نيويورك تايمز: كيف سيطرت الدول الغنية والنزعة القومية على لقاحات كوفيد- 19؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا للصحافيين سلام غبركيدان ومات أبوزو قالا فيه إن براءة لاختراع عمره خمسة أعوام ستصدر قريبا. وهو إنجاز هندسي جزيئي يقع في قلب خمس لقاحات رئيسية على الأقل لكوفيدـ 19 وستتحكم الحكومة الأمريكية في براءة الاختراع هذه.

ويرى البعض أن براءة الاختراع الجديدة ستوفر فرصة أفضل لممارسة النفوذ على شركات الأدوية المنتجة للقاحات والضغط عليها لتوسيع حصول البلدان الأقل ثراء على اللقاحات. والسؤال هو ما إذا كانت الحكومة ستفعل شيئا.

وتقول الصحيفة إن عمليات تطوير اللقاحات لمواجهة كوفيد-19 تتم وبسرعة قياسية وبتمويل عام ضخم في أمريكا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا تعتبر في حد ذاتها انتصارا كبيرا في فترة الوباء.

فقد دخلت الحكومات في شراكة مع صانعي الأدوية وضخت مليارات الدولارات لشراء المواد الخام وتمويل التجارب السريرية وتعديل المصانع وتم تخصيص مليارات أخرى لشراء المنتج النهائي.

إلا أن هذا النجاح الغربي تسبب بظلم صارخ، حيث تلقى سكان البلدان الغنية والمتوسطة الدخل حوالي 90% من حوالي 400 مليون لقاح تم تسليمها حتى الآن. وعلى هذا المنوال ستضطر العديد من الدول المتبقية إلى الانتظار سنوات.

تلقى سكان البلدان الغنية والمتوسطة الدخل حوالي 90% من حوالي 400 مليون لقاح تم تسليمها حتى الآن. وعلى هذا المنوال ستضطر العديد من الدول المتبقية إلى الانتظار سنوات

لكل هذا، جرت دعوات من عدد متزايد من مسؤولي الصحة وجماعات الدفاع عن الصحة العامة في جميع أنحاء العالم للحكومات الغربية كي تستخدم نفوذها – الذي نادرا ما استخدم أو لم يستخدم من قبل – لإجبار الشركات على نشر وصفات اللقاحات ومشاركة خبرتها وتكثيف التصنيع. والتمس المدافعون عن الصحة العامة المساعدة، بما في ذلك مطالبة إدارة بايدن باستخدام براءة اختراعها للضغط من أجل توسيع مجال وصول اللقاح إلى أمكنة عدة في العالم.

إلا أن الحكومات قاومت ذلك، فمن خلال الشراكة مع شركات الأدوية، واشترى القادة الغربيون حاجتهم من جرعات اللقاحات. لكنهم تجاهلوا أيضا سنوات من التحذيرات -والدعوات الصريحة من منظمة الصحة العالمية – لتضمين لغة العقد التي من شأنها أن تضمن الجرعات للبلدان الفقيرة أو تشجع الشركات على مشاركة معارفها وبراءات الاختراع التي تتحكم فيها.

وقال غريغ غونسالفيس، عالم الأوبئة بجامعة ييل: “كان مثل الزحام على شراء ورق التواليت، حيث كان لسان حال الجميع (ابتعد عن طريقي، أريد آخر مجموعة من ورق التواليت) لقد تسابقنا حاليا للحصول على الجرعات”.

وترى الصحيفة أن احتمال انتظار مليارات الأشخاص سنوات لتلقي التطعيم يشكل تهديدا صحيا حتى لأغنى البلدان. وبريطانيا واحدة من الأمثلة، حيث كان إطلاق اللقاح قويا ثم تتبع مسؤولو الصحة سلالة جديدة من الفيروس ظهرت في جنوب إفريقيا حيث تغطية اللقاح ضعيفة. وقد تكون هذه السلالة سببا في إضعاف فائدة اللقاحات، مما يعني أنه حتى الأشخاص الذين تم تطعيمهم قد يصابون.

يقول مسؤولو الصحة الغربيون إنهم لم يقصدوا أبدا استبعاد الآخرين. ولكن مع مواجهة بلدانهم أعدادا هائلة من الوفيات بسبب الفيروس، كان التركيز على الداخل. وقالوا إن مشاركة براءات الاختراع لم تناقش قط.

ويقول مسؤولو الصحة الغربيون إنهم لم يقصدوا أبدا استبعاد الآخرين. ولكن مع مواجهة بلدانهم أعدادا هائلة من الوفيات بسبب الفيروس، كان التركيز على الداخل. وقالوا إن مشاركة براءات الاختراع لم تناقش قط.

ونقلت الصحيفة عن منصف السلاوي، الذي كان كبير المستشارين العلميين لعملية “سرعة الالتفاف”، وهو برنامج أطلقته إدارة دونالد ترامب لتمويل البحث عن لقاحات في أمريكا: “لقد كان ذلك تمحورا أمريكيا حول النفس. لم تكن هناك معاداة لبقية العالم.. واتفق الجميع على أن جرعات اللقاح ستذهب إلى أماكن أخرى، بمجرد توفيرها لأمريكا”.

ومن هنا تردد الرئيس بايدن وأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية في تغيير المسار. وعد بايدن بمساعدة شركة هندية على إنتاج حوالي مليار جرعة بنهاية عام 2022، وقد تبرعت إدارته بجرعات للمكسيك وكندا. لكنه أوضح أن تركيزه على الوطن. وقال بايدن مؤخرا: “سنبدأ في التأكد من رعاية الأمريكيين أولا، لكننا سنحاول بعد ذلك مساعدة بقية العالم”.

وقد ينظر إلى الضغط على الشركات لمشاركة براءات الاختراع على أنه تقويض للابتكار أو تخريب لشركات صناعة الأدوية أو افتعال معارك طويلة ومكلفة مع الشركات ذاتها التي تبحث عن مخرج من الوباء. وبينما تكافح الدول الغنية للحفاظ على الأشياء كما هي، نقلت دول أخرى مثل جنوب إفريقيا والهند المعركة إلى منظمة التجارة العالمية، سعيا وراء التنازل عن قيود براءات الاختراع الخاصة بلقاحات كوفيد-19.

وفي الوقت نفسه وعدت كل من روسيا والصين بملء الفراغ كجزء من دبلوماسية اللقاح. على سبيل المثال، دخل معهد الجمالية في موسكو في شراكات مع منتجين من كازاخستان إلى كوريا الجنوبية، وفقا لبيانات من شركة Airfinity، وهي شركة تحليلات علمية، ومنظمة اليونيسف. توصلت شركات تصنيع اللقاحات الصينية إلى صفقات مماثلة في الإمارات والبرازيل وإندونيسيا.

ومع ذلك لن تحل مشكلة البراءات اختلال التوازن في اللقاح. وسيستغرق تحديث أو بناء المصانع وقتا. كما يجب تصنيع المزيد من المواد الخام. كما سيتعين على المنظمين المصادقة على خطوط الانتاج الجديدة. وكما هو الحال مع طهي طبق معقد، فإن إعطاء شخص ما قائمة بالمكونات ليس بديلا عن توضيح كيفية صنعه.

ولمعالجة هذه المشاكل، أنشأت منظمة الصحة العالمية مجمعا تكنولوجيا العام الماضي لتشجيع الشركات على تبادل المعرفة مع الشركات المصنعة في الدول ذات الدخل المنخفض، ولكن لم تشترك أي شركة لقاح في المجمع.

وقال جيمس لوف، الذي يقود مؤسسة توصيل المعرفة الدولية (نوليدج إيكولوجي إنترناشونال)، وهي منظمة غير ربحية: “المشكلة هي أن الشركات لا تريد أن تفعل ذلك.. والحكومة ليست صارمة بما يكفي مع الشركات”.

وقال مسؤولون تنفيذيون في شركات الأدوية للمشرعين الأوروبيين مؤخرا، إنهم يقومون بمنح تراخيص للقاحاتهم في أسرع ما يمكن، لكن العثور على شركاء يمتلكون التكنولوجيا المناسبة كان أمرا صعبا. وقال ستيفان بانسل، الرئيس التنفيذي لشركة موديرنا: “ليس لديهم المعدات ولا توجد لديهم الطاقة الانتاجية”.

لكن المصنعين من كندا إلى بنغلاديش يقولون إنهم يستطيعون صنع لقاحات، ولكنهم يفتقرون فقط إلى اتفاقيات الترخيص. عندما يكون السعر مناسبا، تشارك الشركات الأسرار مع الشركات المصنعة الجديدة في غضون أشهر فقط، ويكثفون الإنتاج وتعديل المصانع.

ومما قد يساعد عندما تقوم الحكومة بجعل الصفقة مغرية. ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعلن بايدن أن شركة الأدوية العملاقة ميريك ستساعد في صنع لقاحات لمنافستها جونسون آند جونسون. وضغطت الحكومة على شركة جونسون أند جونسون لقبول المساعدة مستخدمة صلاحيات الشراء في زمن الحرب لتأمين الإمدادات للشركة. وستدفع أيضا لتعديل خط إنتاج شركة ميريك، محاولة توفير اللقاحات لكل شخص بالغ في أمريكا بحلول شهر أيار/ مايو.

على الرغم من التمويل الحكومي الضخم، تتحكم شركات الأدوية في جميع حقوق الملكية الفكرية تقريبا وتستعد لجني ثروات من اللقاحات. وهناك استثناء مهم هو أنه من المتوقع الموافقة على براءة اختراع قريبا – وهو اكتشاف قادته الحكومة لتعديل بروتين رئيسي لفيروس كورونا. وجاء هذا الاختراق الذي يقع في قلب سباق 2020 للقاح قبل سنوات في مختبر المعاهد الوطنية للصحة، حيث كان العالم الأمريكي الدكتور بارني غراهام يسعى لتحقيق طفرة طبية.

ولسنوات، تخصص الدكتور غراهام في هذا النوع من الأبحاث الطويلة والمكلفة التي تستطيع الحكومات فقط تمويلها. لقد بحث عن مفتاح لإنتاج لقاحات عامة، مخططات جينية لاستخدامها ضد أي من حوالي عشرين عائلة فيروسية تصيب البشر. فعندما يظهر فيروس جديد، يمكن للعلماء ببساطة تعديل الشيفرة وصنع لقاح بسرعة.

في عام 2016، أثناء العمل على متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (أم إي أر أس) ، وهي فيروس كورونا (تاجي) آخر، حيث طور هو وزملاؤه طريقة لمبادلة زوج من الأحماض الأمينية في بروتين سبايك لفيروس كورونا. وأدركوا أنه يمكن استخدام هذا الجزء من الهندسة الجزيئية لتطوير لقاحات فعالة ضد أي فيروس كورونا. تقدمت الحكومة، إلى جانب شركائها في كلية دارتموث ومعهد سكريبس للأبحاث، بطلب للحصول على براءة اختراع، والذي سيصدر هذا الشهر. وعندما نشر العلماء الصينيون الشفرة الجينية لفيروس كورونا الجديد في يناير 2020، كان فريق الدكتور غراهام قد جهز كتاب الطبخ الخاص بهم.

قال جيسون ماكليلان، أحد المخترعين، والذي يعمل الآن في جامعة تكساس في أوستن: “لقد عرفنا نوعا ما بالضبط ما يتعين علينا القيام به.. لقد قمنا بكل شيء أصلا”.

كان الدكتور غراهام يعمل مع شركة موديرنا على لقاح لفيروس آخر عندما ألهم تفشي المرض في الصين فريقه لتحويل اهتمامهم. ويتذكر الدكتور غراهام: “لقد تحولت الجهود إلى فيروس كورونا وقلنا لأنفسنا ما السرعة التي يمكن أن نذهب بها؟”.

وخلال أيام قليلة، أرسلوا المخطط الجيني للقاح عبر البريد الإلكتروني إلى شركة موديرنا لبدء التصنيع. بحلول أواخر فبراير، أنتجت موديرنا ما يكفي من اللقاحات للتجارب السريرية التي تديرها الحكومة.

وقال الدكتور غراهام: “قمنا بإعداد الواجهة الأمامية. وهم (موديرنا) أعدوا الوسط ونحن جهزنا الواجهة الخلفية”.

إن تحديد من يحمل براءة اختراع أي لقاح لن يتم لشهور أو سنوات. ولكن من الواضح الآن أن العديد من لقاحات اليوم، بما في ذلك لقاحات موديرنا، وجونسون آند جونسون، ونوفافاكس، وكيور فاك، وفايزر- بيو أن تيك- تعتمد على اختراع عام 2016. من بين هؤلاء، دفعت شركة بيو ان تيك فقط الحكومة الأمريكية لترخيص التكنولوجيا. ومن المقرر إصدار براءة الاختراع في 30 آذار/ مارس.

يقول محامو براءات الاختراع ودعاة الصحة العامة إنه من المحتمل أن يتعين على الشركات الأخرى إما التفاوض بشأن اتفاقية ترخيص مع الحكومة، أو مواجهة احتمال رفع دعوى قضائية بمليارات الدولارات. وكانت الحكومة قد رفعت دعوى قضائية من هذا القبيل في عام 2019 ضد شركة الأدوية غيلياد ساينس بخصوص أدوية فيروس نقص المناعة البشرية.

وقال كريستوفر مورتن، أستاذ القانون بجامعة نيويورك والمتخصص في براءات الاختراع الطبية، إن هذا يمنح إدارة بايدن نفوذا لإجبار الشركات على مشاركة التكنولوجيا وتوسيع الإنتاج في جميع أنحاء العالم.

وقال إنه يمكن للحكومة أن تقول لتلك الشركات: “يمكننا أن نفعل ذلك بالطريقة الصعبة، حيث نقاضيكم بتهمة التعدي على براءات الاختراع.. أو تعاملوا معنا بشكل جيد وقوموا بترخيص تقنياتكم”.

ورفضت المعاهد الوطنية للصحة التعليق على مناقشاتها مع شركات الأدوية لكنها قالت إنها لا تتوقع نزاعا بشأن التعدي على براءات الاختراع. لم ترد أي من شركات الأدوية على الأسئلة المتكررة حول براءة الاختراع لعام 2016.

وتتوقع شركة موديرنا مبيعات لقاحات بقيمة 18.4 مليار دولار هذا العام، لكن نظام التوصيل -مشغل الكاسيت- هو أكثر أسرارها قيمة. قد يعني الكشف عن ذلك التخلي عن مفتاح مستقبل الشركة. وبحلول الربيع الماضي، مع وجود لقاح موديرنا في تجاربها الأولى، أصبح علم اللقاح بوضوح منافسة قومية. انضم قادة العالم إلى منظمة الصحة العالمية في نيسان/ أبريل لجمع 8 مليارات دولار للقاحات والاختبارات والعلاجات لكوفيد-19 ولكن الصين وأمريكا كانتا غائبتين بشكل ملحوظ.

وفي أيار/ مايو، دعا قادة باكستان وغانا وجنوب إفريقيا ودول أخرى الحكومات إلى دعم “لقاح الشعب” يمكن تصنيعه بسرعة وتقديمه مجانا.

وحثوا الهيئة الإدارية لمنظمة الصحة العالمية على التعامل مع اللقاحات باعتبارها “منافع عامة عالمية”.

على الرغم من أن مثل هذا الإعلان لم يتمتع بنفوذ، تحركت إدارة ترامب بسرعة لحظره. عازمة على حماية الملكية الفكرية، وقالت الحكومة إن الدعوات للوصول العادل إلى اللقاحات والعلاجات ترسل “رسالة خاطئة للمبتكرين”.

وافق زعماء العالم في نهاية المطاف على إعلان مخفف اعترف بالتلقيح على نطاق واسع – وليس اللقاحات نفسها – باعتباره منفعة عامة عالمية. في نفس الشهر، أطلقت منظمة الصحة العالمية مجمع الوصول إلى التكنولوجيا ودعت الحكومات إلى تضمين بنود في عقود الأدوية الخاصة بها لضمان التوزيع العادل. لكن أغنى دول العالم تجاهلت هذه الدعوة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية