سقوط روما الجديدة

حجم الخط
0

كل ما يحدث في هذا العالم يُذكّرك فوراً بأنّك مسلم، قوائم الإرهاب الطويلة الّتي تصدرها الدول،أخبار القصف الجوّي الّذي لا يتوقّف، ملايين اللاجئين والمشرّدين، الاشتباكات الطائفيّة على الأرض، الفتاوى الدينيّة لحشد المقاتلين أولمنعهم، التشريعات الجديدة للبرلمانات الأوروبيّة! كيف حدث هذا التحوّل ولماذا؟
هل من أفغانستان، البلد الصغير الّذي لا يكاد يبين، راجت أو روّجت فتاوى الجهاد؟ ولماذا انقلب السحر على الساحر، والحلفاء على بعضهم، وكيف أصبح الإسلام العدو الاوّل لأمريكا، بعد أن كان مُجنّداً لخدمتها؟ وكيف أصبح الإسلام بعد أفغانستان أو على أرضها إسلامين:سُنّي وشيعيّ؟
هل رسم التاريخ مساراته ضدّ إرادات القوى المتصارعة على الأرض؟ أم أنّ القوى الّتي تتحكّم بمصير العالم اختارت مطبخاً صغيراً اسمه إفغانستان لتُربّي قوى معيّنة، ثُمّ تطلقها هنا وهناك، لتقوم بأدوارها المرسومة؟
يقول باحثون وينقلون على ذمّتهم تصريحات على لسان قادة سياسيين ومفكّرين ورجال مخابرات كبار أنّه كان لا بُدّ أن تتّخذ الإمبرياليّة العالميّة عدواً جديداً كبيراً ، خلفاً للاتّحاد السوفيتي المنهار، وذلك حتّى تبقى عجلتها قادرة على الدوران. ففي عالم مسترخ وخال من الصراعات، ما الّذي ستفعله مصانع السلاح وفي أي حضنٍ ستقذف منتجاتها، وهي حجر زاوية، ليس فقط في الاقتصاد الرأسمالي، ولكن في بنيته السياسيّة أيضاً، ويتوقّف على استمرارها مصير لاعبيها السياسيين الأساسيين،أمناء الهيكل!
ويضيفون أيضاً أنّ الأمريكان استوحوا الفكرة من مواجهتهم مع إيران عقب ثورتها الإسلاميّة، ومن تجربتهم مع المجاهدين المسلمين على أرض أفغانستان! فالمسلمون هم خير من يخوض قتالاً ضدّ بعضهم بعضا وضدّ الآخرين أيضاً، وهم طلاب موت أكثر منهم أصحاب حياة، وإيمانهم مطلق وغير قابل للمراجعة، إضافة إلى أنّهم منقسمون على أنفسهم، وكُلُّ حزب بما لديهم فرحون!
ولإعطاء هذه الحرب على الإسلام زخماً كان لا بُدّ من 11سبتمر/ايلول، وكان لا بُدّ من تنظيم القاعدة، ومن ثمّ داعش. وكتب تيري ميسان الكاتب الفرنسي كتابه «الخديعة الكبرى» مُتّهماً الحكومة الأمريكيّة بتدبير 11 أيلول/سبتمبر وصناعتها داخليّاً!
النتائج الآن على الأرض دولٌ مفكّكة، وهذا يخدم هدفاً حيويّاً آخر للسياسة الأمريكيّة هو ضمان وجود إسرائيل واستمراريّتها، أقرب نموذج لهذا النموذج البائس هو نموذج دول أمريكا اللاتينيّة، هناك بدأ الأمريكان مسلسلهم الشرّيرفي تحطيم الدول وإشغالها في الصراعات الداخليّة،لا بل والثورات ايضاً، وقسّمتها أمّا إلى حدائق موز خلفيّة، أو تحت سيطرة مافيات المخدّرات مثل كولومبيا، أو دول ثوريّة فاشلة اقتصاديّاً ككوبا وفنزويلا وأخرى فاشلة سياسيّاً كالبرازيل والمكسيك!
وهكذا استلهم الأمريكيّون تجربتهم القديمة في أمريكا اللاتينيّة وتجربتهم الجديدة في العالم الإسلامي وابتدعوا ما أطلقوا عليه اسم»الفوضى الخلاّقة» وأدخلونا في دوّامتها، مستتثمرين عوامل الساحة الداخليّة الّتي خبروها جيّداً عن قرب في أفغانستان وإيران، وأعقبوها باحتلال العراق ونجحوا في حبسها داخل وضعٍ راهنٍ بائس، مستغليّن العامل الطائفي، الأمر الّذي لاقى هوىً لدى السياسة الإيرانيّة.
وهكذا مدّت تجربتها بتواطؤ إيراني إلى سوريا، لا بل واليمن أيضاً، ومضت في مسلسل إيجاد الشيء ونقيضه حتّى لا ينفرد أحدٌ بالساحة، ويدوم أوار الصراع، وهو الهدف الأصلي للسياسة الأمريكيّة!
فهل ستحصد أمريكا وإسرائيل، حُلو الثمار من وراء هذه السياسات؟!
تنسى أمريكا وإسرائيل إنّ الوعي الجمعي للأمم والشعوب يتبدّل، وينضج على نار الأحداث وأنّه لا يمكن لقوى ًبدون حواضن جماهيريّة أن تستمر، وأنّ وعي الأمم وإراداتها هي من سيحكم في النهاية، كما تنسى أيضاً أنّ الكلف الباهظة للمعارك الكونيّة تقود الدول إلى الانهيار، كما قادت روما وفارس والإسكندر الأكبر المقدوني، كُلٌ إلى نهايته المحتومة!
لا ننسى أيضاً أنّ الحلف الأمريكي الإيراني له ركائزه التاريخيّة فهو قائمٌ على رهاب التاريخ، فوريثُ روما وفارس لم يكن إلا الإسلام العربي، إسلام محمّد (ص) الّذي تخشاه روما الجديدة بقدر ما تخشاه فارس الجديدة، المشحونة بالنّفس القومي، وإنْ التفّت بعباءة الإسلام وهي على أيّة حال عباءة مُثقّبة لأنّها عباءة مذهبيّة وضيّقة وقابلة للتأويل! ولا تتسع إلا للروح القوميّة المموّهة بالدّين!
نقطة ضعف الأمريكان انّهم لا يقرأون التاريخ ولا يستفتونه، لا بل ولا يتّعظون منه، ولذا فإنّ نهاية روما الجديدة،هي وراء الباب وأنّ الوريث الشرعي الوحيد هو من ورث روما وفارس من قبل!

نزار حسين راشد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية