إسطنبول-»القدس العربي»»: عقب أيام من لقاء وزيري الخارجية التركي والروسي في قطر والحديث عن آلية تعاون ثلاثية مع قطر فيما يتعلق بالملف السوري، وصل وزير الخارجية الإيراني في زيارة خاطفة إلى إسطنبول عقد خلالها اجتماعا مع نظيره التركي بحضور رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان، في إطار ما يعتقد أنه حراك استثنائي يتعلق بالملف السوري ومستقبل الحل النهائي للأزمة عقب مرور 10 سنوات على الثورة.
وعقب اللقاء الذي جرى بعيداً عن الإعلام ولم يعقبه مؤتمر صحافي للوزيرين، قال جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني عبر تويتر إن إيران «ترغب في تطبيق تجربة السلام الإيرانية التركية طوال 4 قرون في منطقة الشرق الأوسط» لافتاً إلى أنه بحث مع نظيره التركي مولود جاوش أوغلو «القضايا الثنائية والإقليمية على أساس التعاون البناء». من جهته قال الوزير التركي: «جددنا مع وزير الخارجية الإيراني تفاهمنا بشأن التعاون القوي في مكافحة كافة أشكال الإرهاب، وفي مقدمته (تنظيم) بي كا كا/ ي ب ك وضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا».
وقبل أسبوع، التقى وزراء خارجية روسيا وتركيا وقطر في الدوحة لبحث مستقبل حل الأزمة السورية، وخلصت الاجتماعات إلى الإعلان عن إطلاق «مسار ثلاثي جديد للمشاورات حول الملف السوري» بين الدول الثلاث، وقال وزير الخارجية التركي إنه يهدف إلى «مناقشة سبل المساهمة في الجهود الرامية لإيجاد حل سياسي دائم للأزمة السورية» وسيعقد الاجتماع الثاني في أنقرة والثالث في موسكو.
جاوش أوغلو جدد التأكيد على المواقف التركية المتمثلة في «حماية المدنيين ووحدة الأراضي السورية ومحاربة كافة التنظيمات الإرهابية» مشدداً على أن «السبب الرئيسي لما يجري في سوريا هو تجاهل مطالب الشعب السوري المشروعة» وجدد التأكيد على حتمية أن يكون الحل السياسي «مبنيا على أساس معايير الأمم المتحدة» كما علق الوزير على موضوع عودة النظام لجامعة الدول العربية بالقول: «إذا اتبعت الدول العربية والمجتمع الدولي سياسات موجهة للشعب السوري مباشرة، بدلاً من التعامل مع النظام، فعندها يمكننا أن نقوم بأشياء لتحسين الوضع الإنساني على الأرض».
على الرغم من أن الكثير من هذه المواقف قديمة ومكررة، إلا أن تأكيدها عقب اللقاء الثلاثي يعطي مؤشراً واضحاً على عدم وجود تغيير في الموقف التركي من مستقبل الأسد في سوريا، وذلك عقب التكهنات التي رافقت جولة وزير الخارجية الروسي إلى الخليج والتي فهمت على أنها محاولة لإعادة تأهيل الأسد، وهو ما لا يبدو أنه قد نجح به الوزير الروسي مع الجانب التركي.
فعقب مرور 10 سنوات على الأزمة السورية، تغير الموقف التركي تدريجياً مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في سوريا والمنطقة بشكل عام، وبعد أن كان اسقاط الأسد عسكرياً الأولية التركية الأولى بات منع إقامة كيان انفصالي كردي على حدود سوريا مع تركيا أولوية أولى، كما ان الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية دفعت الحكومة نحو السعي لإمكانية إنهاء الأزمة السورية في أسرع وقت لتسهيل عودة اللاجئين وتقليل الأعباء الاقتصادية التي أنهكت الحكومة وأثرت عليها انتخابياً.
ورغم هذه التحولات، ما زالت تصر تركيا على ضرورة استبدال الأسد بشكل أساسي، أو العمل ضمن مسار الأمم المتحدة لإعادة صياغة دستور جديد لسوريا ومن ثم إجراء انتخابات ديمقراطية تفرز قيادة جديدة يعترف بها المجتمع الدولي، وصرح مسؤولون أتراك سابقاً بأن أنقرة ستكون «مضطرة للتعامل مع الأسد» في حال انتخابه مجدداً «بطريقة ديمقراطية».
وقبل أيام، شدد وزير الخارجية التركي على أن الاجتماعات الثلاثية بين بلاده وروسيا وقطر بشأن سوريا، «لا تشكل بديلا لمسارات جنيف أو أستانة وغيرها، بل متممة لها» لافتاً إلى أنه يجري العمل من أجل عقد الجولة السادسة من اجتماعات اللجنة الدستورية السورية خلال مدة أقصاها شهر.
ومن خلال كافة المعطيات السابقة، فإن أنقرة تدفع من خلال مباحثاتها مع روسيا وإيران من أجل دفعهم للضغط على النظام السوري لتحقيق تقدم في ملف اللجنة الدستورية والوصول إلى الانتخابات، وهو المسار التي ترى فيه تركيا المخرج الوحيد للأزمة السورية وحصول الإدارة الجديدة على الاعتراف الدولي.
وعلى الرغم من أن أوراق المعارضة والتركية العسكرية على الأرض تراجعت مقابل السيطرة الروسية والإيرانية في سوريا، إلا أن الأزمة الإنسانية والانهيار الاقتصادي في مناطق النظام وتعاظم العقوبات الأمريكية والفشل في الحصول على أي تقدم في محاولات إعادة تأهيل النظام، كلها أسباب تدفع موسكو للتمسك بالعمل مع تركيا في محاولة للتوصل إلى حل للأزمة المتواصلة منذ 10 سنوات.
هذا الحل الذي لا يبدو ممكناً على الإطلاق بدون تقديم موسكو تنازلات حقيقية تتعلق بمستقبل الأسد كشخص وهو أمر كاف لتركيا لتغير موقفها بشكل كبير، صفقة ترغب أنقرة في عقدها مع موسكو التي أشارت الكثير من التكهنات إلى أنها بحثت مراراً عن شخصيات بديلة تدين لها بالولاء والعمل بمنطلق التمسك بالمصالح لا الأشخاص وهو عرض تركي قائم منذ سنوات، لا يعرف بعد ما إن كانت روسيا قد قررت العمل به أم لا، إلا أن التحركات الأخيرة تؤشر بشكل واضح على وجود جديد في الحراك حول مستقبل سوريا ربما يتكشف تدريجياً خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
اقتباس
أولوية تركيا منع إقامة كيان كردي على حدودها