حوارت مصنعة

منذ فترة عثرت مصادفة على أحد المواقع غير المعروفة، في الإنترنت، على حوار مطول قيل أنه أجري معي، فيه كل ما يمكن أن يقال وما يمكن أن لا يقال أيضا. هناك أسئلة عامة عن الكتابة، والقراءة، واقتناء الكتب، وأسئلة خاصة بعوالم تخصني، ربما كتبتها في نصوصي، وتلك الأسئلة الكلاسيكية التي ترافق أي حوار، يمكن أن يجرى مع كاتب أو شاعر، في أي وقت وأي مكان، مثل سؤال المهنة، وسؤال الأسرة، وهل هناك من يكتب من أبنائك، ومن هو قارئك الأول، وبمن تأثرت، إلى آخر تلك الأسئلة التي تحس بمرور الزمن، أنها تجيب على نفسها بنفسها من دون أي تدخل منك.
حقيقة لم أتذكر ذلك الحوار، الذي خلا من إسم المحاور، ولم أذكر أبدا أنني أجريته لذلك الموقع الذي يقول بأنه حوار حصري وخاص، واكتشفت بعد تفكير عميق، ومراجعة للذاكرة التي ابتدأت تعتل من كثرة ما دخلها من صالح وطالح، وأيضا من العمر الذي لا بد تقدم، وجاء بمواصفات ذاكرة بديلة للتي كانت سائدة من قبل، اكتشفت أنه حوار لم يجر قط، لكن تم تجميعه من مقالات، وتصريحات، واستطلاعات رأي، وحوارات قديمة سابقة، ووضع على أنه حوار شامل جديد.
المسألة لم تكن مفزعة لي أبدا، في الحقيقة، فهو ليس تجميعا لكلام عالم ذرة يمكن أن يؤثر في شيء من مجريات الحياة، ولا حديثا عن جائحة كورونا مثلا، يمكن أن يوقعني في حرج إن شابته بعض الأخطاء العلمية. ومعروف أن الكاتب أو المبدع عموما عندنا في أي زمان ومكان، ليس بتلك الأهمية التي تضفي على عمله مسحة جادة، وتبعده عن العبث. فذلك التجميع اجتهاد من شخص ما، ربما أراد إجراء حوار، ولم يجد طريقة، أو ربما لم يرد إجراء حوار، وجرب موهبته في تجميع تلك الأقوال وربطها ببعض لتكوين حوار يمكن قراءته. وأظنه بذل مجهودا في ذلك، لأن مطاردة الأقوال والمقالات والتصريحات المبعثرة هنا وهناك، على مر السنوات، وتطويعها من أجل أن تصبح حوارا، لا بد يحتاج لمجهود، مجهود قرائي بحثي، ومجهود استثنائي في تكوين أسئلة، تبدو في هيئتها مثل أسئلة المواجهة.
ذلك ذكرني ببداياتي حين كان طلب الحوار من أي صحافي، حتى لو كان بلا صحيفة، ولن ينشره في أي مكان، يشكل أهمية كبيرة بالنسبة لي كمبتدئ، وكنت أرى المبدعين الكبار أثناء جلوسهم في المقهى، يتعاملون مع طالبي الحوارات بكثير من الترفع، يقبلون هذا، ويرفضون هذا، ويعتذرون بخشونة لمن يلح بأنهم لن يجروا حوارا.
كنت قد نشرت ثلاث أو أربع روايات حين أرسل لي أحد الصحافيين رسالة يطلب فيها مني أن أجري حوارا مع الجريدة التي يعمل فيها، ورددت عليه فورا بأنني أقبل ذلك، وجلست أياما امتدت لأسبوعين أنتظر أن يرسل لي الرجل مادته لأغرق فيها، مجيبا على الأسئلة بأجوبة فيها الكثير من المغالاة، بالرغم من هدوء تجربتي في ذلك الوقت، وأنها كانت أقرب للتجربة الشعرية منها للنثرية. طال وقت الانتظار أكثر، ثم فوجئت بعد ذلك برسالة من الصحافي يسألني: أين الحوار يا أخي؟
رددت عليه: لم ترسل لي أسئلة لأجيبها.
وكان رده غريبا فعلا، ردا لم أكن أتوقعه، حين أخبرني بأنني لم أفهم قصده، هو لن يرسل لي أسئلة، لكن يريدني أن أكتب أسئلة وأجيب عليها، وأرسلها له مع الصور، أي أن أحاور نفسي بنفسي، بأسئلة أود أن تطرح علي.
وبالرغم من أنني لم أنو أن أرسل له حوارا كهذا، لكني جلست يوما كاملا أكتب أسئلة غاية في التعقيد، والإشكالية، وأجيب عليها بتعقيد أكثر، واكتشفت فعلا بأن ما تود أن تسأل عنه لن يأتيك من أحد، ولكن منك شخصيا. المبدع أقدر من غيره على محاورة نفسه، والخروج منها بأجوبة غاية في الكمال وتبتعد تماما عن تلك الأجوبة التي سيدلي بها للصحافة، ردا على أسئلة بديهية ومكررة.
لم أسأل نفسي بالطبع عن سؤال المهنة، ولا إن كان في الأسرة من يكتب، ولا حجب الطيب صالح للكتاب السودانيين. وقلت للصحافي آسف، لن أشارك في شيء كهذا، وكان رده، أن المسألة ليست عجزا منه في صناعة حوار مع شخص ما، لكنه أراد أن يمنح ذلك الشخص فرصة أن يتنفس بحرية بعيدا عن أسئلة ربما لن يحبها.
ربما كان محقا فعلا، فقط تظل الطريقة المتبعة غير صحيحة، وغير منطقية، الكاتب سيتنفس بحرية في رواياته، ومقالاته، يتنفس من دون أن يحس بوجود جرح في التنفس، وهذا بالضبط ما فعله صانع الحوار الأخير الذي عثرت عليه مصادفة، فقد جمع تلك الأنفاس من هنا وهناك، ولم يزد عليها أي مغص جديد.
لكن يظل ثمة سؤال هنا: ماذا لو أضاف ذلك الصحافي أجوبة من عنده تمس أشخاصا أو أوطانا أو عقيدة ما ونسبها للكاتب؟
صحيح لن يعثر أحد على إثبات أن ذلك الحوار أجري بالفعل، وفي الوقت نفسه لن يعثر الكاتب على إثبات أن الحوار لم يجر، وحتى لو صدق الناس أن تلك الأجوبة مخترعة، واعتذر الموقع، الذي نشر الحوار فيه، تظل ثمة وساوس تغازل كثيرين، كانوا يحترمون الكاتب، والآن ينظرون إليه بعين أخرى.
في النهاية يظل عصر الإنترنت، والتوغل فيه، عصرا شائكا وغادرا في كثير من الأحيان، سنعثر على النزاهة في بعض الأحيان، هذا حقيقي، وسنعثر على غير النزاهة، وهذا حقيقي أيضا. كلنا نستفيد من وجود الإنترنت، وبذلك قد نغض الطرف عن الضرر الذي يلحق بنا، وأظن سرقة الكتب ونشرها مجانا، مثلا، من الأضرار الكبيرة، التي صنعتها الإنترنت، ولا مناص من التعايش معها، تماما مثل التعايش مع مرض بلا شفاء.

* كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية