تعز ـ «القدس العربي»: تباينت الآراء في الوسط السياسي اليمني حيال المبادرة السعودية لوقف إطلاق النار في اليمن، التي أعلنتها الرياض، أمس الأول، بين مؤيد ومعارض وعدم مكترث بمضمونها، لاعتقادهم بأنها مجرد (حبر على ورق) أسوة باتفاق الرياض، الذي لم ينفذ منه شيء على أرض الواقع لحل المشكلة السياسية في الجنوب.
وفي حين يرى قطاع واسع من النخبة اليمنية أن المبادرة السعودية لوقف الحرب، تعد بداية الطريق لوقف الحرب والبدء في مسار السلام، بعد حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس لأكثر من ست سنوات، يرى البعض الآخر أنها ليست سوى نسخة من المبادرة الأمريكية التي حملها المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، تيموثي ليندركينغ، وأخرجتها الرياض إلى النور للتنصل من مسؤوليتها تجاه هذه الحرب في اليمن.
«لن تغير شيئاً»
ويعتقد البعض أن هذه المبادرة السعودية لن تغير شيئاً على أرض الواقع، وبالتالي لم يعيروها اهتمامهم، لأنها في نظرهم ليست سوى (حبر على ورق) نتيجة لتجارب ومبادرات سابقة.
وفي الوقت الذي يطرح التحالف العربي بقيادة السعودية أن الحرب في اليمن هي حرب بين الحكومة الشرعية والانقلابيين الحوثيين، بينما التحالف العربي مجرد تدخل خارجي لاستعادة الشرعية، خرجت السعودية بمبادرتها لوقف إطلاق النار، وأظهرت الحكومة الشرعية وكأنها مجرد (كومبارس) وعززت الطرح الحوثي أن الحرب في اليمن هي بين (السعودية واليمن) الذين يمثلهم الحوثيون، وكان إخراج هذه المبادرة بهذه الطريق قاصمة لظهر الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً وتطالب بالدعم الدولي لإعادة بسط نفوذها على كامل التراب اليمني، بعد أن سيطرت ميليشيا الحوثي على نحو 20 من مساحة اليمن، وهي الأكثر كثافة سكانياً في البلاد.
يضاف إلى ذلك أن هناك اعتراضاً شعبياً واضحاً في اليمن على مضامين هذه المبادرة السعودية لأنها اقتصرت على الاستجابة لمطالب جماعة الحوثي فقط، وبالذات ما يتعلق بالوضع الإنساني، بالموافقة على استئناف حركة الطيران المدني من وإلى مطار صنعاء الدولي الواقع تحت سيطرة الحوثيين، وكذا ميناء الحديدة البحري على البحر الأحمر، غربي اليمن، فيما تجاهلت المبادرة السعودية تماماً الوضع الإنساني في الجنوب، الذي تسيطر عليه ميليشيا المجلس الانتقالي التابعة لدولة الإمارات، والتي ما زالت تغلق مطار الريان، في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، وهو ثالث أكبر وأهم مطار جوي يمني بعد مطاري صنعاء وعدن.
وقال رئيس مركز «أبعاد» للدراسات والبحوث، عبد السلام محمد، إن «المبادرة السعودية هي حجة تقام على الحوثيين في وقت تراجعهم وليس ذروة قوتهم، وهذا ما يميزها، لكن قبولها من قبل الشرعية من عدمه يجب أن يأتي من الميدان من الجيش على الأرض، لأننا أمام جماعة مسلحة ويجب أن يكون غطاؤنا في هذا الظرف عسكرياً لا سياسياً».
«إحراق أوراق الحوثي»
أما الكاتب السياسي المؤتمري، كامل الخوذاني، فاعتبر أن «بهذه المبادرة تحرق السعودية آخر أوراق مليشيا الحوثي أمام المجتمع الدولي، إما يلتقطها وإلا يبشر بعدها بدعس على أصوله».
وأوضح أن «الورقة الإنسانية التي يتذرع بها الحوثيون سقطت، فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، وأن الكرة حالياً في ملعب السفير الإيراني في صنعاء. ولأن الأخير لا تعنيه اليمن ولا اليمنيين وليست إلا ملفاً من ملفات الضغط لخدمة مصالح الملالي، لن يوافق على مبادرة المملكة، ولهذا النتيجة متوقعة سلفاً وسوف يرفضها الحوثيون، لا خيار غير الحسم العسكري».
في السياق، ذكر عضو اللجنة العامة في حزب المؤتمر الشعبي العام، عادل الشجاع، «مما لا شك فيه أن أي حرب لا بد أن تنتهي بتسوية سياسية، والمبادرة الأمريكية التي قدمت باسم السعودية لن تنجز هذه التسوية لعدة أسباب، منها: أن السعودية طرف في الصراع وليست وسيطاً حتى تقدم مبادرة، السعودية قادت تحالفاً عربياً أطلقت عليه تحالف دعم الشرعية وحددت هدفها باستعادة الشرعية وهزيمة إيران في اليمن، واليوم تتبنى المبادرة الأمريكية وسفيرها في الرياض والسفير الإيراني في صنعاء». وتساءل: «إذا لم تكن عودة الشرعية إلى اليمن أولوية للسعودية أو مبرراً للحرب، فما هو المبرر إذن؟».
الرد الحوثي
وعلّق رئيس اللجنة الثورية وعضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين محمد علي الحوثي، على المبادرة السعودية بقوله: «كنا منتظرين إعلان إيقاف إطلاق النار وفك الحصار من أمريكا والسعودية، وقبل ذلك إثبات الجدية في السلام بإدخال السفن المصرح بها إلى ميناء الحديدة وليس ما أسميتموه بالمبادرة».
وأوضح أن الرد الحوثي الرسمي على هذه المبادرة سيعلن في خطاب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي عشية 26 آذار/مارس الجاري، وهي الذكرى السادسة لانطلاق العمليات العسكرية للتحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن في 26 آذار/مارس 2015.
وقال: «سنستمع لخطاب القائد ورسالة الشعب، وسيحدد ملامح المرحلة وتطورات الأوضاع ويضع النقاط على الحروف، ولدول العدوان أمضوا قدماً نحو السلام بخطوات عملية بعيداً عن الضجيج أو المراوغة فهو الخيار الأسلم. وغير ذلك، القائد حفظه الله من سيحدد الرد في المناسبة».
قصف مدنيين في مأرب
إلى ذلك، اتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية، الثلاثاء، جماعة الحوثي بشن «قصف عشوائي» على مناطق مدنية في محافظة مأرب وسط اليمن، شمل ذلك مخيمات للنازحين.
وقالت المنظمة (غير حكومية مقرها نيويورك)، في تقرير عبر موقعها الإلكتروني: «إن قوات الحوثيين تطلق عشوائياً قذائف مدفعية وصواريخ على مناطق مكتظة بالسكان في مأرب منذ فبراير/شباط الماضي؛ ما يسبب نزوحاً جماعياً ويفاقم الأزمة الإنسانية».
ونقل التقرير عن عمال إغاثة (لم يسمهم)، قولهم إن «نيران القصف المدفعي والأسلحة الثقيلة المباشرة من جانب الحوثيين أصابت عدة مخيمات للنازحين خلال فبراير، منها مخيمات (الزور) و(لفج الملح) و(ذنة الصوابين) و(ذنة الهيال) في شمالي وغربي مأرب».
وطالبت المنظمة، جماعة الحوثيين بوقف «الهجمات غير القانونية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى المدنيين المحاصرين (في مأرب) بسبب القتال».
وقالت أفراح ناصر، باحثة الشأن اليمني في «رايتس ووتش»: «ارتكبت قوات الحوثيين انتهاكات جسيمة وأظهرت تجاهلاً مروعاً لأمن وسلامة المدنيين طوال النزاع»، وفق التقرير.
وأضافت: «تُعرّض الهجمات العشوائية بالمدفعية والصواريخ، التي يشنها الحوثيون على مناطق مأهولة بالسكان في مأرب، النازحين والمجتمعات المحلية لخطر شديد».
وختمت ناصر قائلة: «هناك أزمة إنسانية هائلة في مأرب، وجهود المساعدات الدولية الحالية ليست كافية لمواجهة التحدي، وعلى الجهات المانحة بذل كل ما في وسعها لزيادة الدعم الإنساني في المحافظة والضغط على جميع الأطراف للالتزام بقوانين الحرب».
ومنذ 7 فبراير الماضي، صعد الحوثيون من هجماتهم في محافظة مأرب للسيطرة عليها؛ كونها أهم معاقل الحكومة اليمنية والمقر الرئيس لوزارة الدفاع، إضافة إلى تمتعها بثروات النفط والغاز.
وتحوي مدينة مأرب (مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته) أكثر من مليوني نازح، وفق تقارير حكومية، فيما تقول الأمم المتحدة إن المدينة تضم نحو مليون نازح.
ويشهد اليمن حرباً منذ نحو 7 سنوات، أودت بحياة 233 ألف شخص، وبات 80 بالمئة من السكان، البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعتمدون على الدعم والمساعدات، في أسوأ أزمة إنسانية بالعالم، وفق الأمم المتحدة.
وللنزاع امتدادات إقليمية؛ منذ مارس/آذار 2015، إذ ينفذ تحالف بقيادة الجارة السعودية، عمليات عسكرية دعماً للقوات الحكومية، في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، والمسيطرين على عدة محافظات، بينها العاصمة صنعاء.
مزيد من النزوح
وتحذر منظمات الإغاثة من أن استمرار القتال يهدد بمفاقمة الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم، وتسرع من الدفع باليمن نحو المجاعة.
وقد تشكل خسارة مأرب كارثة بالنسبة للمدنيين، بما في ذلك مليون نازح على الأقل لجأوا إلى هناك.
وأكد المجلس النروجي للاجئين، الثلاثاء، أن «مع دخول أسوأ أزمة إنسانية في العالم عامها السابع، قد ينزح 672 ألف شخص بحلول نهاية 2021 في حال استمرار مستويات العنف الحالية».
وحذر من أن «إذا استمر النزاع لن يكون أمام اليمنيين الذين يواجهون أصلاً أزمة إنسانية قصوى سوى أن يتوقعوا تدهور وضعهم أكثر».