يتحدثُ القيادي في «تيار المستقبل» مصطفى علوش بكثير من واقعية سياسية تكتنفها المرارة. الطبيب-الجرّاح ابن طرابلس ينظر إلى مدينته بعين القلق وكذلك إلى بيئته في الشمال. يرى أن السنّة في لبنان هم الطرف الأكثر ضعفاً وهشاشة بين الطوائف اللبنانية كونهم متروكين في ظل انعدام موازين القوى في الإقليم.
يقول علوش إن الهمّ الأساسي لفريقه السياسي في هذه اللحظة هو عدم الدخول في مواجهة مفتوحة قد تُسقط البلد بأكمله، والاستمرار بمحاولة تأليف حكومة تُوقف التدهور تكون أشبه بعملية ضخ الأوكسجين للمريض لإبقائه على قيد الحياة بانتظار الحلول السياسية المرتبطة بالمساعي المحلية والإقليمية، ومن ضمنها مسألة «حزب الله». فترك الأمور سيؤدي إلى تفكك البلد، بشكل تصعب معه عملية إعادة تركيبه من جديد.
يرى نائب الرئيس في التيار الذي يتزعمه سعد الحريري أن المسيحيين، في حال تفكّك البلد، لديهم القدرة على العودة إلى جبل لبنان أو لبنان الصغير، كما أن الشيعة قادرون على فرض مناطق محددة ليتواجدوا فيها، وربما يطالبون بضم جزءٍ من الأراضي السورية التي يحتلونها في حمص والقلمون. لكن المأزق سيكون عند المكوّن السنّي، الذي لا يملك أي أفق، لا على المستوى الاقتصادي ولا الديموغرافي ولا الجغرافي وسيجعله في حالة ضياع. وسيستدرج الفراغ التطرف الأعمى الذي ليس بالضرورة أن يكون على شاكلة «داعش» بل فوضى مفتوحة قد يصبح معها التدخل التركي بتفاهم دولي هو الحل لضبط تلك الفوضى في ظل غياب الخيارات الأخرى.
لا يبدي علوش كثيراً من التفاؤل بشأن نجاح المبادرة التي يقودها عباس إبراهيم لتأليف الحكومة، ذلك أن الرئيس المكلف سعد الحريري ليس في وارد التخلي عن حقيبة الداخلية لمصلحة فريق رئيس الجمهورية، وليس هناك من انطباع بأن رئيس الجمهورية في وارد ولوج أي خيار لا يعطيه في النهاية ضمانة للمستقبل السياسي لصهره جبران باسيل. وهنا نص الحوار:
○ كيف قرأتم تحركات الشارع الأخيرة، وهل كان هدفها سياسياً الضغط على العهد؟
• ليس بالإمكان عزل أي حراك عن السياسة، وبالتأكيد هو يشكل ضغطاً على العهد، لكن الإشكال الكبير أن العهد يتصرّف كما تصرّف (رئيس رومانيا) نيكولاي تشاوشيسكو في آخر أيامه. هو يعتقد أن الناس التي تنزل إلى الشوارع إنما تفعل ذلك تأييداً له أو لأنهم مجموعة من الشذاذ. ولكن الشيء الوحيد الذي يحرّك الناس هو واقع اليأس من المستقبل، والانهيار الكامل للدولة، وإذا كان هناك حضور لبعض القوى السياسية، وهو إما لتستلحق نفسها أو لكي تضغط في هذا الاتجاه.
ليس من انطباع بأن رئيس الجمهورية في وارد الذهاب إلى تسوية لولادة الحكومة قبل ضمان المستقبل السياسي لجبران باسيل
○ كل منطقة لها أهدافها السياسية، شهدنا في الساحات المسيحية ارتفاعاً في منسوب الخطاب السياسي المباشر ضد «حزب الله» ولم يقتصر على العهد فقط، كيف تقرأ عناصر المشهد وفق توزع الساحات؟
• لنعد إلى النقطة الأساسية، وهي أن تراكم الأمور بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي والمالي فتح أبواب المواجهة على مصراعيها. ولو نجح رئيس الجمهورية في تحقيق أي إنجاز يُطمئن الناس على مستقبلها لما كان أحد يمكنه التجرّؤ عليه، ولربما أصبح في مصاف القديسين، كما كان يحلم بعض مناصري «التيار الوطني الحر». لكن بعد تجاهل دور «حزب الله» في وصول الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي والسياسي والأمني إلى هذا الدرك، ومحاولة التغاضي عن هذا الدور وتحييده خوفاً منه ومن الشَّارع الشيعي، وصل الأمر إلى نقطة اللاعودة. وهذا دفع إلى تسمية الأمور بأسمائها، سواء من الناحية السياسية أو من ناحية الكنيسة، ما أدى إلى مواجهة حقيقية بدأت من الكنيسة وشجعت الشَّارع، أي عملياً أخذت بعداً أبعد من البعد المطلبي. وغلاف بكركي، بما لها من رمزية، مُريح لكل الأحزاب، بحيث لا يعود سهلاً التصويب على حزب بعينه سواء حزب «الكتائب» أو حزب «القوات» أو أي حزب آخر.
أما بالنسبة إلى «الشوارع» الأخرى، فليست صحيحة محاولة الإيحاء بأن «تيار المستقبل» قادر على تحريك أعداد كبيرة من الناس ولديه مخطط موجه في هذا الاتجاه. فأنا لا أملك أي معطى يؤكد هذا الشيء. أنا نائب رئيس التيار، ويُفترض أن يكون لدي علم بهذا الموضوع. ما هو صحيح أن هناك أفراداً من «تيار المستقبل» يشاركون، وأنا أؤكد ذلك، لأنهم عملياً مثلهم مثل أي مواطن آخر ويشعرون بالخوف والإحساس بأن المستقبل أصبح في عالم الغيب
هناك دور روسي محدود في لبنان وتركيزهم على تثبيت أوضاعهم في سوريا
○ في الـ2005 وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كان هناك عُنوان واضح تبنته «14 آذار» وهو خروج سوريا من لبنان. اليوم أمام هيمنة إيرانية تطبق على البلاد، لا نشهد تحركاً بالمستوى ذاته. ففيما ترفع الكنيسة المارونية شعار تحييد لبنان في وجه الهيمنة، لا نرى ملاقاة فعلية من قيادة الشارع السني الأبرز، بمعنى أن هناك خفتان للصوت في التأييد؟
• الكلام النظري سهل، لكن الوضع على الأرض مغاير تماماً، لأن الاحتقان السني-الشيعي على الخلفية السياسية المرتبطة بـ»حزب الله» والخلفية المذهبية، لارتباطهما ببعضهما، وصل إلى حد أن أي تخطٍ لخطوط معينة من قبل القيادات السياسية معناه الذهاب إلى الصدام المفتوح. المكوّن المسيحي في البلد لديه الترف أو القدرة على أن يستند إلى دعم دولي وإلى دعم أممي في بعض الأحيان لحمايته من ردّات الفعل في هذا الخصوص، أما الإشكالية في الشَّارع السني فهي أنه مُشرذم ومُخترق، و»حزب الله» موجود داخله، وفي الوقت ذاته، يشعر السنّة منذ سنوات عديدة، بأن لا مُعين لهم. حين اعتقدت القيادة السنية في العام الـ2008 أنه بإمكانها أن تقوم بمواجهة شبه عسكرية، وقررت القيام بذلك في لحظة من اللحظات، كانت ضعيفة. وفي الوقت نفسه، تنصلت القوى التي كانت تساعدها حينها من الموضوع، وذهبت إلى اتفاق مع سوريا. ومنذ الـ2009 يمكن القول إن الشَّارع السني على المستويين السياسي والمالي، وعلى مستوى الدعم العسكري أصبح معرّى. التجربة السورية بتخلّي الجميع عن السوريين السنّة بشكل أساسي جعل احتمال الدخول بمغامرة أمراً شديد الخطورة، وقد يؤدي إلى هزيمة والى مآسٍ كبرى. هذه الأمور أيضاً تؤخذ في الحسبان.
○ هل المطلوب بالضرورة أن تكون المواجهة عسكرية؟ ألا نستطيع العمل على مواجهة سياسية وصمود سياسي أم أن هذا مستحيل وسط الشعور بأن السنّة متروكون إقليمياً ودولياً؟
• أولاً، دعيني أذكرك أن المواجهة بين 2005 والـ2009 لم تكن سلمية ولا حتى بعدها. إلا إذا أردنا تصوّر أن وجود نواب لفترة 7 أشهر في الفنادق خوفاً من الاغتيالات هو مواجهة سلمية وبالكلمة!
وثانياً، نعم هناك إحساس لدى القيادة السنية بشكل عام، بأن سنّة لبنان متروكون، ومصيرهم قد يكون مشابهاً لمصير سنّة سوريا في حال لجأوا إلى المواجهة في الوقت الراهن. أما إذا سألتِ: هل هذا مؤكد؟ فأقول إنه قد يكون مجرد وهم، أو محاولة للاختباء خلف هذا الاحتمال.
قد يكون الأمر هكذا، لكن في النهاية تاريخ المواجهة، منذ العام 2005 لغاية 2008 و2009 أثبت أنه حتى المواجهة السياسية صعبة، فباستطاعة الطرف الآخر (الشيعي) تجاوزنا بمجرد نزوله إلى الشَّارع وبطلقة واحدة أو بعراضة مسلحة في مناطق نفوذنا، وفي الوقت ذاته عندما حدثت التسويات لم تؤخذ هذه القضية بعين الاعتبار.
وعندما قامت السعودية بتسوية مع سوريا في العام 2009 لم تسأل عن مصير سنّة لبنان في ذلك الوقت. وأيضاً عندما كان سنّة سوريا يُقتلون بالغازات السامة أو البراميل المتفجرة وما رافق ذلك من اعتقالات وعمليات ذبح، لم نرَ أي طائرة تُدافع عنهم. وجدنا أن نصف مليون سوري قتلوا و14 مليوناً تهجّروا. هذا الأمر يعطي الانطباع بأن السنّة متروكون ومُهملون، وأن العالم كله يتآمر عليهم. إذا نزلتِ إلى الشَّارع قد تجدين البعض يقول إن قيادتنا جبانة وإنها لم تفعل شيئاً، لكن في النهاية إذا سألتِ أي شخص: هل أنت مستعد للمواجهة؟ يكون جوابه: لا.
○ هناك اليوم مشهد بكركي والمشهد المقابل له، حيث يعتبر «حزب الله» أن تحرّك البطريركية يستهدفه. هل يمكن أن يصل تحرك بكركي إلى نتيجة مع غياب احتضان داخلي وخارجي قويين؟
• الأمور لم تصل إلى مرحلة النضوج بشكل كاف حتى نرى إن كانت هناك خيارات يمكن طرح هذا الحراك من خلالها. على الأقل على المستوى السنّي كان هناك أكثر من تفهم لموقف بكركي، وصل إلى حد الدعم بمواضيع متعددة وعلى الأخص بموضوع الحياد. وأيضاً بمسألة التدويل، صحيح أن هناك نوعاً من الحذر بطرح التدويل بشكل مفتوح، ولكن أيضاً كان هناك تفهم للنقاش والذهاب لطرح العناوين. نحن في «تيار المستقبل» قناعتنا أن قضية لبنان مدوّلة وليست بحاجة إلى مزيد من التدويل، لأنه عندنا جيش محتل اسمه «حزب الله» وهو فعلياً جيش إيراني. كما نسعى إلى تدخل دولي لمد اليد للمساعدة بقضايا متعلقة بالاقتصاد والمال. وعلى الأرجح، في مرحلة الفشل الكلي للدولة وتفكك القوى الأمنية، بحيث يصبح لبنان خطراً على الأمن الإقليمي، سنرى عندها الأمم المتحدة مضطرة للتدخل.
في هذه اللحظة الهمّ الموجود لدينا كفريق سياسي أولاً هو ألا ندخل بمواجهة مفتوحة، لسبب أساسي، وهو أن هناك أملاً ليس فقط عند سعد الحريري، ولكن عند القيادات المحافظة كرؤساء الحكومات السابقين، وعند القيادة الدينية السنية، بالسعي لإنشاء حكومة قادرة على وقف التدهور، ومن ثمَّ الدخول في البحث بمصير لبنان. هذا الأمر قد يكون أكثر جدوى من أن نفتح المواجهة الآن فيسقط البلد بأكمله.
الطرف الأكثر ضعفاً وهشاشة بين الطوائف اللبنانية هو الطرف السنّي، نتيجة للأسباب العديدة التي تكلمنا عنها، ولفقدان القيادة الموحدة والتنظيم الكافي، وأيضاً لفقدان الدعم المباشر لهذا المكوّن، في حين أن الشيعة لديهم التنظيم والإدارة والمؤسسات والدعم الذي رغم تناقصه يبقى موجوداً. أما بالنسبة إلى المسيحيين فقدراتهم المادية تعادل بالتأكيد عدة أضعاف القدرات الموجودة عند السنّة. هذا هو الهاجس الأساسي، وأظن لم يأتِ أحد من القوى الإقليمية والدولية التي يهمها الواقع اللبناني والسنّة في لبنان ليقول لنا إنه مستعد لمد يد المساعدة.
○ الدولة تتحلل، فهل سيسرّع الانهيار المريع لمؤسساتها بتشكيل حكومة تعتبرونها مفتاحاً للحل، وهل فعلا أنتم مقتنعون أنها ستكون مدخلاً للإنقاذ؟
• لا شك في أن كل يوم يمر على هذا المنوال تكون الخسارة أكبر، ومعه قدرتنا على العلاج تتضاءل. الخيار الآخر هو أن نرفع منذ الآن أيدينا ونترك المريض يموت حتى نعرف ماذا سيحدث، لكن في النهاية نكون خسرنا المريض.
القوى الأمنية والقوى المسلحة هي الوحيدة التي تتميز ببعض الترابط من بين المؤسسات القائمة في البلد، لكن تحذير قائد الجيش منذ أيام يؤكد أن الأمور ذاهبة باتجاه التغيير، وهناك مؤشرات على أن هذا الوضع قد لا يستمر، لأن العنصر الأمني إذا اضطر لدفع نصف راتبه للوصول إلى مركز عمله يصبح من الأجدى له أن يزرع حديقة منزله ليعتاش منها.
برأيي أن هذا هو المؤشر الأسوأ، ومعه يُصبح البلد في حالة «الطبيعة» أي خال من أي سلطة، ومن أي رادع. عندها يتفلت الأمن في الشَّارع، وتصبح لكل طرف دولته الخاصة. هذا ما أراه منذ سنة ونصف السنة، والآن يتجلى بصورة أوضح، وأعتقد أننا اقتربنا من هذه النقطة.
لهذا فإن محاولة السعي لتأليف حكومة باعتماد المبادرة الفرنسية، وبالتالي التوجّه إلى صندوق النقد الدولي أشبه بعملية ضخ لبعض الأوكسجين بانتظار الحلول السياسية المرتبطة بالمساعي المحلية والإقليمية، ومن ضمنها مسألة «حزب الله». فالتفاهم أو عدم التفاهم الأمريكي الإيراني قد يأخذ بضعة أشهر، وفي هذه الفترة يكون المريض قد توفي، وبات شعبنا يعاني من تفكك الدولة، وبالتالي غياب الأمن والمزيد من الضحايا، لذا توجهنا هو الاستمرار بالمحاولة حتى ولو كان الاحتمال ضئيلاً بدلاً من الاستسلام في ظل غياب الخيارات الأخرى، والفراغ سيستدرج الكثير من الأمور، ومن ضمنها التطرف إلى أقصى الدرجات، وليس بالضرورة أن يكون منظماً على صورة تنظيم «داعش» إنما تطرف أعمى من دون أي إدارة. وربما القوى الإقليمية تسعى لذلك، فتركيا مثلاً تنتظر على الأبواب، وهناك مؤشرات على أنها تحاول إيجاد موطئ قدم لها. والأكيد أن الفراغ يستدرج تدخلات من هذا النوع.
○ نحن أمام قراءات متناقضة، بعضها يعتبر أن المشكلة داخلية نتيجة شروط عون التعجيزية، والبعض الآخر يعيدها إلى أن الرئيس المكلف يرفع سقف شروطه لأنه لم ينل دعماً سعودياً، وهناك من يعتبر أن «حزب الله» لا يريد حكومة حالياً ليمارس مزيداً من الضغوط، ورابع يقول إن الحزب يريد حكومة إدارة أزمة ومساكنة جديدة؟
• لنفترض أن كل هذه الاحتمالات منطقية، لكن دعينا نبدأ من الاحتمال المرتبط بتأليف الحكومة. سعد الحريري عندما طرح حكومة مستقلين كان طرحه قبيل استقالته منذ سنة وأربعة أشهر، وأكد بعد استقالته أن أي حكومة يجب أن تكون على هذا الشكل. فلو كان الكلام بأنه ينتظر رضا إقليمياً، مع أنه يسعى إليه، لما كان قَبل بالتكليف. أنا أتكلم عن الرضا الذي يُترجم دعماً مالياً.
○ لكن ماذا تنفع حكومة إدارة أزمة من دون دعم فعلي؟ الحديث أن هناك ضغطاً على سعد الحريري لتمرير المرحلة من دون حلول فعلية، بغطاء مصري-إماراتي بموافقة صامتة من المملكة، وبقليل من الدعم المالي القطري – الكويتي، وبغياب الإصلاحات الجذرية التي يطلبها صندوق النقد وإعادة سلطة الدولة؟
• هذا الكلام منطقي وأنا أتفهمه، ولكن ما هو البديل؟ هل هذا البديل هو ألا أنجز شيئاً؟ هل أتوقف لأنه لا يوجد رضا إقليمي كامل؟ إذا كان هناك رضا جزئي ومحاولة للتفاهم مع صندوق النقد وأيضاً محاولة إصلاح مسألة الكهرباء، فلماذا لا يكون هناك تقدم على الأقل؟ أعود وأكرر أنه يجب ضخ بعض الأوكسجين قبل إعلان وفاة المريض، على أمل أن يتأمن علاج له خلال أشهر أو سنة أو سنتين. أما ترك الأمور من دون أي علاج فمن المؤكد أنه سيؤدي إلى تفكك البلد، بشكل تصعب معه عملية إعادة تركيبه من جديد، وبالتالي سنعود إلى بلد مقسم، ولا حل آخر.
السنّة سيكونون في حالة ضياع، وأنا شرحت لكِ الأسباب. المسيحيون لديهم القدرة على العودة إلى جبل لبنان أو لبنان الصغير، والشيعة قادرون على فرض مناطق محددة حتى يتواجدوا فيها وربما بالتفاهم مع المجتمع الدولي، وخاصة إذا أبدوا رغبتهم بعدم خوض الحرب مع إسرائيل، وهم ربما يطالبون بمناطق تتضمن مناطق سورية، أي المناطق التي احتلها «حزب الله» خلال السنوات الخمس الأخيرة، مثل القصير والقلمون ومنطقة أعالي عرسال الجردية، أي نحو 4 أو 5 آلاف كيلومتر مربع إضافية للمنطقة الشيعية، أما المشكلة فهي عند المكوّن السنّي، الذي لا يملك أي أفق، لا على المستوى الاقتصادي ولا المستوى الديموغرافي ولا الجغرافي، فالذي يريد أن يعطينا النصائح والدروس علينا أن نسأله عن الخيارات الأخرى؟
نحن نتفهم أنه لا توجد حلول جذرية في البلد من دون حل لمشكلة السلاح، وهذا أمر لا خلاف عليه، ولا يمكن لأحد أن يفكر باستقرار دولة في ظل وجود حزب عميل لدولة أخرى، وقادر على خوض حرب وقتما يريد، ولديه أيضاً توجه طائفي ومذهبي… كل هذا نفهمه لكن ما هو الخيار الآخر؟ لا أحد يجيب!
○ هذا المنطق ذاته هو الذي سُوّق عام 2015 مع التسوية الرئاسية، فإذا بالبلد يغرق. نمد المريض بالأوكسجين ولكن في النهاية هو ذاهب حتماً إلى الموت، وكأننا نقول إن الانقضاض على لبنان حاصل وهو مسألة وقت وليس أكثر؟
• أنا طبيب وأفهم معنى التمسك بحياة المريض حتى ولو كانت وفاته محتملة بعد سنة، فربما خلال هذه الفترة نجد علاجاً سحرياً. هذا الكلام الذي يُحكى هو خارج المنطق، ولو أعطي أي اقتراح فيه حل حقيقي وجدي وناجح لذهبنا إليه، لكن ما نسمعه لغاية الآن هو: «اضرب رأسك بالحائط أو انتحر». يمكن أن آخذ خياري بالانتحار بقرار فردي، ولكن عندما أكون مسؤولاً عن مجموعة من الناس لا يحق لي أخذ هذا الخيار بالنيابة عنهم.
○ مبادرة اللواء عباس إبراهيم لتأليف الحكومة تقوم على تخلي رئيس الجمهورية عن الثلث المعطل مقابل حقيبة الداخلية. دعنا نعتبر أن سعد الحريري قرر أن يتجرّع الكأس مرة ثانية ويتخلى (مقاطعاً)
• الحريري لن يتخلى عن الداخلية لمصلحة طرف سياسي آخر. أقصى ما يمكن أن يصله الحريري هو أن يختار شخصية مستقلة لهذا الموقع، خصوصاً أن هناك انتخابات مقبلة ستديرها هذه الوزارة بأجهزتها. في الأساس، المبادرة ما زالت مبادرة ضائعة، لأنه لغاية الآن لم نسمع شيئاً من رئيس الجمهورية يُفيد بأنه يقبل ولوج أي خيار لا يعطيه في النهاية ضمانة للمستقبل السياسي لجبران باسيل.
○ هناك قراءة أن «حزب الله» يريد حكومة إنما «مضبوطة» يقابلها قراءة أخرى أنه لا يريد حكومة، أقله في المدى المنظور، ما رأيك؟
• »حزب الله» لا يمانع تشكيل حكومة «مضبوطة» ولكن إذا لم تكن لديه القدرة على ضبطها أو السيطرة عليها، فهو يفضل ألا تكون هناك حكومة بتاتاً.
○ هل رئيس الجمهورية صاحب قراره؟
• الكل يذكر أنه في أعوام 1988 و89 و90 كان حالة قائمة، وعلى اقتناع بأنه قادر على تخطي كل القوى التي كانت تقف ضده في ذاك الوقت، الأمريكيون والروس وإسرائيل وسوريا والسعودية والعالم كله، مما أدى إلى الدمار الذاتي وتدمير المنطقة الشرقية. لقد حصل الآن على أقصى ما يمكن أن يحصل عليه، ولكن هدفه الوحيد يتمثل بضمان مستقبل صهره حتى ولو كلّف ذلك دمار البلد.
قد نجد بارقة أمل من أوروبا لحل الأزمة خشية حصول موجات جديدة من المهاجرين
○ إلى أي مدى يمكن أن يكون للدخول الروسي على خط الأزمة اللبنانية ثقل؟ هل سنشهد دوراً روسياً في لبنان؟
• هناك دور روسي في لبنان لكنه محدود. الروس لا يخطون خطوات واسعة. استراتيجيتهم تقوم على القضم أو «المحدلة» بمعنى أنهم يمشون من دون أن يتركوا آثاراً خلفهم يمكن للعدو أن ينقضَّ عليها. لغاية الآن هم يريدون تركيز أمورهم في سوريا، مشكلتهم في سوريا ليست مرتبطة بأمريكا، بل بإيران، وكيف يطوقون الوجود الإيراني في سوريا حتى يركزوا أوضاعهم، لكن بدون شك هم أيضاً يعتبرون أن الوضع السوري مرتبط إلى حد ما بلبنان. الكلام الذي قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يُشر إلى أنه متدخل في لبنان أو أنه سيرسل قواته إلى مرفأ طرابلس مثلاً. الدور الآن هو للذي يستطيع التمويل بالمال أو بالسلاح أو أن يقوم بعملية عسكرية. فلا هذا ولا ذاك يبدوان في الأفق.
○ لنفترض أن الحكومة تشكلت، هل أنتم واثقون من أنها ستستطيع ضخ الأوكسجين لبقاء المريض على قيد الحياة؟
• نحن بانتظار الشكل الذي ستكون عليه الحكومة، فأنا غير مطمئن بالمطلق لغاية الآن، لكن من خلال الحراك الذي قام به الحريري على مدى الأشهر الماضية وتجواله على الدول المؤثرة واستمرار المبادرة الفرنسية التي تحوّلت إلى مبادرة أوروبية، قد نجد بارقة أمل، ليس حفاظاً على لبنان و»أسطورة» التعايش الإسلامي – المسيحي، لكن خشية أن تكون هناك موجات جديدة من المهاجرين عبر البحر إلى سواحل إيطاليا واليونان ومن ثمَّ إلى ألمانيا. هذه هي المسألة التي تشغل الحكومات الأوروبية.
○ لكن موضوع اللاجئين لا يُشكّل هاجساً لدى الأمريكيين؟
• الأمريكيون بعيدون عن هذا الموضوع. أيام إدارة دونالد ترامب لم يكونوا مهتمين. ترامب كان يقول للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن لبنان هو مشكلتك الخاصة، أنا لا علاقة لي بها، لكن الآن الرئيس جو بايدن يحاول التفاهم مع الأوروبيين ويعود إلى التحالف التاريخي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بين أمريكا وأوروبا على المسائل العامة بعدما كان سَلَـفَه يعتبر أوروبا عدواً له. ترامب تعامل مع أوروبا كما لو كانت الصين، ومثلها مثل أي منافس تجاري، بل أكثر من ذلك، بدأ بمد خيوطه السرية والعلنية مع روسيا التي تمثل خطراً على أوروبا.
هذه الأمور تدفعني للقول إن هذا الاحتمال قائم، لكن إن لم يقترن هذا الشيء خلال الأشهر المقبلة من عمر الحكومة بحلول سياسية تضمن الاستقرار للبلد وتضمن عودة الاستثمارات بشكل من الأشكال يصبح هذا كله مؤقتاً، وعندها أقول إنني ضخخت الأوكسجين لكن المريض فارق الحياة. وسيحدث تفكّك لكل ما يمتّ للسلطة والدولة بصلة.
هناك محاولة لاستدراج الأتراك عبر بعض القوى والمجموعات للتدخل
○ قلت في سياق الحديث أن الأتراك «ناطرين على الباب». هناك محاولة دائمة لتوجيه الأنظار إلى طرابلس مسقط رأسك، وإلى الشمال عموماً على أنه بيئة حاضنة للتطرف والإرهاب، ما هو المقصود سياسياً حين يُقال إن تركيا ممكن أن تدخل على الخط؟
• قد تكون تركيا غير مستعدة حالياً للدخول على الخط، لكن إذا وصلت الأمور إلى حد الفوضى المفتوحة يمكن أن تكون تركيا هي الحل الوحيد في ظل غياب الخيارات الأخرى.
○ برأيك لدى الأتراك القدرة ولم يفعلوا أم أنها ليست وجهة البيئة السنية في لبنان؟
• إذا قمت بزيارة استطلاعية في البيئة السنية في الشمال، ستجدين على الأقل أن 50 في المئة يبدون إعجابهم (بالرئيس التركي) رجب طيب اردوغان. لنكن واضحين، هناك استعداد من الناحية الاجتماعية لهذا الموضوع، ويمكن هناك محاولة لاستدراج الأتراك عبر بعض القوى والمجموعات للتدخل، لكن تركيا ليست دولة كبرى، هي دولة إقليمية وليست دولة كبرى، وهي غير قادرة على التدخل والذهاب إلى مناطق أخرى من دون تأمين الطريق البحرية والجو على الأقل، لهذا عندما تحدث فوضى عارمة داخل البلد يمكن من خلال تفاهم دولي أن يُسمح لها بالتواجد، كونهم سنّة مثل البيئة الموجودة، أقله لحفظ الأمن، وهذا الأمر عرضته تركيا على المجتمع الدولي وبالأخص على مجلس الأمن عندما أصبحت «داعش» أمراً واقعاً في سوريا والعراق. ما أقوله إنه في ظل تفاهم ورضا دوليين يصبح الأمر ممكناً، خاصة إذا كانت البيئة تقبل بذلك. السؤال الأساسي خلال اجتماعاتنا في «تيار المستقبل» يدور حول: ماذا سيحل بالمناطق السنية في حال عمّت الفوضى؟ على من نُرسمل ومَن يستطيع دعمنا؟ فلو افترضنا أننا أنشأنا قوة ذاتية سنبقى بحاجة إلى دعم مادي، لأن الأفق الاقتصادي للسنّة معدوم.