عودوا إلى مقاعدكم.. لقد فشلت الثورة!

حجم الخط
2

عندما أعلنت وسائل الإعلام المرئية أن محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار محمود كامل الرشيدي، والمسماة إعلاميا بمحاكمة القرن، قضت بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية تجاه الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في قضية قتل المتظاهرين، ارتسمت علامات الدهشة على وجوه الجميع، وتساءلوا: عن أي اتهامات كان يحاكم مبارك؟ ثم اتسعت علامات الدهشة أكثر بعد قرار القاضي بسقوط الاتهامات.
هكذا أسدل الستار على مهزلة القرن، وانتهت آخر فصول ثورة يناير/كانون الثاني. وقد وصف العديد من الخبراء والمتضررين ذلك الحدث بأنه المسمار الأخير في نعش «الثورة» التي أطاحت بمبارك.
«ثورة يناير انتهت. لقد قضوا عليها»، هذا ما قاله والد أحد النشطاء الذين قتلوا خلال الثورة لصحيفة «نيويورك تايمز».
دعونا نقول لقد خرج كثير من المصريين لهدفين أساسيين هما: إنهاء حكم مبارك الذي استمر 30 عامًا، ومنع خلافة ابنه جمال. وبالتأكيد، كان لدى محركي الثورة من الشباب الذين دعوا إلى انتفاضة ميدان التحرير وجهة نظر مختلفة جدًا، فقد كانوا يريدون ثورة حقيقية تطيح تمامًا بالنظام السابق. وكان الخطأ الأكبر في ترك ميدان التحرير بعد سقوط مبارك. فنظام مبارك لم يتكون من رجل واحد وعائلته فقط، بل يشمل مجموعة كاملة من مؤسسات الدولة القمعية التي بقيت راسخة في مكانها. وحتى في الأشهر التي تلت الإطاحة بمبارك، احتج بعض النشطاء مرارًا وتكرارًا ضد المجلس العسكري الذي خلفه، ولكن، ومع كل جولة جديدة من التعبئة، وجد النشطاء أعدادهم تتقلص، إذ ركز الإسلاميون على الحملات الانتخابية، في حين أراد الوسطيون توقف كل النشاطات الاحتجاجية فورًا.
وفي الأشهر الأولى بعد الإطاحة بمبارك كان لا يزال لدى هؤلاء النشطاء صرخة واحدة تمكنهم من جذب أعداد كبيرة من الناس إلى ميدان التحرير، وهذه الصرخة هي: «حاكموا مبارك ورفاقه». وعلى الرغم من أن الكثير من المصريين لم يروا فائدة تذكر في محاكمة مبارك، إلا أنهم لم يعترضوا عليها.
وابتداءً من أواخر شهر مارس/ عام 2011، نظم نشطاء الثورة مظاهرات تطالب باعتقال مبارك. وخوفًا من أنه قد يصبح هدفًا لانتفاضة أخرى امتثل الجيش واعتقل مبارك في 13 أبريل/نيسان. وحقيقة أن اتهام مبارك كان سياسيًا ساهمت، بلا شك، في إسقاط التهم الموجهة إليه بتدبير محكم.
ورغم ذلك، وبعد أن بدأت محاكمة مبارك، كان النشطاء قد أصبحوا غير قادرين إلا نادرًا على تعبئة الجماهير. وفي الوقت نفسه، قمع المجلس العسكري على نحو متزايد المظاهرات مستخدمًا القوة الوحشية. وُقتِل العشرات في العام التالي للإطاحة بمبارك، وجرح آلاف آخرون. وعندما حظر النظام الحالي التظاهرات الحاشدة في العام الماضي، أشادت قاعدته الكبيرة من محبي «الاستقرار» بهذه الخطوة.
إن التساؤل الأشد وقعاً وألماً هو: لماذا ثار شباب مصر إنْ لم يكن ثمة من جرم – حسب رأي القضاء – لأركان النظام المصري يحاكمون عليه بعد الثورة؟ ولعل النتيجة الطبيعية لهذه المحاكمة أن يحاكم الثوار على قيامهم بالثورة، لأنها أدّت إلى إسقاط حاكم «بريء»!
لقد أخفقت القيادات الميدانية والحركية في مصر في تحديد معادلة التغيير بأنها فكرة ظاهرة تستند إلى قوة ناصرة، وهي حقيقة تاريخية تشهد لها نماذج بناء الدول عبر التاريخ، حيث ظل قيام الدول على أنقاض سابقاتها مستندا إلى تأمين قوة غالبة تحتضن نشأتها، وتحميها من الارتداد عليها داخليا، أو من القضاء عليها عبر العدوان والغزو والاحتلال.
وبالتالي فشلت تلك القيادات في تطبيق تلك المعادلة السياسية (والتاريخية) ميدانيا، فغابت عن الثورة المحددات الأساسية التي تفضي إلى تغيير جذري يخلع النظام (بأبعاده المعنوية والمادية) من جذوره، وهي محددات تتمثل في:
(1) تفجُّر كفاح سياسي لا يتوقف حتى يتم إسقاط كل رموز النظام وأجهزته وتطهير مؤسسات الدولة من حرّاسه والمنتفعين منه.
(2) وضوحٌ فكريٌّ يؤثر في المجتمع فيتمخض عنه وعي عام حول طبيعة النظام الذي يجب أن يطبق بعد الثورة، وهو نظام لا يمكن أن يقبل بالأسس الفكرية التي نشأ عليها النظام الساقط، ولا أن يشارك رموزه في صياغته أو بلورته.
(3) وجود شخصيات تملك القوة النافذة إلي المجتمع سواء من أهل القوة أو من السياسين المخلصين .
(4) يعقب ذلك محاكمات ثورية لروؤس النظام الساقط وضمان تحويل دفة الدولة نحو فترة ثورية تعيشها الدولة الوليدة.
ولذلك فإن ما حصل في مصر هو نصف ثورة قبلت بتبديل الطرابيش مع الحفاظ على الرؤوس وما تحمل من خَبَث فكري وخُبث سياسي، وزاغت أبصار القائمين عليها بطلاء الجدران بألوان الدهان، فتغافلت عن الشيطان، الذي بقي خلفها يسرح ويمرح.

محمود طرشوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية