علينا أن نعترف بأن القصة العربية القصيرة بحاجة إلى بلاغة جديدة، تقوم على رؤية جديدة للشكل والمضمون، تطور وتعدل الوضع الحالي لطريقة تصور أساسيات كتابة القصة القصيرة لدى كتابها في الوطن العربي. فعندما تقرأ ما يسمى بفن القصص القصيرة، فهذا يعني أن تقرأ لقصص قصيرة الطول والنفس الكتابي، فعددها لا يتجاوز بشكل عام 1000 كلمة، إن لم يكن أقل، أو أكثر بقليل، بأفكار مجردة، وأماكن وأزمنة فاقدة الملمح والدلالة، والإشارة المرجعية المنتمية لهوية المكان والزمان المنبثقة من خلاله، والمحكومة بظروفهما، بلغة مكثفة استعارية لحد الغموض، الذي لا يشف عن شيء، أو الصراحة والمباشرة التقريرية العادية، وعرض يميل للوصف من دون تحكم بالسرد والحبكة بشكل جيد، قادرة على التشويق، أو تكون لقطات لأفكار بسيطة خالية من القيمة الفكرية العالية. وبالطبع هذا لا ينفي وجود عدد لا بأس به من كتاب القصة المتميزين والمحترفين في الوطن العربي والخليج العربي، كما أنني أستثني في حديثي هذا فن القصة القصيرة جدا، أو ما يسمى بـ»الشذرة» التي تنطلق من معايير جمالية خاصة بها تغاير بقية الأجناس السردية، وتتفق معها في الانطلاق من قضية الإنسان بأسلوبها الجديد بؤرة لتكثيف الإحساس بمعاناته المعاصرة.
أما مجموعة «الضوء الخفي للأشياء» لأستاذة الأدب الإنكليزي بجامعة الكويت مي النقيب، الحاصلة على جائزة مهرجان إدنبره للكتاب 2014، فهي ذات بلاغة مغايرة ترتبط بفضاء ثقافي غربي من حيث الأسلوب الكتابي والوسيط اللغوي المكتوبة به، اللغة الإنكليزية، مع طريقة تصور ومقاربة الأشياء التي هي غربية أيضا، أو بمعنى أدق عالمية إنسانية مشتركة، مستفيدة من طرق التفكير الغربية في مقاربة الموضوعات، مع بقاء الموضوعات لصيقة بالبيئة المحلية في الكويت، وبقية الوطن العربي، مثل الأردن وفلسطين. أول هذه السمات المميزة لها، هي الفضاء الكتابي الخصب والمتسع لعدد من الصفحات، فعلى الرغم من أنني لم أطلع على النسخة الورقية من المجموعة، إلا أن طول القصص واضح من خلال مدة القراءة للنسخة الإلكترونية، فكل قصة تقريبا تتراوح مدة قراءتها بين ساعة إلى ساعة ونصف الساعة، كما هو موضح ببرنامج « Kindle». وهنا أنا لا أنتصر لكثرة عدد الصفحات، لمجرد فكرة طول القصة، ولكنني مع أن يكون النص غنيا بالتفاصيل المتعددة، التي تمكننا من فهم أكثر للنص، وخصب الدلالات الاجتماعية والنفسية والتاريخية والإنسانية الفاتحة لأفق متعددة للقراءة، تحاكي أكثر من قارئ للنص. من جانب آخر، تتميز المجموعة القصصية بفنيتها السردية العالية، وتقنيات سردية متعددة، تبتعد عن السرد المألوف والعادي، مثل استخدام ضمائر سردية متعددة، وتقنية الرسائل، في قصة «طابع الفيل» المتبادلة بين الجد وحفيده، وضمير المتكلم في تقديم وجهة النظر الشخصية للسارد من خلال استخدامه المتقن في قصة «اللعب بالمتفجرات»، إضافة إلى العناوين المتميزة والمشوقة: «المذكرات»، «الضوء الخفي للأشياء»، «التفاح الصيني»، «صندوق أمريكا»، «ملفات الثلج»، فهي عناوين لافتة للنظر، وفي الوقت نفسه تحمل البعد الكوني بدلالتها السيميائية مثل أمريكا والصين.
وفي تعمق أكثر في مضامين القصص، سنجدها مكثفة التركيز على البعد الكوني، مع التركيز على خصوصية كل مكان، مثل الثقافة الشعبية الكويتية، في قصة «الضوء الخفي للأشياء»، واستدعاء مقتنيات الماضي كاللؤلؤ، وأيام الغوص، وفي قصة «اللعب في المتفجرات» استدعاء البرتقال كمتعلق من متعلقات البيئة الفلسطينية. فهنا لم يكن البعد الكوني مدعاة لنسيان خصوصية المكان بقدر ما كان غوصا عميقا في خصوصية كل مكان، واستعارة ملامح المكان لنص القصة، ورصدها في النص الذي يقوم بالوفاء لمرجعياته.
تقنية التناص برزت في المجموعة بشكل وظيفي مهم، فقام النص الجديد بالاستعارة من نصوص وخبرات الماضي، مثل التناص مع قصص «كليلة ودمنة» في قصة «طابع الفيل»، فبعد رحيل آدم، وزوجته نادرة من لبنان بعد الحرب اللبنانية الأهلية، للكويت التي بدأت بالنمو والتوجه إلى المدنية، والعمل في الخطوط الجوية، لتكون صورة الشخصية المعاصرة المرتحلة من أجل ظروف إنسانية أفضل، بعدما كانت لبنان وبيروت تحديدا من أجمل مدن العالم العربي، مشابهة لرحلة أبطال كليلة ودمنة لابن المقفع، فبعد أن يناقش السارد أصل «كليلة ودمنة»، ويرجح أنها لا تحتفظ بأصل واحد، بل أن أصلها عالمي، يبين أن هناك فهما مشتركا عالميا لها:
«كليلة ودمنة، رغم إنها مكتوبة باللغة الإنكليزية، أعطت نادر فهما لعالم واسع مفتوح، ودورا يستطيع الخيال أن يلعبه في تشكيل هذا العالم».
التناص لم يلعب دور التذكر الاعتباطي هنا، من باب معرفة هذه الأعمال، بل ذهب إلى استلهام مغزى قصص وحكايات الماضي والحوار معها، وصوغ حكمة الزمن الحاضر، بناء على الخالد من روائع الماضي المتوارثة منذ أزمنة طويلة.
مضمونيا، المجموعة تقدم مستوى معرفيا وإنسانيا يقارب الواقع عبر خطابات تثير قضايا الراهن، لإشكاليات معاصرة جدا، بطريقة تفكير ومقاربات غربية، ناتجة عن استفادة الكاتبة من الأسئلة النقدية المعاصرة الغربية الخاصة بثيمات الهوية والذاكرة، والحروب، وآثارها على الإنسان مثلها مثل اهتمام البحث الثقافي الغربي في الهولوكوست وذاكرة الأجيال الشاهدة لهذه الأحداث المهولة وما بعدها، وبالطبع من الجانب العربي القضية الفلسطينية هي الجانب الآخر الذي يشغل الكثير من العقل النقدي الغربي في هذه الحقبة، ليس عن طريق أكاديميين عرب، أو من خلفيات عربية فقط، بل عن طريق أصوات إنسانية نقدية محايدة من بقاع شتى، تناولت الأدب الفلسطيني المعاصر بعين نقدية «ما بعد حداثية»، وهذه الموجة الما بعد حداثية بثيماتها «الهوية، والذاكرة، والجغرافيا والأقليات، والحروب»، أصبحت معيار التقييم في الجوائز العالمية: نوبل، البوكر بنسختيها الغربية والعربية، إضافة إلى جائزة ادنبره، مما يعني أن «الضوء الخفي للأشياء» متصلة بالأسئلة الكونية المعاصرة جدا، وهو أمر يحسب لها، إضافة إلى كون طريقة المقاربة طريقة فنية رصينة فصيحة فصاحة سردية، كما يطرح عبدالله إبراهيم، في ورقته النقدية المقامة على هامش نتائج البوكر العربية، بوصفه محكما للجائزة قرأ وخبر الكثير من الهنات السردية في السرد العربي المعاصر.
لو التفتنا إلى ثيمة الحرب في المجموعة، سنجد كلا من قصة «صندوق أمريكا»، وقصة «الضوء الخفي للأشياء» تسلطان الضوء على الحرب العراقية الكويتية بشكل مباشر وغير مباشر، فحياة الأبطال تتقاطع مع ذكرى الحرب، «صندوق أمريكا» يسجل علاقة فتاة سميت أمريكا بحرف (K) بدلا من (C)، كان سبب تسميتها هو مساعدة أمريكا في تحرير الكويت، ليبدأ عشق وولاء جديد لأمريكا، وتعلق بمتعلقات أمريكا بدءا من اللغة الإنكليزية ومجموعة من الأشياء الأمريكية الخاصة التي جمعتها الفتاة في الصندوق.
هوية المرأة ببعديها السياسي والاجتماعي كانت واحدة من القضايا المثارة في النص، كزوجة وعاشقة، وابنة، بدءا من دورها في المنظومة الاجتماعية، وزيها مثل إشكالية ارتداء النقاب وانتشار موجة العباءة بعد الغزو العراقي، تثير انتشار المد الديني والتيار المحافظ في الحقبة الأخيرة، وتثير عددا من الأسئلة الثقافية الملحة لهذا التراجع الثقافي في المجتمع المدني.
* كاتبة كويتية