يوم آخر وصباح آخر..
أستيقظ فيه مبكرة، غيم في السماء وغيم في القلب، أحضر القهوة، الكثير من القهوة، أفتح اللاب توب، أطوف بسرعة على المواقع الإلكترونية، يبدو لي العالم أكثر جنونا وتطرفاً من أي وقت مضى. أتوقف عند الأخبار التي تخص بلدي، ثمة حزن عميق يجتاحك كجرح، يلتصق بالروح، عزيز وغالٍ، كنور العين، كمهجة القلب، يترك فجوات في القلب لا تلتئم، ما أصعبه من ألم، ذلك هو حزن الوطن.
أترك فنجان القهوة الأخير، لأرشفه على مهل مع صديقتي، أنتظرها بشغف، تحدثني من الطرف الآخر، من دمشق. تشكو لي صديقتي هموم البلد، هي ليست هموماً، بقدر ما هي وجع شعب مقهور. هل هناك أسوأ من تسمية، شعب الطوابير، أو شعب الخيام، أو مأساة القرن؟ هل هناك أسوأ من شعب يعيش في العتمة والبرد والغلاء؟ ناهيك من طوابير الذل، بدءا من جرة الغاز ومئة ليتر المازوت، ورغيف الخبز المغشوش، مرورا بغربة الوجوه والقلوب، وإفراغ البلد القسري من وجوهها الأصلية، واستبدالها بوجوه غريبة وثقافة دخيلة، وليس انتهاء بالتسارع الوبائي الغريب، والعجز المريب، وارتفاع معدل ترمومتر الموت اليومي، والجنازات السريعة، التي تمضي لحتفها بدون وداع ومودعين.
لا وقت للعجب.. المشهد حقيقي جداً، ليس حلماً ولا قصيدة شعر، ولا حتى فيلماً خيالياً رديئاً. الأعجب، أنه ضمن هذا الجانب التراجيدي من المشهد، تبدو الصورة على الوجه الآخر، مغايرة تماما، أكثر تعقيدا وأكثر مخاتلة، تبدو فيها دمشق، مدينة لعوب تسهر حتى الصباح، تتغاوى بضحكات وهمهمات وهمسات مغوية، وتترنم بأكذوبة هزيلة الإخراج والمحتوى/ بدنا نعيش/ وتتغنج في ضجيج المولات والمقاهي والمطاعم والأسعار الكاوية، وتختنق بروادها المنتفخين ببهجة الأضواء، حتى أنك تكاد لا تجد لك فيها مكانا، فتمضي أو تقبع وحيدا، ترقب من بعيد ما يحدث، متسولاً بعضاً من رائحة فرح زائف.
تقول صديقتي..
الناس هنا تريد أن تعيش، لم يعد أي أمر آخر يعني شيئاً، لا يهم نوع الحياة، لا يهم إن كان حقيقياً أو زائفاً، معايير الكرامة انحدر ت إلى أدنى حد، فقد الزمن عمقه، أصبح مستويا أمامنا، نحن نعيش اليوم في ورطة حقيقية، نفتقد إلى الحد الأدنى لمقومات الحياة الطبيعية. هل هناك نمط عيش قادر على أن يحقق أو يرد لنا بعضا من إنسانيتنا المهدورة؟ سكت، دماغي في سجن مقفل، أضعت فيه المفتاح، فكرت بحزن، بحقيقة ما يجري على الأرض..
التحذيرات صارمة، والتهديدات جدية، والخوف زائر مقيم، لا وقت لديك لتتساءل عن جدواها، أو عدالتها، أو حتى صعوبتها، فأنت اليوم أكثر من أي وقت مضى تجري مع القطيع، لا يمكنك أن تغرد خارج السرب، لتضمن لك وجوداً آمناً، في هذا العالم المترنح. يتوجب علينا نحن السوريين، أن لا نستنكر ولا نتجاوز الخطوط الحمر، يتحتم علينا أن نتذكر كما علمونا، أن الحروب مهلكة للزرع والضرع، وأن على الشعوب تقديم القرابين ودفع الثمن، للاستمرار في العيش، لكن أي استمرار، وأي عيش؟ هذا الاستنكار خيانة، والتنمر كفر. يتوجب علينا أن نتذكر دائما وفقط، نظرية المؤامرة الأبدية والغرب الكافر، والأهم تجديد الإيمان وإثبات القناعة بنظرية القضاء والقدر، والرضا بالمكتوب وطاعة أولي الأمر. ربما نحتاج لكثير من المكر، والكثير الكثير من القهر، لممارسة سياسة الاختباء والتواري، والعيش في ظل نظرية الاحتماء الرمادية، الأكثر تداولاً الْيَوْمَ /بدنا نعيش/. نتلهى بتأويل أحلام، نتعكز عليها، لاستلهام عزاءات لا تفي بشيء. تحويل الموضوع إلى فضاء هائم، ليس فيه إلا فعل التنظير والاستنباط، والبحث والتأويل إلى ما شاء الله ، فإن أزحنا الستار قليلا، تراءى لنا بجلاء عالم مهول، يعوم على أكوام من الفساد والاحتيال والشركات الوهمية، والأسماء المريبة، يا لها من صورة سيريالية معقدة، لسوريا جديدة، ممزقة ما بعد الحرب. الأسوأ أنه ليس بإمكانك أن تبرر، لكن الأكثر سوءاً، أنه ليس بإمكانك أن تتهم أيضاً، فأنت لست بريئاً في الحالين، حالة مزدوجة معقدة، لن يستطيع فهمها إلا من عاش وذاق لوعة هذه الحياة البائسة في بلدنا المنكوب.
لا بد أنها القدرة الإلهية وحدها، ما زالت قادرة على حماية بلد، يمضي فيه الإنسان نابشا عن لقمة عيش، يخطفها من أنياب القهر، والمرض، والغلاء والتضخم الاقتصادي، والكلام ببلاش، بلد مجروح باستعلاء عالم أدار ظهره له، وتركه وحيدا يواجه مصيره، فأنت غير محمي، إلا بسلاحك الخشبي، تواجه به طواحين الهواء، العجيب في الأمر أننا نحن السوريين، ما بين المسافة العالقة، بين الحزن والقهر، والحب والتمني، ما زلنا نملك هذا الشيء الآسر، رفاهية الحنين واجتراح الذكريات، نلملم الحكايا، نطوّع الدموع، نحفظ التواريخ، نربطها بذكرى غابرة، أو أملاً يلوح، وهذا بحد ذاته نسمة مهفهفة، تداهمك وأنت في غربتك، سواء كنت داخل الوطن أو خارجه، وهو ابتداع جديد، فرضه الحزن السوري.