إثر الثورات التي عمت الكثير من الأقطار العربية، برز الإسلاميون في واجهة الأحداث كقوة قادرة على مسايرة تحرك الشارع والمساهمة فيه بالمشاركة الفعلية، مستفيدين من تاريخهم الطويل في العمل السياسي والصراع مع الحكومات، وما ترتب عن هذا الصراع من نضج على مستوى الأفكار والممارسات، ودقة في التنظيم والتأطير. نضج جعلهم أكثر قدرة على صياغة خطاب واقعي لا يتوقف كثيرا عند ما هو أيديولوجي، ولا يغرق نفسه في المرويات التاريخية. فالإسلاميون في مختلف الدول العربية قاموا بمراجعات فكرية قطعت إلى حد كبير مع نظرتهم السابقة للمجتمع العربي، والتي كانت تنبني في المجمل على ثنائية الحلال والحرام الصارمة، التي قادت إلى تشدد غير محمود، دون مراعاة ماهيتها التي تنبع من الفكرة الإسلامية بشكل عام، بمقاصدها وكلياتها الشاملة، ولا ما بين الحلال والحرام من أمور متشابهة وقضايا متشابكة الأساسُ فيها التدافع بين الأفكار لإبداع حلول تراعي روح العصر وحركية التاريخ. الإسلاميون اليوم، بانخراطهم في العمل السياسي وقبولهم تداول السلطة بشكل ديمقراطي، يؤكدون اعترافهم بالآخر وإيمانهم بالعودة للشعب ليكون فيصلا بين مختلف الفرقاء، محاولين بذلك تبديد الشكوك التي أحاطت بهم من كل جانب، المتعلقة بالخوف من قيادتهم بلدانهم نحو ديكتاتورية أخرى، تحكم باسم الدين. وهو تخوف يجد مشروعيته في كتابات مفكرين إسلاميين نادوا صراحة بثيوقراطية إسلامية، كما فعل أبو الأعلى المودودي في كتابه ‘نظرية الإسلام السياسية’ على سبيل المثال. فهم صاروا أكثر إدراكا لأهمية الاختلاف الذي هو من ثوابت نظام الخلق، وقانون يعيش في دائرته جميع المخلوقات في هذا الكون المتسع. ثم إن الانتفاضات العربية نفسها، التي كانوا ومازالوا جزء منها، جاءت للدفاع عن حق البشر في الاختلاف في الأفكار والتصورات والمعتقدات والعادات والتقاليد، ضدا عن كل السنين الطويلة التي أشربوا خلالها فكرا واحدا وثقافة واحدة ومعتقدات واحدة تحت قيادة متفردنة في قراراتها ومستبدة بالرأي.
نجاح النموذج التركي، ممثلا في حزب ‘العدالة والتنمية’، في التوفيق بين الإسلام والديمقراطية ودولة القانون، دون الدخول في تفاصيل الحياة اليومية للناس أو في صدام مع العالم الغربي، قدم نموذجا لإسلام سياسي منفتح على الآخر. نموذج يستحضره الكثيرون في الداخل والخارج وهم يشهدون اكتساح الإسلاميين للانتخابات البرلمانية في تونس والمغرب ومصر، ودورهم البارز في ليبيا الثورة، لتخف حدة الهواجس وتتوالى تصريحات خصوم سياسيين للإسلاميين من أحزاب متعددة، معترفة بنتائج الانتخابات، ومثمنة الدور الذي يمكن، بل من المفروض، أن يلعبه الإسلاميون مع غيرهم لإنقاذ الحياة السياسية من رتابتها، في إطار لعبة ديمقراطية تسع الجميع بأفكارهم المتقاربة أو المتباينة. والتحالفات التي دخلت فيها تلك الأحزاب مع الإسلاميين في كل من تونس والمغرب من أجل تشكيل حكومتي البلدين المغاربيين لخير دليل على النفس التشاركي الذي صار يعم الجانبين.
العديد من القادة الغربيين لم يتوانوا هم أيضا في إطلاق سلسلة من التصريحات يؤكدون فيها أن لا خوف من صعود الإسلاميين في الدول العربية، وأنهم مستعدون للتعامل معهم، معتبرين العلاقة بـ’الإسلاميين المعتدلين’، كما يحبون وصفهم، ستضمن لهم لجم ‘الإسلاميين غير المعتدلين’ كمتطرفي السلفية والقاعدة وما يتمخض عنهما من ‘إرهاب’. إذ ما يهم العالم الغربي بالدرجة الأولى هو مصالحه الحيوية بالمنطقة العربية، الغنية بالثروات، المشتعلة بالثورات. ويذكر أن تقاطع المصالح بين الغرب والإسلاميين ليس بجديد، إذ سبق وتعاونا أثناء الحرب الباردة حين قام المعسكر الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم الحركات الإسلامية للوقوف في وجه المد الشيوعي. غير أن نقاط الاشتباك توسعت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وغزو العراق للكويت، وما ترتب عنه من حصار على الأخير واحتلال له ثم لأفغانستان. أضف إلى ذلك دعم الغرب للأنظمة العربية الفاسدة في مواجهة شعوبها، ورفضه الاعتراف بالخصوصية الإسلامية، بمحاولته فرض قيمه الغربية على العالم العربي والإسلامي.
هي لعبة المصالح وفن الممكن إذن، فهل يستطيع الإسلاميون، بعد تسلمهم السلطة، إجادة اللعب على حبل التوازنات المحلية والإقليمية والدولية، وتقديم نموذج عربي خالص للتعايش بين الأفكار في جو ديمقراطي يحترم الاختلاف وينتشل الأوطان من الفقر والبطالة والأمية، بحلول يتشارك في إبداعها الجميع، كل في مجال اختصاصه دون فرز أيديولوجي أو إقصاء؟
يوسف شكري – المملكة المغربية