«ترمسعيا» تتحدى الموت

حجم الخط
0

في فلسطين المحتلّة أصبح كل شيء جائزاً ومحتملاً، كما أصبح القتل والدمار متوقّعاً وموعوداً من إسرائيل. فاعتذار تل أبيب عن جرائمها المتكرّرة لا ينفع في شيء، بل تزداد سلطة الاحتلال ضراوة وبشاعة، وإرادة المجتمع الدولي لا تتوحّد في فلسطين إلا لتلد تأييداً للقتلة أو صمتاً مطبقاً، أو دعوة خجولة لضبط النفس حتى ولو تكلّلت بكتم الأنفاس أو التهديد الصريح باتخاذ حق النقض (الفيتو) ضد أي محاولة فلسطينية لطرح مشروع على الأمم المتحدة.
إسرائيل قتلت الأبرياء، ولو كانوا في حالة فرار، واختطفت المواطنين العزّل جهاراً نهاراً، وعذّبت الأسرى والمعتقلين، واستخدمت مختلف الأسلحة المتطورة، وتفنّنت في استهداف المنشآت بأشكالها وألوانها، وانتهكت الإنسانية ومزّقت الطفولة وهدمت منازل على ساكنيها، وحولت مباني إلى أنقاض وبعضها تابع إلى مؤسسات إغاثة دولية.
لقد فعلت وتفعل كل ذلك لأنها تعلم جيداً أن من أمِن العقاب أساء الأدب.
أضافت إسرائيل سطراً جديداً في موسوعتها الإجرامية، يوم قمعت فعالية فلسطينية سلميّة، كانت تسعى لزراعة أشجار الزيتون في ترمسعيا المهدّدة بالمصادرة، تلك القرية الجاثمة بين رام الله ونابلس. وأسفر ذلك عن أستشهاد الوزير الفلسطيني زياد أبو عين، بعد ضربة على صدره بأعقاب البنادق الغادرة، واستنشاقه كمّاً مؤثراً من الغازات الحقودة.
وقد يكون رحيل الرجل ليس بحدثٍ جديد على شعب ألِفَ الموت وتعوّد الشهادة، وليس بداية مرحلة في قضية جذورها غائرة ومتشعّبة، لم تجد إلا بواعث التوتّر والاحتقان، ولم تفز إلا بمزيد من التعنّت والتصلّب والانسداد السياسي.
لكن لقتل الرجل رسالة إسرائيلية مفادها أن مقاومة جدار الفصل العنصري ومناكفة الاستيطان لن تواجه إلا بأعقاب وفوهات البنادق، وأن شتلات الزيتون ستسحق تحت جرّافات ودبابات الأمر الواقع، وحسابات الانتخابات الإسرائيلية وتفاهمات الفرقاء، أهم مليون مرّة من دماء الفلسطينيين. أما إعلان السلطة الفلسطينية الحداد على روح الشهيد، والدعوة إلى تشريحه، والتأكيد على اتخاذ الإجراءات اللازمة بعد معرفة نتائج التحقيق.
ففي ذلك رسالة فحواها أن حالة التنديد والاستنكار لجرائم الاحتلال هي لسان حال السلطة وعنوانها، وأن جعبتها السياسية خالية وواهية، وساسة القضية ومنظّريها يعيشون حالة الركود في واقعهم ومخيّلتهم. أما رسالة المجتمع الدولي فليست بحاجة إلى ترجمة فلسطينية أو قراءة سياسية فجديدها أن المعلومات عن استخدامٍ مفرطٍ للقوة من قبل قوات الأمن الإسرائيلية تدعو للقلق الشديد وتدعو تل أبيب من جديد إلى ضبط النفس والعود إلى مائدة الحوار.
قـد ينـجح الغـزاة فـي قضـم أرض أو قتـل أبرياء، وقد يتمكنون من تعـكير حـلم وتكـبيل أمل، وقد يحرقون ويسحقون الشـجر، لكنهم نسوا أن الحق باقٍ، وأن فلسطـين لن تموت، وأن ترمسعيا تتحدى الموت ما دام فيها نبع فلسطيني يجري ويجري ولا يتـوقف أبدا.

زيد عيسى العتوم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية