القاهرة ـ «القدس العربي»: من حيث لا يدري وضع العاهل الأردني الملك عبد الله الحكومة المصرية في ورطة، حينما هرع لأحد المستشفيات على إثر وفاة عدد من المرضى بسبب نقص الأوكسجين، في واقعة أعادت إلى الأذهان ما شهدته مستشفى الحسينية قبل عدة أسابيع، وبينما أثنى عدد من الكتّاب على موقف ملك الأردن نددوا بسلبية حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وبدوره قال عمار علي حسن في “المصري اليوم”: أُذكّر الحكومة المصرية بما جرى في الأردن، وليس في اليابان أو ألمانيا، فحين مات مصابو كورونا لانقطاع الأوكسجين، سارع أكبر رجل في الدولة، وهو الملك عبدالله الثاني، إلى المستشفى، وهرع نواب البرلمان إلى هناك، وكذلك رئيس الحكومة، ثم دعا إلى اجتماع عاجل، وعقد مؤتمرا صحافيا، وقبله اجتمع وزير الصحة مع الأطباء، وبعدها استقال، وقامت وكالة الأنباء الرسمية «بترا» بتغطية الحدث ومختلف وسائل الإعلام الأجنبية في البلاد، أما الناس فقد سُمح لهم بالتظاهر تعبيرا عن غضبهم، فطالبوا بمحاسبة المسؤول. لم يتنصل أحد وينكر ويتبلد ويتجبر أبدا. وفي السياق ذاته أشاد عمرو هاشم ربيع في “الشروق” بالعاهل الأردني وهاجم حكومة الدكتور مدبولي بسبب تهاونها في حماية المرضى ومحاسبة المقصرين.
وفي صحف الجمعة 19 مارس/آذار احتل الهجوم على إثيوبيا موقع الصدارة، وطالب كتّاب، صانع القرار بأن يسير قدما نحو حماية شريان الحياة، وأهم ثروات المصريين على الإطلاق، وأن يبدأ في اتخاذ القرارات المصيرية حماية لمصر من العطش.. وحرصت صحف أمس الجمعة على إلقاء الضوء على نشاط القصرالرئاسي: شهد الأسبوع المنقضي، نشاطا رئاسيا مكثفا للرئيس عبد الفتاح السيسي، استهلها الرئيس بإجراء اتصالين مع رئيس الحكومة الليبية الجديدة، ومع الرئيس الجديد للمجلس الرئاسي الليبي، كما عقد 3 اجتماعات مع الحكومة المصرية، وتلقى 3 اتصالات من رئيس جمهورية سري لانكا، ومن رئيس وزراء اليونان، ومن رئيس الوزراء البريطاني، ونعى الرئيس التنزاني.
بدوره نفى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بيع الموانئ والمطارات المصرية لجهات أجنبية، وأشارإلى أنه بالتواصل مع وزارتي النقل والطيران المدني، أكدت الوزارتان أنه لا صحة لبيع أيّ من الموانئ أو المطارات المصرية لجهات أجنبية، سواء في الوقت الحاضر أو في المستقبل. ومن أخبار أمس وفاة الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة الأسبق، عن عمر ناهز 69 عاما. ونعت الدكتورة إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة وجميع الهيئات والقطاعات، الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة الأسبق، الذي رحل عن عالمنا، قائلة إن الراحل لعب دورا مهما في الثقافة المصرية، وترك بصمات بارزة في مجال النقد الفني، كما شارك في إعداد أجيال من المبدعين. ومن أخبار أمس المؤلمة كذلك وفاة المخرج رائد لبيب بعد صراع مع مرض السرطان، وتدهور حالته الصحية.
ومن تقارير الجامعات: قرر الدكتور علوي الخولي عميد كلية الهندسة جامعة المنوفية، إحالة أستاذ العمارة الذي وضع سؤالا عن “القاضية ممكن” للتحقيق. وأضاف الخولي أن قرار إحالته للتحقيق في الواقعة جرى بالتشاور مع الدكتور عادل مبارك رئيس جامعة المنوفية، موضحا أن التحقيق سيوضح كل التفاصيل حول الواقعة. جدير بالذكر أن عبارة “القاضية ممكن” تحمل إشارة إلى هدف محمد مجدي أفشه لاعب النادي الأهلي، في مباراة نهائي دوري أبطال افريقيا الموسم الماضي.
هزيمة تاريخية
قال عمار علي حسن في “المصري اليوم” بأن النيل لمصر وجود، وللمصريين حياة، وللسلطة الراهنة شرعية، وعبر التاريخ الإنساني كانت الشرعيات تروح وتأتي، تسقط وتقوم، لكن الوجود بديله العدم، والحياة بديلها الموت. لهذا لا تفريط في قطرة من مائنا، وأي تهاون سيجرف في طريقه كل مفرط، كما يفعل الماء في أيام فيضانه الرهيب. لقد كانت حكمة المصريين دوما أو عقدهم المتفق عليه وغير المكتوب هو، أنه لا طاعة لأحد في ضياع النيل. إن ما يجري الآن يطرح سؤالا جوهريا: هل العالم فقد عقله حتى يترك 140 مليون نَفَس في مصر والسودان مُعرَّضين إما للعطش أو الغرق؟ ماذا لو وقعت الكارثة وزحف 30 مليونا إلى الشمال الشرقي ليشربوا من «الليطاني»، وزحف أضعافهم عبر القوارب إلى شواطئ أوروبا، أو زحفوا جميعا إلى المنابع في الجنوب؟ لا نطلب سوى تطبيق القانون الدولي الذي يطال أي اتفاقات تخالفه، وهو في صفنا. عارضت مبارك منذ أن صرت طالبا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقضيت فترة تجنيدي ضابطا احتياطيا يحمل نوط الواجب العسكري قائد سرية مدفعية مضادة للطيران. كتبت مرات أيام مبارك: لو فُرضت على مصر حرب سأرتدي زيي العسكري وأسلم نفسي لأقرب معسكر مجندا أو متطوعا، وأقول للرئيس: تمام يا أفندم.
عجرفة إثيوبية
أكد عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم”، أن اللهجة التي تحدث بها مسؤولون إثيوبيون منذ يومين، زعموا فيها أن حصتهم من نهر النيل هي 85%، وباقي الدول 15% فقط، لهجة متعجرفة متعالية، لا شك في أنها ستزيد الأمور تعقيدا، خصوصا في ظل الحديث عن وساطات جديدة. لا شك أيضا في أن تلك اللهجة هي نتاج موقف متعنت تتخذه أديس أبابا، ربما منذ بداية مباحثات سد النهضة، التي زادت على السنوات العشر، إذ دأب المسؤولون هناك على الحديث عن حقوق ليست من حقوقهم في شيء، بل تجدهم تارة يتحدثون بلهجة المظلوم، الذي لا حيلة له، ثم بلهجة حادة رافضة للمفاوضات تارة أخرى. تلك اللهجة ربما تكون نتاج سنوات طويلة من علاقات مضطربة بين مصر وافريقيا، حتى لو ساهم الرئيس السيسي في إصلاحها خلال السنوات السبع الماضية. قديما، درسنا في مدارسنا في حصص التاريخ والجغرافيا والمواد الاجتماعية، مواقف مصر المؤيدة لحركات التحرر الافريقية، وعرفنا أسماء زعماء افارقة، ولكن منذ فترة ليست بالقصيرة، بدا الأمر وكأن العلاقات مع الدول الافريقية لم تعد في بالنا، وبدا الوضع وكأن مرحلة دفء العلاقة مع افريقيا مرحلة ومرت. القارئ للتاريخ سيكتشف أن دور مصر تراجع بشدة في افريقيا، وأن ما تفعله مصر الآن على مستوى القيادة، لا بد أن يُترجم ويُعمم في المستويات الأخرى، حتى نخلق حالة مشابهة للحالة التي كان فيها المواطن المصري شغوفا بمعرفة ما يحدث في القارة الافريقية، التي ننتمي إليها بحكم التاريخ والجغرافيا، ونهر النيل الذي يمتد في شرايين قلبها.
رائحة إسرائيل
واصل عبد اللطيف المناوي مطالعته للموقف: “أتابع بشغف ما بين السطور، وأدرك تماما أن ما وراء التصريحات الإثيوبية مواقف وأحداثا، أرى وأشتم رائحة قوى إقليمية تريد أن تشغل الفراغ الكبير الذي تركته مصر في السابق. أشتم رائحة إسرائيل والصين ودول أوروبية، بل رائحة الولايات المتحدة نفسها ودول افريقية أخرى.. ليس شرطا أن تكون رائحة عداء، بل يمكن أن تكون من صديق يريد جذب مزيد من النجاحات الاقتصادية على حسابنا. إذ تظل السوق الافريقية إحدى الأسواق المهمة والأساسية للمواد الخام والمواد الغذائية، وبقدر أعلى من التنسيق في العلاقات بين الدول العربية ـ مصر تحديدا ـ والدول الافريقية يمكن أن يكون مردود هذا التنسيق أكثر مما لنا أن نتخيل. التوجه الذي تتبناه مصر الآن ينبئ بأن هناك إدراكا لهذه الحقيقة، وأن سياسة جديدة بدأت تعود لتطل برأسها، تتفهم أهمية العلاقة والروابط المصرية الافريقية، ولكن مطلوب المزيد، ومطلوب إدراك خطورة وجود أي أحاسيس بمعاداة افريقيا أو إهمالها. مطلوب التواجد والتنسيق والمشاورة والتعاون”.
واضحة من البداية
يرى الدكتور محمود خليل في “الوطن”، أنه منذ بداية أزمة سد النهضة كان موقف إثيوبيا واضحا كل الوضوح. إنها تريد الاستئثار بالنسبة الأكبر من ماء النيل، وتصادر الحقوق التاريخية لمصر في مياهه، وهي الحقوق المكفولة باتفاقيات دولية. خرج وزير الخارجية الإثيوبي وقال نصا: «لا يمكن لأحد أن يحرم إثيوبيا من حصتها البالغة 86% في نهر النيل». سواء أكان الوزير يقصد بنسبة الـ86% حقا، أم حجم مساهمة في مياه النيل، فإن التصريح خطير في مبناه ومعناه، وهو يعكس نوايا أديس أبابا، التي تعودنا منها أن تفعل الشيء ثم تنفيه، كما حدث عند الملء الأول، حين أنكرته إثيوبيا رسميا في البداية، ثم احتفلت به بعد 48 ساعة من الإنكار. ولعلك تذكر أنه منذ عدة شهور، وبمناسبة الملء الأول للسد (يوليو/تموز 2020)، خرج وزير الخارجية الإثيوبي الأسبق، وقال كلاما شبيها بكلام الوزير الحالي. لقد قال موجها كلامه إلى الشعب الإثيوبي والعالم بالتبعية: «تهانينا.. سابقا كان النيل يتدفق، والآن أصبح في بحيرة، ومنها ستحصل إثيوبيا على تنميتها المنشودة.. في الحقيقة.. النيل لنا». إثيوبيا كانت واضحة، فهي ترى أن النيل الأزرق الذي يغذي نهر النيل بنسبة تتراوح بين 80% و85% من مياهه بحيرة إثيوبية، من حق أديس أبابا فقط الاستفادة منها. كلام إثيوبيا يحمل أيضا دلالات عديدة في ما يتعلق بالمستقبل. فكونها تعتبر النيل الأزرق بحيرة إثيوبية، وكونها ترى أن حصتها في النيل 86%، يعنب أنها تحمل رؤية تدميرية لكل من مصر والسودان. إثيوبيا بهذا الكلام تقول إن مخططاتها في ما يتعلق بالنيل الأزرق لن تتوقف عند حد سد النهضة، بل ستتجاوزه إلى غيره، والمعلومات التي تتواتر في وسائل إعلام أديس أبابا حول هذا الأمر تحمل مؤشرات على ذلك.
لا جديد في التصريحات
تابع الدكتور محمود خليل: “لك أن تتخيل صور المستقبل في مصر والسودان، في ظل هذا النمط من التفكير الذي يحكم صانع القرار في أديس أبابا. الموقف الإثيوبي الحالي كان واضحا منذ 10 سنوات، وظني أنه لا يوجد جديد في التصريحات التي تتردد على ألسنة المسؤولين الإثيوبيين حاليا. المسألة كلها في المياه.. ودعك مما تردده أديس أبابا حول توليد الكهرباء والتنمية وغير ذلك، فطاقة توليد الكهرباء عبر السد لن تزيد على 6 آلاف ميغاوات، من الممكن أن تتوافر لها بمنتهى السهولة، عبر بناء محطات توليد، أو عبر الاستيراد من دول عديدة يتوافر لديها فائض كهرباء، من بينها مصر. إثيوبيا تريد حجز المياه.. لأنها ببساطة تنظر إليها كسلعة مثلها مثل البترول، وهي تريد بيعها لمن يحتاج، ضاربة بالحقوق التاريخية التي تنظمها اتفاقيات عرض الحائط. العديد من التصريحات التي ترددت على مدار العام الماضي على ألسنة مسؤولين أمريكيين من إدارة الرئيس ترامب عكست وعيهم بالمخطط الإثيوبي، وأصبح تساؤلهم عن رد الفعل المصري نحوه. الإدارة الحالية برئاسة بايدن دعت الدول الثلاث إلى الجلوس معا من جديد إلى مائدة المفاوضات، المؤسسات الأمريكية تتابع مسار المفاوضات عبر السنوات الخمس الماضية، وتعلم أنها لم تحل المشكلة بسبب التعنت الإثيوبي.. فما جدوى دعوتها إلى مواصلة المفاوضات الآن، والباقي على موعد الملء الثاني أقل من ثلاثة أشهر ونصف الشهر؟ المجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لا يُنصف صاحب حق، إنه يرضخ فقط للقادر على فرض إرادته. الطريق بات واضحا.. فماذا تبقَّى لكي نلبى نداء البحيرة؟”.
تأخرت كثيرا
أشاد فاروق جويدة في “الأهرام” بالتنسيق بين الشعبين الشقيقين في المرحلة الراهنة: “أسبوع واحد شهدت القاهرة والخرطوم أحداثا وقرارات ضخمة، كان ينبغي أن تحدث من سنوات.. زار الرئيس السيسي الخرطوم والتقى الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي، وزار رئيس أركان الجيش المصري الفريق محمد فريد، الخرطوم وأجرى مباحثات عسكرية انتهت بتوقيع معاهدة دفاع مشترك بين البلدين. ثم كانت زيارة عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني للقاهرة على رأس وفد وزاري رفيع المستوى من الوزراء، حيث جرى تنسيق كامل مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس وزراء مصر في كل المجالات. لا شك في أن أي مراقب للأحداث لابد أن يتساءل لماذا تأخرت كل هذه اللقاءات، وغاب التنسيق كل هذه السنوات ولا أقول الشهور والأيام.. إن كثيرا من العقلاء في البلدين ضاعت أعمارهم وهم يصرخون في البرية، أن المصير واحد، والمستقبل واحد، والمصالح واحدة. ولم يسمع أحد هل كان من المنطقي أن تضيع ثلاثون عاما من عمر الشعبين، بدون تنسيق أو تعاون؟ هل يعقل أن تبقى العلاقات بين البلدين تحركها الأهواء، ما بين محاولات اغتيال فاشلة وحروب أهلية وانقسامات دينية وعرقية؟ هل كان من الحكمة أن ينقسم السودان إلى بلدين، وأن يحارب بعضه عشرين عاما ونحن نجلس في مواقع المتفرجين؟ تدفقت دماء الشعب السوداني في الجنوب لتقام دولة على أطلال السودان الموحد، واشتعلت المعارك في دارفور، وغرق السودان في حروب أهلية قسمته إلى جماعات متصارعة. وأمام هذه الصراعات اتجهت مصر شمالا وشرقا ونسيت عمقها الاستراتيجي ومصالحها الحقيقية”.
كنز لا نراه
كنا نعلم والكلام ما زال لفاروق جويدة، بأن مصالحنا مع السودان في الماء والأرض والزراعة والثروة الحيوانية وملايين البشر يعيشون في البلدين.. وكنا نعلم التلاحم السكاني بين صعيد مصر وشمال السودان.. وكنا نعلم أن النيل تاجنا الأزلي وفرطنا فيه، هل كان من الحكمة والمنطق أن تظل الأبواب مغلقة بين البلدين في كل شيء.. ثلاثون عاما وتنتشر الوفود الدبلوماسية في كل بلاد الدنيا، تبحث عن فتات من المصالح الهشة، بينما كنوز الأرض في بلادنا لا نراها.. هذا تاريخ طويل من التخبط والارتجال شهدته العلاقات بين مصر والسودان، ولم يكن على مستوى المصالح والثوابت والتاريخ، حتى وجدنا أنفسنا أمام تحديات مشتركة تهدد مستقبل حياة الشعبين في كارثة سد النهضة. هل كان من الضرورى أن تحدث هذه الكارثة حتى نشعر بأن المصير واحد؟ إن السنوات العجاف من الإهمال والتخبط وعشوائية القرار وصلت بنا إلى هذا الواقع المظلم. ينبغي ألا نبكي على اللبن المسكوب، وإن كان يستحق البكاء دما وليس دموعا ولكن ما حدث من خطوات في الأيام الماضية يستحق أن نبني عليه.. كان أخطر ما فيه اتفاقية الدفاع المشترك بين القوات المسلحة في البلدين، وهو إنجاز تأخر كثيرا، خاصة في الظروف الحالية وما فرضته تحديات سد النهضة على أمن واستقرار مصر والسودان. أمام الصلف الإثيوبي لقد دخلت العلاقات بين مصر والسودان مرحلة جديدة تحكمها المصالح، وليس شعارات الإخوة التي لم تحقق للشعبين شيئا في عشرات السنين.. وجاء الوقت لكي نضع أقدامنا على المسار الصحيح، نحن في حاجة إلى تعاون زراعي حقيقي، والأرض في السودان توفر الغذاء لكل العالم العربي.
انتحار مكلف
لماذا ينتحر البعض؟ علاء عريبي حاول الإجابة في “الوفد”: “فتاة تسافر عشرات الكيلومترات من بلدتها إلى بلدة أخرى لكي تنتحر، لماذا لم تنتحر في بلدتها؟ ما الذي كانت تفكر فيه طوال هذه المسافة؟ ألم تصادف طوال ساعات السفر ما يثنيها؟ شاب يغادر منزله، يقف على المحطة، يحشر نفسه في المواصلات، يسدد الأجرة، يخلي مقعده لمسن أو مريض أو سيدة، ينزل ويتجول، يصعد البرج، ويلقي نفسه، ما الذي كان يسيطر على عقله وفكره وأحاسيسه طوال هذه الساعات؟ فتاة تنزل إلى الصيدلية تشتري مادة سامة أو بعض الحبوب المخدرة، وترجع إلى منزلها، تدخل حجرتها، تغلق على نفسها، تبتلع المادة وتلفظ أنفاسها، وأخرى تدخل الحمام تلقي على نفسها الجاز أو البنزين وتشعل النار في جسدها، ورابعة تلقي بنفسها في البحر أو النيل. وشاب يعلق نفسه في مروحة المنزل، أو في حديدة سقف حجرته، يسحب كرسي المكتب أو السفرة، يربط ملاية السرير في حلق السقف، ويعمل في طرفها الثاني طوق المشنقة، يضعه حول رقبته، يضرب الكرسي برجله، وينتقل من حجرته إلى عالم الموت، الذي لا نعرف عنه شيئا ونخافه. لماذا ينتحر البعض؟ ولماذا يخطط البعض الآخر لعملية انتحاره؟ هل فكّر في كيفية انتقاله من الوجود الذي نعيشه إلى وجود آخر غيبي لا نعرف عنه شيئا؟ هل فكر في ما قد يتلقاه من عقوبة أو ألم أو خوف؟ يقال إن للمنتحر مبررات كثيرة، وفي مجملها تقع تحت كلمة العجز، في لحظات يشعر الإنسان بأنه أصبح عاجزا عن مواجهة مشاكله، وبأن استمراره لا فائدة منه، وبأن استمراره سوف يتسبب له في المزيد من الشعور بالعجز أو الانكسار أو الخجل أو المهانة أو الفشل. الفقر والبطالة والمرض والغضب على قائمة مبررات إقدام البعض على الانتحار، يكتشف فجأة أنه عاجز عن تلبية احتياجاته، أو غير قادر على تحمل آلامه، لم يعد أمامه أي حلول ليجتاز هذه الحالة، انسدت الحياة وغلقت منافذ النجاة. قد نتقبل إقدام البعض على الانتحار في لحظة غضب، سيطرت عليه مشاعر سوداء، ولدت له الفكر، انتحر، لكن ماذا عن الذي قرر وخطط وحدد لتنفيذ جريمته؟ ماذا عن الذي سافر وغادر واستقل وذهب لساعات إلى مكان انتحاره؟ هل كان في وعيه؟”.
درس من الأردن
واقعة شديدة الدلالة أهتم بها الدكتور عمرو هاشم ربيع في “الشروق”: “حادث مستشفى السلط في محافظة البلقاء في المملكة الأردنية، الناجم عن نقص الأوكسجين، وأسفر عن وفاة 9 أشخاص، الذي وقع يوم 13 مارس/آذار الحالي، أدى إلى هزة كبرى في المنظومة الصحية في الأردن، التى توصف عادة بأنها واحدة من أرقى المنظومات الطبية في الوطن العربي. فالأردن ينفق نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي على الصحة، وهو معدل كبير، يناهز ثلاثة أضعاف ما ورد في المادة 21 من الدستور المصري، الذي قرر أن موازنة الصحة «لا تقل عن 2% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية»، من هنا كان حادث مستشفى السلط يلقي بالعبء الكبير على مصدر دخل كبير للأردن.
حادث السلط ربما يذكرنا بحادثي مستشفى الحسينية في الشرقية في 3 يناير/كانون الثاني الماضي، وقبله بساعات حادث مستشفى زفتي العام في الغربية. فهل يمكن للمرء أن يقارن بين الحادث الأردني والحادثين المصريين من حيث المعالجة. حادث مستشفى الحسينية العام تسبب في وفاة 4 أشخاص، وحادث مستشفى زفتي العام تسبب في وفاة شخصين. سبب الحادثين وقت الإعلان عنهما هو انقطاع الأوكسجين عن مرضى كوفيد 19. وبذلك يبدو أن الحادثين يتشابهان مع حادث السلط، في أنه عبارة عن انقطاع أوكسجين أدى لوفاة المرضى. فى السلط انقلبت الدنيا داخل الأردن، ذهب الملك إلى المستشفى، وأمر وزير الصحة نذير عبيدات بالاستقالة، وأعلن بشر الخصاونة رئيس الوزراء تحمل المسؤولية الأخلاقية السياسية عن الحادث، وأجرت نيابة السلط تحقيقات واسعة بعد أن أوقفت 5 مسؤولين عن العمل منهم مدير مستشفى، وعقد مجلس النواب جلسة طارئة لمناقشة الأمر ومحاسبة الحكومة التي تشرف على هذا المستشفى إشرافا كاملا باعتباره مستشفى عاما؟.
صورة مؤسفة
في مصر والكلام ما زال للدكتور عمرو هاشم ربيع: “لم يخرج حتى رئيس الوزراء بأي تعليق على حادثي الحسينية وزفتي، مسؤولو مستشفى الحسينية ومستشفى زفتي بقوا في مواقعهم الوظيفية، ومن باب أولى بقيت وزيرة الصحة ومحافظا الشرقية والغربية في منصبيهما. الاتهامات كيلت في الحادثين المصريين لمن تعقَّب الحادث، الأغرب ما ذكره الأطباء في مستشفى الحسينية، وهو أن أهالي المتوفين شكروهم على جهدهم. وقبل كل ما سبق تم نفي انقطاع الأوكسجين عن المرضى، وأن موضوع الوفاة تم كأمر طبيعي بسبب وطأة المرض وكبر سن الضحايا. وشكلت اللجان لمتابعة الحادث، وما أفظع تشكيل اللجان كوسيلة روتينية لنسيان النواكب. ورغم التعليق الرسمي على الحادثين بأنهما وقعا بسبب الحالة المرضية الحرجة للمتوفين، وبسبب كبر السن لجميع المتوفين، لم يفسر لنا أحد كيف يكون ذلك سببا لحادث تم في وقت واحد، وفي الحجرة نفسها وفي اللحظة ذاتها. غريب أن يموت هذا العدد في الدقيقة نفسها، وتعزى الوفاة للجميع لكبر السن، ويطلب من الناس أن يصدقوا تلك الرواية. كل المشاهدات تشي بوجود معالجة رقابية ومحاسبية مختلفة تماما، ما يجعل تكرار النواكب أمرا واردا في مواقع كثيرة، كحوادث القطارات، وحرائق المنشآت العامة، وانهيار المباني أو خلافه. المتهم عندنا عادة ليس العنصر البشري، فهو خيال أو سراب لا يمكن الإمساك به، او الموظف البسيط. سمعة البلاد مهمة في تتبع المتسبب في النواكب، وكما رأينا في الأردن التي تعتبر واحدة من أهم بلدان المنطقة في السياحة العلاجية، قد خشيت على سمعة البلاد الصحية، التي تراكمت في العقدين الأخيرين، فجلبت دخلا كبيرا للبلاد، كان في الماضي يذهب لدولة كمصر”.
تجار الأزمة
لاحظ عبد العظيم الباسل في “الوفد” أنه مع كل علاوة جديدة، تنطلق ألاعيب الأسواق، ويبدأ زحف الغلاء خطوة بخطوة حتى يغتال العلاوة في مهدها. لا نعتقد أن هناك دولة مرّت بأزمة كورونا وما ترتب عليها من تراجع اقتصادي ملحوظ وانكماش في حركة البيع والشراء، تستطيع أن تقرر علاوات لموظفيها، بل رأينا بعض الدول تغلق أبوابها على نفسها حتى توفر ما تحتاجه شعوبها من شراب وطعام، ودعم القطاعات المنتجة حتى تتمكن من إزالة آثار الجائحة، لكننا هنا رغم الظروف الصعبة التي نمرّ بها، احتفظنا باقتصاد متماسك ومعدل نمو متزايد بشهادة مؤسسات التمويل والنقد الدولية، التي أكدت أن مسارنا الاقتصادي على الطريق الصحيح، وفي طريقنا لجني ثمار الإصلاح الاقتصادي. من هنا جاء إحساس القائد بشعبه في بشراه السارة التي أطلقها قبل أيام، بزيادة الرواتب والمعاشات بنسبة 13% ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 100% من 1200 جنيه إلى 1400 جنيه ليضيف عبئا على الموازنة لا يقل عن 37 مليار جنيه لزيادة الرواتب و31 مليار جنيه لأصحاب المعاشات. ورغم أن هذه الزيادات سيتم صرفها مع راتب يوليو/تموز المقبل، إلا أننا نخشى من تحرك التجار وتطبيق سياسات الاحتكار في السوق، بدءا من الآن، علما بأن هناك شبه استقرار حاليا في بعض الأسعار الغذائية، وكذلك الخضراوات والفاكهة، وأملنا أن يظل هذا الاستقرار سائدا حتى لا يتم ضرب العلاوة قبل تطبيقها، فلا يشعر المواطن بعائدها، ولا يجني ثمار الإصلاح الاقتصادى الذي تحمل الأعباء الكثيرة من أجله «وهذا لن يتحقق ما لم تتعامل الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها مباحث التموين وجهاز حماية المستهلك»، بحسم شديد مع أباطرة الأسواق لوقف تلاعبهم بالأسعار، خوفا من أي زيادات غير مبررة في أسعار السلع أو الخدمات، قبل أن تبدأ الأسواق في نصب فخاخها من الآن لصيد العلاوة الجديدة، قبل أن تدخل جيوب المواطنين.
حرب أم دعابة؟
بعض الذين راهنوا على السياسة الأمريكية مع الرئيس جو بايدن، تنتابهم حالة من الأسى، كما قال أكرم القصاص في “اليوم السابع”، وهم يشاهدون الرجل الذي راهنوا عليه وإدارته يتخبطان في تصريحات تجلب عليهما السخرية، وتضعهما في موقف العاجز عن الفعل. ويبدو الرئيس الأمريكي في صورة ناشط سياسي أكثر منه رئيسا، وهو يسعى لإرضاء مؤيديه بالتصريحات، من دون امتلاك قدرة على تنفيذها كرئيس لدولة عظمى. بايدن تراجع عن وعوده وتصريحاته بالسرعة نفسها التي أطلقها، بل إنه يجلب حملات سخرية على بلاده، وهو يكرر الشكوى من تدخلات روسية، بل وصينية وإيرانية في الانتخابات الأمريكية، وهي اتهامات تعجز إدارة بايدن أو حتى المخابرات المركزية «سي أي إيه» عن تقديم أدلة عليها، وتضاعف من شروخ في صورة الدولة العظمى، التي اعتادت التدخل في كل الانتخابات في العالم، بما فيها روسيا. وبعد أن كان الديمقراطيون يتندرون على الرئيس السابق دونالد ترامب، بوصفه أكثر رؤساء أمريكا انفلاتا في التصريحات المثيرة، ها هو الرئيس بايدن، يبدو في صورة الرئيس المنفلت، الذي يثير أزمات من دون أن يقدم فعلا واحدا يدل على قوته، أو استعداد أمريكا لبدء حرب باردة مع روسيا والصين، بقدر ما يبدو كرئيس يشكو ويتبرم من تدخلات روسية، فضلا عن التهديد الفارغ. بايدن في مقابلة مع قناة «إيه. بي. سي نيوز» الأمريكية، وصف بوتين بالقاتل، وقال إنه «سيدفع الثمن» فيما وصف رئيس مجلس الدوما الروسي، فيتشسلاف فولودين تصريحات بايدن «بأنها هستيريا ناجمة عن العجز”. شكوى الولايات المتحدة من تدخلات روسية في الانتخابات منذ إطلاقها بعد انتخاب ترامب، واجهت سخرية، سواء من الروس أو باقي دول العالم، أو حتى من الأمريكيين أنفسهم، ويومها سخر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف من الاتهامات لبلاده، وقال: «إننا لا نتدخل في الانتخابات فقط، بل كذلك نتلاعب بالطقس ونتسبب بفيضانات».
فليحتفظ بوقاره
نبقى مع بايدن وخصومه بصحبة محمد حسن الألفي في “فيتو”: “حاليا تشتبك الولايات المتحدة تحت إدارة جو بايدن الديمقراطي في حرب كلامية ودبلوماسية علي جبهتين روسيا والصين. تأتي هذه الملاسنة الفجة غير المسبوقة بعد أقل من شهرين منذ تولي جو بايدن منصبه في البيت الأبيض. بالنسبة للروس فقد وجه بايدن ما وصفه البرلمان الروسي “الدوما” بالإهانة التي لم تلحق فقط بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل هي إهانة للشعب الروسي وللدولة الروسية، وكان بايدن وصف بوتين بالقاتل، وأنه سيعاقب روسيا أشد العقاب، واستند في ذلك على تقرير للمخابرات الأمريكية قال إن روسيا وإيران وكوبا والصين تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بهدف إضعاف موقف بايدن، ولإحداث فرقة داخل المجتمع الأمريكي وتغذية حالة الاستقطاب.. لصالح ترامب. ردت وزارة الخارجية الروسية بسحب السفير الروسي من واشنطن للتشاور، ووصفت تصريحات بايدن بالهيستيرية، وأنها ناتجة عن موقف العجز.. كما قالت بالحرف الواحد. وبينما واصل بايدن هجومه علي روسيا ورئيسها ووصفها بالعدو وإنها ستدفع ثمن تدخلها لحساب ترامب.. منذ تسلم بايدن السلطة في العشرين من يناير/كانون الثاني وهو ماض في إثر ترامب بالحذف والإلغاء، وتقرير كل ما هو ضد إرث ترامب. بالطبع ردت الخارجية الصينية على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ودعته إلى الكف عن استفزاز بكين، وفي الوقت ذاته حذرت روسيا واشنطن من التصعيد، وأعلنت حرصها على التواصل. يمكن ملاحظة أن روسيا والصين تمارسان سياسة الفعل، وتتمسك أمريكا بايدن بسياسة القول. مدرسة أوباما بالحرف! ولو خرجت من مدرسة أوباما المتراجعة دوما أمام الروس في الشرق الأوسط، وعاقبت الدول المتعاملة مع روسيا في شراء الأسلحة، فإنها ستواجه موقفا بالغ التعقيد والمضاعفات من جانب حلفاء عديدين لواشنطن في الخليج عقدوا صفقات سلاح ضخمة مع الروس.. أمريكا تصعد، وحين يتابع العالم تلاسن ثلاث قوى نووية كبرى، فإن التوتر واستمرار التصعيد من جانب واشنطن ربما ينذر بالخروج عن السيطرة”.
مطلوب هواء
هل انتهى دور وسائل الإعلام والصحافة؟ أجاب عبد الحفيظ سعد في “الفجر”: “بالتأكيد أضعفت الوسائط الحديثة من التواصل دور الإعلام التقليدي، ولم يعد القارئ أو المشاهد يتلقى المعلومات والأخبار من الصحف أو حتى المواقع الإلكترونية أو التلفزيونات فقط، بل غالبية ما يتم ترويجه من معلومات تأتي من وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت لغول. لكن رغم قوة هذا الغول سريع وسهل الانتشار، لكنه مجرد ناقل للأخبار أو الشائعات، ولكنه لا يصنع المحتوى أو التأكد من المعلومات ونقل الحقيقة وتعميقها. ولذلك نجد أنه رغم انتشار وسائل التواصل لكنها بدون مصداقية، ولن تحصل عليها إلا أن تكون موثقة من وسيلة إعلامية، سواء صحافة أو تلفزيونا، تتحمل مسؤولية صدق الخبر. نقطة ضعف مواقع التواصل، في عدم مسؤوليتها في المعلومات، هي نقطة قوة الصحافة، التي مازالت مصدر العمق للخبر أو تحليله، وهذا يعني أن المهنة قد تضعف ولكنها لن تنتهي، وذلك مثل الكتاب، الذي لم يمنع حضور الصحف أو المواقع أو التلفزيونات. لكن الصحافة كمهنة، إنها مثل النبات الذي لا يعيش بدون ماء وهواء. وماء وهواء الصحافة هو الحرية، وبدونها ستزبل المهنة، وربما تموت، ووقتها ستترك الساحة لوسائل أخرى لا أحد يتحكم فيها والخسارة هنا ليست لأصحاب المهن فقط، بل للدولة والمجتمع، في أنها ستفقد إحدى أهم الوسائل للتواصل مع الشعب، خاصة في ظل التوحش التكنولوجي، الذي في غالبيته لن يتم التحكم فيه بالمنع أو الحجب، مع تطور أدواته”.