ربما تفترض أن رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي عمل أدبي يندرج في إطار الموجة التي صورت معاناة العراق من جراء الغزو الأمريكي. وبالأخص أن الرواية تبدأ بتفجير وتنتهي بتفجير.
لقد عالجت هذا الموضوع أعمالا تحدثت عن دورة الخراب والعنف وإرادة الحياة وتوزعت بين هموم مدنية تعاني من مشكلة الحرب «بلاد سعيدة» لشاكر الأنباري، أو هموم نفسية تخصصت برسم أثر الحرب على أفراد من الجيش والأمن «بغداد مالبورو» لنجم والي.
وطبعا هناك قوس عريض من أعمال وجدت الفرصة مناسبة لإحياء موضوعة لقاء الشرق والغرب وما ترتب عليه من حيرة واغتراب وقلق وغموض ينتهي غالبا بالهجرة والانفصال الحضاري عن فلسفة المكان واستبداله بالمكان الحاضن.
وأرى أن النوع الأخير بعيد كل البعد عن المشكلة السياسية. وهو يذكرني بمشكلة الأم البديلة التي بدأت تقلق من الغرب ونظرته لشكل وبنية الأسرة، بعد دخول الاكتشافات العلمية وإمكانية الإنجاب عن طريق تزاوج خارجي ورحم وسيط surrogate mother.
وربما هذا أيضا هو حال هذه الرواية المشوقة والمتميزة، التي استفادت من بذرة الفكرة الأصلية لرواية ماري شيللي التي تحمل العنوان نفسه «فرانكشتاين» التي تتحدث عن مخلوق مرعب ودميم عاد للحياة بقوة العلم.
إن رواية ماري شيللي قيامية، فهي تتناول مشكلة البعث والنشور وصراع الإيمان والعلم، وهذا ينقلنا في مستوى لاحق إلى الكلام عن صراع إرادة الإنسان مع مشيئة الإله.
وفي الفراغ النفسي، الذي يفصل بين الطرفين، نتمكن من إلقاء نظرة على دور الرعب والغموض في تهديم حساسية الجنس البشري وصعود معنى الخطيئة وما يتفرع عنها من ثواب وعقاب.
لقد وضع أحمد سعداوي نصب عينيه مشكلة إنسانية عامة، هي مشكلة الإنسان الاغترابي. غير المنتمي الذي لا يجد فرصة للتوازن في مجتمع تعصف به الخلافات والأطماع. وينمو في الظلام.
اختارت الرواية خرابات حي البتاويين في بغداد كمسرح للأحداث. وهذا يذكرنا بالأطلال المندرسة والقلاع والطرقات التي يخيم عليها ليل كموج البحر. ليل بلا نهاية. تحجب فيه الغيوم القمر وتترك العالم يعيش في ظلام دامس.
ويبدو أثر انحدار إنسان النهضة من عليائه، كنتاج لتلاقح النخبة الأرستقراطية مع الإقطاع الرأسمالي، إلى إنسان بورجوازي صغير يكدح ليمتلك ولكنه لا يرث، في تصغير المشاهد وهندسة وعمارة الأبنية.
وكما فعلت الرواية مع المكان فعلت الشيء نفسه مع بطل الرواية، الغائب عن مسرح الأحداث، ولكن الذي تجد أثره في كل خطوة. فقد عملت ماري شيللي على إعادة ميت للحياة. أما أحمد سعداوي فقد جمع أشلاء أموات لتكوين الصورة النهائية لبطل روايته الشرير، وهي أشلاء بلا معرّف. مجهولة المصدر. حصل عليها من أطراف وجوارح ضحايا التفجيرات. ولذلك اشتركت في تحديد طباع هذا الميت المتحرك عدة خصال متناقضة.. الخير والشر، وعدة أعراق ومذاهب وطوائف «ص 161». وكأنه مخلوق يرمز لأطياف المجتمع.
ويبدو أن هذه هي رسالة الرواية ذاتها. فقد ورد فيها بالحرف الواحد أنه: «المواطن الأول – ص 161». بمعنى أنه خلاصة جوهر المواطنة.. إنه إنسان رمز كما هو عند ماري شيللي تماما. ولكن رموز السعداوي اجتماعية وليس لها منابع ذات أو غرائز.
إن رواية «فرانكشتاين في بغداد»، في حقيقة الأمر، لا علاقة لها بأدب الحرب على العراق. والمشكلة التي تتناولها إنسانية وعامة، إنها رواية ذات هم كوني، وتدخل في دائرة أدبيات النمط.
وبالمقارنة أرى أنها تتكلم عن إنسان عام من خارج المكان الحاضن وهو بغداد.
وفي الرواية لا توجد ولو إشارة واحدة لخصوصية المدينة أو خصوصية الحرب المدمرة التي اندلعت عام 2003.. وهي مثل سابقتها «بغداد مالبورو» لنجم والي تتكلم عن نماذج لتدلي برأيها عن مصائر وأقدار.
فنجم والي رسم بالتفصيل خلجات نفس معذبة لعسكريين أحدهما أمريكي والآخر عراقي وكلاهما وجد نفسه في الفجوة.. في الفراغ المعطّل الذي هو رمز لوجود يفتقد لمعناه.
وكان المحرك الذي يدفع الأحداث للأمام هو الخوف من الموت والرهبة من المجهول الغامض الذي يأتي بعد الحياة.
وهذا هو شأن فرانكشتاين في رواية أحمد سعداوي. وضعنا أمام مشكلة الموت والتغلب عليه، وأمام موضوعة الانتقام.. هل هي عقاب أم أنها ترجمة لنرجسيات المرء، وهل يصح إيقاع العقوبة بطرق وأساليب شخصية من خارج النظام الوضعي.. بمعنى هل يمكن تحقيق العدالة الإلهية من خارج المجتمع؟
وتعترف الرواية علنا بأن أحد أهم أهداف شخصية بطلها هو: إنجاز العدالة على الأرض، من دون انتظار عدالة تأتي من السماء لاحقا «ص 157».
ويدافع هذا السفاح عن نفسه بقوله: إنه ليس مجرما ولكن يسعى للاقتصاص من جزارين بلا ضمير «ص 157».
وعليه لم تكن هناك، في الرواية، إيديولوجات ولا معسكرات متنازعة، أقله لم تكن للخطوط التي تعمل على تكوين الاتجاه والاتجاه المضاد انتماء واضح المعالم.
لقد دخلت الرواية في تفاصيل عن ألم الخسارة والمعاناة التي تلحق بالإنسان بمطلق المعنى من جراء الظلم والأنانية وما ترتب على ذلك من مشاكل كالسيطرة والتملك، من دون رسم لخطوط عزل.
فالشرق يتحد تماما مع الغرب في تشكيل معسكر واحد لردع الخراب والفوضى. والأعراق والمذاهب يلتئم شملها في شخصية مركبة واحدة ليس لها اسم. اتفقوا على تعريفها باسم فرانكشتاين. وهنا أرى أن الرواية لم تجد مانعا في الترويج لخطأ شائع، فقد أطلقت على الإنسان الميت الذي يعيث في البلاد فسادا اسم فرانكشتاين.. مع أنه في رواية ماري شيللي هو اسم الطبيب الذي بعث هذا الميت من رقاده وأعاده لمسرح الحياة، إنما لا أجد أهمية تذكر في هذا الخلل.. إنه مجرد خطأ شائع أصبحت له مكانة معلومة صحيحة، وتحول إلى كناية تدل على الشيء من أثره.
إن رواية «فرانكشتاين في بغداد» مثل سابقتها لماري شيللي تتناول مشكلة المصير الغامض لإنسان دخل في منعطف مجهول لا يمكن سبر أغواره، لأنه منعطف لم تكتمل دورته.
فقد عبرت ماري شيللي عن خوفها من الإنسان الإله الذي بدأ يجاري الخالق، وكذلك أحمد سعداوي عزف على نغمة صراع التخلف مع الحضارة، والممانعة المرتبطة مع كل مخاض. ويبدو ذلك واضحا حتى في بنية الروايتين.
لقد اعتمدت ماري شيللي على أسلوب المذكرات واليوميات والفلاش باك، واختار السعداوي اليوميات والاعترافات والتجاور عوضا عن التسلسل، ولكنه لم يسجل مذكرات شخصياته بالحبر على الورق، واستفاد من الاختراعات الحديثة واستعمل المسجلة الديجيتال والموبايل والإنترنت وسيارات كيا. إنه منعطف صادم ومفاجئ كانت الغاية منه تحدي السبات وليس الموروث، والانتقال من إعتام الانطواء والاغتراب لإعتام ألغاز أساليب ثورة المتناهي بالصغر، أو ثورة الأجزاء الصغرية التي كشفت عن لا تناهي الجوهر الواحد وإمكانية تفتيته.
لقد كان كلاهما يعمل على تصعيد الموضوع من السبب المباشر والظواهر العامة «كما في رواية الدكتاتور» إلى النوازع «رواية الأنماط والنمذجة».
ولو أردنا المماهاة، لا أستطيع أن أضع هذه الرواية في صف واحد مع الأعمال العسكرية، وإنما مع روايات التشويق والإثارة ذات القيمة المعرفية، كما هو حال «الفيل الأزرق» لأحمد مراد، كلتاهما تسير على خط مشدود للدخول إلى جنون وانهيار عقل الإنسان أمام مفاجآت واقعه، واقع الفراغ الحضاري. ولكن إذا كانت «الفيل الأزرق» تتناول أزمة أفراد لتعمم لاحقا عن أزمة جيل خائب وضائع، فإن «فرانكشتاين في بغداد» لم تتخل نهائيا عن لمحات من هموم السياسة وأصداء كواليس المجتمع. وهذا هو الفرق الوحيد الذي وضع أحمد سعداوي على الخط الساخن، وفي بؤرة الأحداث…
* كاتب سوري
صالح الرزوق*