النصي والصوري في التراث

حجم الخط
2

ارتبط الاهتمام بالكتابة العربية القديمة والحديث عنها، بالمخطوطات في جانبها النصي، لأن المقصد الجوهري كان، تحقيق النصوص بهدف تقديمها من خلال الطباعة من لدن المحققين والباحثين. لكن المخطوطات العربية لم تكن تخلو من مسحة فنية وجمالية.
إن صناعة الكتابة العربية وتقنياتها عرفت أصولا وفروعا، وأنواعا لا حصر لها من الخطوط والأشكال والرقوش، والتصاوير والتزاويق. كان الوراق والناسخ يتفننان في صناعة المخطوط وتزيينه وتغليفه أو تجليده. وترك العرب والمسلمون تراثا مهما في هذا الجانب، الذي استرعى انتباه المستشرقين وأولع به التجار والفنانون. لكن هذا المظهر الفني والجمالي لم يحظ بالاهتمام المناسب، إلا من قبل بعد المصنفين القدامى، الذين أفردوا له بابا يتناولون فيه صناعة الكتابة من هذه الناحية، ويقدم لنا القلقشندي في «صبح الأعشى» نموذجا لذلك.
سنسمي كل ما يتصل بهذا المظهر الجمالي للكتاب العربي، وما واكبه من تزيين النصوص وإخراجها بـ»المُناصات الصورية» ونعني بها كل ما كان يصاحب نص المخطوط من صور وأشكال، وما كان يزخر به من خطوط وتشكيلات وتزاويق.. لقد انشغل علماء الجمال والمهتمون بالفنون الجميلة والمعمار على وجه الخصوص، بهذه المُناصات الصورية في العصر الحديث، ولم يكن يهتم به مؤرخو الأدب ونقاده. لا يمكننا أن نلوم النقاد وباحثي الأدب والمحققين، على تهميشهم لهذه المناصات، لأن عملهم كان ينصب على النص من جهة أولى، كما أن استحالة الحصول على المخطوط من قبل الدارسين كانت تجعل إمكانية الاهتمام به بعيدة المنال من جهة أخرى. ومع ذلك فإننا نجد من بين المهتمين بالأدب بمعناه النصي من أفرد لهذه المناصات الصورية كتابا رائدا، بسبب معرفته الوثيقة وصلته بالمخطوطات التي كانت تتوفر عليها خزانته. إنه أحمد تيمور باشا في كتابه «فن التصوير عند العرب» الذي قدّمه في أوائل الأربعينيات زكي محمد حسن، الذي كان هو أيضا ممن اعتنى بالفنون الإسلامية والتصوير وأعلام المصورين في الإسلام منذ بدايات الثلاثينيات من القرن الماضي. وقد سار على النهج نفسه باحثون نذكر منهم على سبيل المثال عفيف بهنسي الذي ألف كتابا في «جمالية الفن العربي» (1979)، وأكرم قانصو الذي التفت إلى «التصوير الشعبي العربي».
يتبين لمتصفح بعض المخطوطات العربية، ومتابعة ما كتب عنها بخصوص ما يتصل بالمناصات الصورية، أن الكتابة العربية استثمرت مختلف الإمكانيات التي يتيحها استعمال الورق ونحوه والمداد والألوان، وأنها تألقت على مستوى الصناعة الكتابية، لكن الطباعة العربية من خلال علم التحقيق لم تهتم إلا بالنص، وأغفلت جماليات المخطوط، واستبدلتها بالإمكانات التي توفرها الطباعة، وإن لم ترق إلى تحويل تلك الجماليات إلى الكتاب المطبوع. لقد فرضت علينا الطباعة التعامل مع الكتاب العربي بالتركيز على الجانب النصي، وجعلتنا لا نلتفت إلى البعد الصوري الذي كان يصاحبه.

إن صناعة المخطوط في القديم كانت تتم وفق قواعد، وتخضع لتقنيات نظَّر لها القدماء، في مصنفات تعنى بـ»صناعة» الكتابة، تماما كما كانت «صناعة» الخطابة في الاستعمال الشفاهي، تخضع بدورها لقواعد معينة (باب العصا للجاحظ مثلا).

لكن الثورة الرقمية، وهي التي دفعت إلى إعطاء «الصورة» مكانة خاصة، حتى صارت من السمات التي يوصف بها العصر، تفرض علينا ونحن نفكر في ترقيم المدونة العربية الكبرى، ترهين الاهتمام بالصوري إلى جانب النصي. ولعل المبدعين ودارسي الأدب من أوائل من عليهم الاهتمام بإقامة الجسور بينهما، ربطا لحاضر الكتابة الرقمية بماضي الكتابة اليدوية. ويستدعي هذا تجديد علاقتنا بالصورة، وما يتصل بها من خلال الاهتمام بها، سواء عند العرب أو غيرهم من الشعوب، وفتح الدراسة الأدبية على الفنون الصورية.
إن ما تعلمه لنا الرقميات، وتفرضه علينا، وكذلك ما تعرفه متطلبات النص الرقمي مع الوسائط المترابطة، يدفعنا إلى إعادة النظر في النص العربي المخطوط، وقد صار بالإمكان الحصول عليه الآن، من خلال المكتبات الإلكترونية، عبر ربط العلاقة بين النص اللغوي ومناصاته المختلفة، والاهتمام بهما معا. ويمكن أن يكون هذا مدخلا لإعادة قراءة تراثنا قراءة جديدة، تسعفنا في إقامة الجسور بين نصوصنا القديمة، بهدف استثمار ما يمكننا استنباطه منها في «تشكيل» تصور جمالي ـ عربي يمكن أن يستفيد منه نصنا الرقمي، الذي نود إنتاجه، والذي بدأ يتجاور فيه النصي بالصوري والحركي والصوتي، وفق ما تمكننا منه الوسائط المترابطة.
إن صناعة المخطوط في القديم كانت تتم وفق قواعد، وتخضع لتقنيات نظَّر لها القدماء، في مصنفات تعنى بـ»صناعة» الكتابة، تماما كما كانت «صناعة» الخطابة في الاستعمال الشفاهي، تخضع بدورها لقواعد معينة (باب العصا للجاحظ مثلا). ويستدعي هذا تعاملنا مع «الصناعة الرقمية» بما يلزم من معرفة نظرية ودراية بشروطها وإمكاناتها، وممارسة ما توفره لنا من وسائل لإنتاج النص الرقمي العربي. ولعل ترهين صناعة الكتابة العربية كفيل بجعل مساهمتنا في صناعة «الرقامة» العربية تحمل الكثير من الخصائص الجمالية العربية. لقد انشغل المهتمون المحدثون بالفنون الجميلة، والتشكيل بصناعة الكتابة العربية القديمة. كما أن المصممين اعتنوا بكل ما يتصل بالرقامة لإنتاج النص الرقمي. إن وصل العلاقة بين «الكتابة» و»التصميم» من لدن المهتمين بالأدب، إبداعا ودراسة، مدخل ضروري لإنتاج النص الرقمي بالمواصفات الجمالية العربية، وشرط أساسي للدراسة الأدبية العربية الرقمية.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية