قادة السودان في صف واحد مع مصر ضد إثيوبيا والتطبيع وضعهم في المحور الأمريكي-الإسرائيلي

إبراهيم درويش
حجم الخط
2

وجدت مصر والسودان موضوعا يجمعهما بعد خلاف طويل

شهدت العلاقات السودانية-المصرية حراكا غير عادي، فقد زار الرئيس عبد الفتاح السيسي الخرطوم الأسبوع الماضي ولأول مرة منذ الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس عمر حسن أحمد البشير في 2019 وتبعت زيارة السيسي، زيارة في نهاية الأسبوع لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى القاهرة، وفسر النشاط الدبلوماسي السوداني بالإضافة لزيارة حمدوك إلى السعودية على انها محاولة لتنسيق المواقف ضد إثيوبيا ومنعها من مواصلة ملء خزان سد النهضة العظيم الذي تحول منذ إنشائه عام 2011 إلى نقطة خلاف ساخن مع دول المصب، وزاد الخلاف مع إعلان أديس ابابا عن خطط لملء الخزان. وترى مصر في خطط إثيوبيا تهديدا للأمن المائي لها ويضر بسكانها وثروتها الزراعية.
ومن هنا وجدت مصر والسودان موضوعا يجمعهما بعد خلاف طويل وتردد من الخرطوم في دعم الموقف المصري الرافض للسد، حيث قبلت الخرطوم في البداية فكرة أن السد قد يوفر للبلاد طاقة كهربائية رخيصة، لكنها بدأت تصحو في الفترة الأخيرة على حقيقة مخاطر بيئية قد تحدث وتطال الأراضي السودانية حالة حدوث فيضانات بسبب السد مما يهدد حياة 20 مليون سوداني، ذلك أن السد أقيم على النيل الازرق الذي ينبع من الهضاب الإثيوبية ويلتقي مع النيل الأبيض عند الخرطوم ليسيرا معا نحو مصر والبحر الأبيض المتوسط.
ومن هنا جاءت الزيارات المتبادلة كمحاولة من البلدين تعبئة المجتمع الدولي والدول الإقليمية وإجبار إثيوبيا للتفاوض على تسوية بشأن السد. ويتركز الخلاف على ملء خزان السد وكمية المياه التي سيسمح لها بالتدفق في مواسم الجفاف. وتريد مصر والسودان اتفاقا قانونيا حول مراحل ملء السد فيما تصر إثيوبيا على ضمانات عامة. ولم تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق بينها.

خيار التدويل
وتبنت الخرطوم في الفترة الماضية خيار «التدويل» الذي لجأت إليه مصر في خلافها مع إثيوبيا، وباتت تدعو لأن تلعب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي دورا والمساهمة في توقيع اتفاق على ملء خزان السد وعملية إدارته. ويطالب السودان بمشاركة إثيوبيا بالبيانات حول عمليات إدارة السد لتجنب الفيضانات وحماية سدودها على النيل الأزرق لتوليد الطاقة الكهربائية. وتأمل إثيوبيا بأن يؤدي السد الذي اكتمل بشكل كبير أن يخرج ملايين الإثيوبيين من حالة الفقر ويوفر الطاقة الكهربائية التي تفتقر إليها مجتمعات واسعة في البلاد. وانتقدت القاهرة والخرطوم خطط إثيوبيا لعملية ملء الخزان الثانية في موسم الأمطار المقبل، والمتوقعة في تموز/يوليو. وأدت مرحلة ملء الخزان الأولى العام الماضي لإثارة قلق السودان ومصر، لكن مخاوفهما تبددت بسبب معدل المياه فوق المعتاد وفيضان النهر. لكن هذه المخاوف قد تتجدد مرة أخرى في الصيف. ويرى السودان أن هذا سيهدد أمنها فيما حذر السيسي أديس أبابا من فرض الأمر الواقع واتخاذ إجراءات من طرف واحد والسيطرة على مصادر المياه.

عزلة آبي

واستفادت مصر في جهود التنسيق مع جارتها الجنوبية من توتر العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا على خلفية النزاع في إقليم تيغراي الإثيوبي وتدفق عشرات اللاجئين الإثيوبيين والاتهامات للجيش الإثيوبي باحتلال أراض سودانية. وأدت التطورات في إثيوبيا إلى شجب دولي واتهامات للجيش الإثيوبي بارتكاب جرائم في الإقليم المتمرد ودور القوات الإريترية في هذه الانتهاكات. وأصبح رئيس الوزراء آبي أحمد الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019 في عزلة بسبب الحرب الأهلية الأخيرة وتأثرت سمعته الدولية. مما يجعله عرضة للضغوط الخارجية التي تجنبها في الماضي لان إثيوبيا مولت بناء السد وكلفته 4.6 مليار دولار بدون قروض دولية.
وكرد على الممارسات في الحرب قرر الاتحاد الأوروبي تعليق بعض الدعم المالي لأديس أبابا. وربما قررت الولايات المتحدة استئناف الدعم الذي أوقفته العام الماضي بعد فشل وساطتها لحل أزمة السد ولكنه سيكون مشروطا بطريقة معالجة الحكومة الإثيوبية للحرب الأهلية. وتأمل مصر والسودان أن تكون إثيوبيا عرضة للضغوط الدولية أكثر من أي وقت مضى، لكنهما تحضران للتصعيد. ففي أيلول/سبتمبر نظم البلدان مناورة عسكرية مشتركة. وفي زيارة للخرطوم هذا الشهر حذر رئيس هيئة الأركان المصري من المخاطر المحيطة بالبلدين وأعلن عن استعداد بلاده لتزويد السودان بكل ما يحتاجه في كل المجالات. وفي اتجاه آخر أكدت مصر على دعمها للسودان في محاولاته تأكيد سيادته على حدوده، في إشارة لمنطقة الفشقة المتنازع عليها على الحدود السودانية- الإثيوبية. ومن هنا فتعهد مصر بدعم السودان في مسألة الفشقة، هي محاولة للضغط على أحمد ودفعه لقراءة التحذيرات، في وقت يخشى فيه الإثيوبيون من تدخل خارجي لدعم تمرد آخر في منطقة بني شنقول- قمز والتي أقيم فيها سد النهضة العظيم. فآخر ما تريده إثيوبيا المعزولة دوليا والمقسمة جارا عدوا في الشمال. لكن هذا لا يخفي التوتر الحالي بين البلدين وتكهنات بلجوء كل منهما للجماعات المتمردة لشن حروب بالوكالة بالإنابة عنهما. وفي هذا السياق سرب الجيش السوداني تقارير مفادها بأن الحكومة الإثيوبية قدمت أسلحة وذخائر ومعدات قتال لقوات جوزيف توكا بولاية النيل الأزرق التابعة لجيش الحركة الشعبية-شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو. وحسب التسريب الذي نشرته «وكالة الأنباء» السودانية، فقد وصل الدعم إلى منطقة يابوس بتاريخ 27 شباط/ فبراير الماضي، وكان في استقباله القائد جوزيف توكا وقادة قواته. واتهم التسريب إثيوبيا باستخدام جوزيف توكا لاحتلال مدينة الكرمك بإسناد مدفعي إثيوبي بغرض تشتيت جهود الجيش السوداني على الجبهة الشرقية. وكانت إثيوبيا قد اتهمت السودان بشأن إقليم بني شنقول- قمز قبل التوتر الحدودي بالفشقة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عندما نشر الجيش السوداني قواته واسترد أراض شاسعة استغلها مزارعون وميليشيات إثيوبية لمدة 26 سنة. ففي 19 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اتهم أحمد السودان في كلمة له أمام البرلمان الإثيوبي بإيواء مقاتلين يتلقون التدريب بولاية النيل الأزرق السودانية لتأجيج الصراع في إقليم بني شنقول- قمز. وقال إن «بعض المقاتلين على الأقل يريدون قطع الطريق المؤدية إلى سد النهضة».

المشاكل المستمرة

وتنتظر أزمة سد النهضة والتوترات المتزايدة على الحدود والتهديد بالحرب الحل، لكن مشاكل سودان ما بعد الثورة مستمرة، حيث يعاني من أزمات متجددة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، إضافة إلى تدهور مستمر في عملته الوطنية وارتفاع مطرد في معدلات التضخم. وقفز معدل التضخم السنوي بالسودان إلى 304.33 في المئة في كانون الثاني/يناير الماضي من 269.33 بالمئة في كانون الأول/ديسمبر السابق له، وفقا لإحصائيات حكومية. وفي بداية الشهر قررت الحكومة تعويم الجنيه السوداني وتوحيد سعر صرف العملة أمام الدولار في محاولة منها للقضاء على الاختلالات الوظيفية في الاقتصاد والنقد، فيما يرى مراقبون أن التعويم جاء بناء على طلب من صندوق النقد الدولي في برنامج المراقبة، من بينها تحرير سعر الصرف ورفع الدعم عن الوقود والكهرباء الذي طبقته الحكومة في تشرين الأول/أكتوبر وكانون الثاني/يناير الماضيين على التوالي.

توجه السودان الحالي
ويبدو أن توجه قادة السودان الجدد بات واضحا في القضايا الإقليمية، فهم يتحركون الآن بين القاهرة وأبو ظبي والرياض، ويحاولون التكيف مع حالة «التطبيع» التي فرضها دونالد ترامب عليهم مقابل شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وكثمن عليهم دفعه لتطبيع علاقتهم مع الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية المانحة. وفي هذا السياق كشف موقع «اكسيوس» (11/3/2021) عن محاولات إسرائيلية حثت فيها الرئيس جوزيف بايدن تنظيم احتفال لـ «تعزيز تطبيع العلاقات» مع السودان. وذكر الموقع نقلا عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن «الصفقة مع السودان بحاجة إلى تثبيت» خلافا لما تم مع الإمارات والبحرين والمغرب. وأشار الموقع إلى أن الحكومة السودانية ترغب في مصادقة بايدن أيضا على الاتفاق. ولكن الإدارة راغبة على ما يبدو بمواصلة العملية وفق «اتفاقيات جديدة وباسم غير اتفاقيات إبراهيم». وأشار الموقع أن مستشاري بايدن للشرق الأوسط، بريت ماكغورك، وباربرا ليف، تحدثا عدة مرات مع «نظرائهما الإسرائيليين» بشأن تعزيز عملية التطبيع. وكانت حكومة السودان قد وقعت بهدوء في بداية كانون الثاني/يناير «اتفاقيات إبراهيم» في وقت أكدت فيه على أن القرار النهائي في التطبيع بيد البرلمان غير الموجود حاليا. ورغم ما قدمه الاتفاق من منافع عاجلة كدعم أمريكي سنوي وشطب من قائمة الإرهاب، بعد موافقة السودان على دفع تعويضات لضحايا تفجيري كينيا ودار السلام في 1998 وتفجير البارجة الأمريكية في عدن 2000 إلا الحكومة السودانية لا تزال عرضة لقضايا إرهاب من عائلات ضحايا أيلول/سبتمبر 2001. وبالمحصلة جرى تصوير التطبيع على أنه مقايضة فرضتها أعتى دولة في العالم على أفقر دولة في العالم. لكن هذا لا يعني أن أمريكا وبالضرورة لم تجد شركاء مستعدين للتطبيع، كما يقول مجدي الجزولي بمقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (9/3/2021) ففي شباط/فبراير 2020 التقى رئيس المجلس الرئاسي الانتقالي الجنرال عبد الفتاح البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي بيوغندا. هو لقاء زعم الساسة في حركة قوى الحرية والتغيير، الذراع المدني في الائتلاف الحاكم عدم معرفتهم به.
ويرى أن المعلقين الإعلاميين في السودان شنوا حملة إعلامية لتبرير التطبيع ومزاياه، وشارك شيوخ وصحافيون وكتاب في الحملة وقدموا مبررات مرتبطة عضويا في السودان وخارجة عنه وبينهما تبرير قام على رؤية عنصرية للتخلي عن القضية الفلسطينية. فمن ناحية جرى الحديث عن الواقعية السياسية التي تجبر السودان على متابعة مصالحه وإرضاء رغبة أمريكا وحلفائها بالمنطقة، السعودية والإمارات تحديدا. وقدم هذا المبرر على أنه صورة عن «استقلال» السودان في صناعة قراراته. وأكد المعلقون أن «لاءات» الخرطوم «لا اعتراف، لا تفاوض لا صلح» التي أعلنت بعد حرب 1967 لم تعد مهمة وعفا عليها الزمن. فإذا وقعت مصر والأردن بل والفلسطينيون اتفاقيات مع إسرائيل فماذا عن السودان؟ ويعلق الجزولي أن الحديث عن تأكيد المصالح الوطنية قائم على فرضية الوحدة السياسية لكنه في الحقيقة غطاء للديكتاتورية، فالمؤسسة العسكرية السودانية راغبة بالتطبيع لأنه الطريقة المؤكدة للحصول على تكنولوجيا القمع الإسرائيلية. ومع بدء التطبيع بدأ القادة العسكريون الأمريكيون بزيارة الخرطوم ومناقشة الشؤون «الإستراتيجية» ومعهم وصلت أول سفينة عسكرية للجيش إلى بورت سودان في 24 شباط/فبراير. وفي 2 آذار/مارس وصلت البارجة الأمريكية وينستون تشرتشل إلى نفس الميناء. وعندما يتحدث دعاة التطبيع في السودان عن اتفاق الفلسطينيين مع عدوتهم إسرائيل فإنهم يربطون خطأ بين أمراء أوسلو (قادة المنظمة) والشعب. ومرة أخرى تحدث المعلقون عن أن انضمام السودان لمحور الولايات المتحدة، إسرائيل، السعودية والإمارات هو صورة عن تحرره من الهيمنة العربية على سياساته، وهذا منطق معوج متخيل لأن السعودية والإمارات ليستا حريصتين على استقلالية السودان. ويضاف لكل هذا التفكير الغريب هو أن الفلسطينيين لا يستحقون الدعم لأنهم ينظرون للسودانيين نظرة دونية وأنهم عرب من أصول أفريقية. وما لم يذكر في هذا السياق المعاملة السيئة التي يلقاها المهاجرون السودانيون في إسرائيل، فقد وصف عضو في الليكود المهاجرين السودانيين «هم سرطان في جسدنا» والمفارقة أن الصهاينة كانوا سعداء باعتراف دولة عربية جديدة بهم، لاحظ وليس دولة أفريقية، كما قال نتنياهو. ومن هنا فمن الأفضل لقادة السودان الاعتراف بالقوى التي تملي عليهم لا البحث عن أعذار واهية، كما أن التبرير يتناقض مع اللقاءات الدافئة التي يجريها قادة السودان مع الإسرائيليين، ففي 25 كانون الثاني/يناير تحدث مدير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين عن لقائه مع وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين ووصفه بالدافئ. وهناك مفارقة أخيرة يجب ألا تغيب عنا في هذه الزيارة، فقد حمل الزائر الإسرائيلي هدية على شكل حمضيات وزيت الزيتون الفلسطيني لتأكيد هيمنة المستوطن الاستعماري، وقدم له المضيف السوداني بندقية مقلدة أم-16 من إنتاج وحدة التصنيع الحربي السودانية لدعم هيمنة المستعمر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية