضه)، واحتكاراً للسلطة بإدارةٍ قوامُها قوةٌ عسكرية.
لستُ في معرض المقولات «الصارمة» لصراع الجماعات على السيادة. لقد كلَّفتُ نفسي ببعض التحريف الطريف رِفْقاً بالتجريد النظريِّ، الذي لا أعرف أأبدأه بسُقراط الذي هو مَدِينٌ بديكٍ لإله الطبِّ أسكليبوس، أمْ بالرياضيات التي هي التماهي الكوني المطلق للعقل (هُوْبزْ يختصر الأمرَ: حقيقةُ البشر ومصلحتهم لا تدخلان في تعارُضٍ مع مباحث الرياضيات)، أمْ الرياضيات التي هي «هدنةٌ» لا غير، بسياقٍ من اختلالٍ في حساب «المَصالح» على اقتسام العقل بنِسَبٍ مفرطة في تبايُنِ الحجوم؛ أم أبدأ من تجريد التاريخ من لاهوتيته (كما فعل مونتسكيو)، أمْ من «أصل الأشياء الجذريِّ» للايبنتز؛ أمْ من صيغةٍ مَّا للمجتمع واجبةِ القبول، قبل العَقْد نظاماً؛ أم من المساواة في الظلالِ لا في الحجومِ؛ أمْ من النزوع الفوضوي إلى أخلاقٍ لا جوابَ عندها على أسئلة الإيمانِ بالشكِّ؛ أمْ من المثاليات الشفهية؛ أمْ من التجريد المستعصي على خيال الكلمات؛ أمْ من نقْض الديني للتاريخ كله السابق عليه زمنياًّ؛ أمْ من المدنيَّة في جروحها؛ أمْ من البحث عن قوانين للموضوعات المشاكسة؛ أمْ من طبقات الملائكة مصنَّفيْنَ على مهماتٍ؛ أمْ من تفاحات الأقدار كلِّها ـ سقوطٌ أبداً إلى أسفلَ؛ أمْ من الخطأ كحقيقةٍ يتجنبُ الصوابُ العبورَ بها؛ أمْ من سلوكِ الإنسان كسلوك الطبيعة: يُخضعان قوانينَهما للضلالِ، وللخَرْق، وللانتهاك؛ أمْ من العالَم في حدَّيهِ: البنيان والتقوُّض؛ أمْ من الحياة التي لا نملك منها إلاَّ القليل، لكننا نملك الموتَ بتمامه؛ أمْ من إرادة الموحش؛ أمْ من الانجذاب إلى كينونتين على هربٍ في اتجاهين؛ أمْ من الكون، والزمن، وأكلافِ المأزق في بنية المصطلحات؛ أمْ من «المحمولات الصالحة لكلِّ وجودٍ»؛ أمْ من الزمن كمُتَخيَّلٍ للذات؛ أمْ من إقامة الحدود بالقياسِ إلى الأعمار الفَلَكية؛ أمْ ؟؟؟؟؟
آذار 2021