دلالة الأشياء في قصة شيء لا يذهب لغسان كنفاني

حجم الخط
0

عبد اللطيف محفوظ

مدخل عام: عن الإطار النظري تندرج قراءة قصة شيء لا يذهب في نسق قراءات النصوص السردية التي أخذت مؤخرا في نشر بعضها (1). وهي قراءات مؤسسة علي منهجية صادرة عن فهم مخصوص لنظرية التدلال (السميوزيس) اللامحدود ذات المرجعية البورسية (شارل ساندرس بورس)، ومطبقة علي بنيات أو مكونات نصية جزئية تبدو قادرة علي كشف البعدين الجمالي والدلالي للنص موضوع التحليل. وبما أنه سبق لي أن قدمت في أبحاث سابقة الخلفيات النظرية التي تحكم تحليلاتي (2)، فإنني سأمضي مباشرة إلي قراءة هذه القصة، انطلاقا من تحليل وظيفة الأشياء في السيرورة السردية والدلالية. وسيتم الاقتصار علي شيء واحد هو الكتاب. لكن قبل الشروع في التحليل لا بد، من أجل تسهيل التواصل مع القارئ. وأيضا من أجل تأسيس أرضية للتحليل، من اختزال القصة إلي حكاية مقلصة تعبر عن كل مقاطعها المظهرة: 1 ـ حكاية القصة: إن كل مشتغل بالسيميائيات ذات المنحي الدلالي، يدرك الصعوبات الجمة التي تعترض الاختزال الذي يجريه المحلل علي النص المتمظهر. وذلك لأن فعل الاختزال، وهو يحين، يحقق مجموعة من السيرورات الذهنية المتعددة، التي تدغم بشكل مسبق السيرورات المتحكمة في التحليل نفسه. ولهذا أقر أن حكاية القصة التي سأقدمها الآن هي خلاصة فهمي الخاص، وهي علي وجه الدقة نهاية لسيرورتي التأويلية الذهنية للقصة، والتي بناء عليها سأوجه التحليل: لقد بدا لي النص مؤسسا علي حكاية يمتد حاضرها علي امتداد ساعات معدودات، هي أقل بكثير من الفترة التي كان يستغرقها القطار بين 1951و1953 من عبدان إلي طهران. لأن السارد يتوقف عن الحكي قبل وصول القطار إلي طهران. وقد امتلأت ساعات السفر تلك بنشاط الذاكرة، التي ظلت تستعيد ثماني سنوات من حياة السارد الذاتي الذي يدعي خيري. ويبدو أن مشروع السفر الذي تبلور في الكويت، هو تلبية لدوافع نفسية تجد مبرراتها في حقبة من الماضي المتحقق قبل ثماني سنوات، حين كان السارد يافعا مستهترا يمشي خلف جميلات حيفا قبل سقوطها في يد الصهاينة، لكن حدث أن تعرف علي إحداهن، وهي التي ظل يدعوها ليلي لأنها كانت تدعوه قيسا. فتعلق بها وحاول مجاراتها، لكنه فشل. ومن بين الأمثلة علي فشله، أنه حين تلقي منها كتاب رباعيات الخيام هدية لم يعجب إلا برسوماته. أما رباعياته فعدها هذيان رجل مريض بنزلة برد حادة. وحين سمع أنها فدائية، لم يستطع تصور كونها تنفذ عمليات فدائية جريئة، كما أنه لم يفهم إصرارها علي البقاء بحيفا غداة سقوط هذه الأخيرة بيد المحتل. ثم لما عادت من الاعتقال وشاع أن اليهود ضاجعوها تسعة أيام طلبت منه أن يفترقا، وإن شاء غادر حيفا نفسها. لم يعترض بل رحل. لكن بعد مرور ثماني سنوات علي علاقته بمن يدعوها ليلي هزه الحنين إليها وإلي حيفا! ولكي يحقق التواصل الممكن وفق تصوراته تلك، حول هديتها إلي مُرشد للتواصل معها، ومن ثمة قرر السفر إلي إيران من أجل وضع باقة ورد علي قبر الخيام.2 ـ حكاية الكتاب: إن الذهن حالما يفكر في الكتاب مجردا، تتسابق إليه موضوعات متجاورة قصد أخذ مكانه، ومن بين أهمها إرادة المعرفة. ومن ثمة يتلازم حضورالكتاب مع حضور البعد المعرفي. وبهذا الشكل تكون كل عملية إهداء لكتاب من شخص إلي آخر تتضمن دعوة الأول للثاني إلي ارتياد عوالم الفكر والمعرفة أو زيادة النهل من معينهما. بناء علي هذه الفرضية، المقبولة جدا، يمكن التساؤل عن دوافع إهداء ليلي خيري كتاب الرباعيات، خصوصا وأنها مسكونة بالحب السامي للوطن ومستعدة للتضحية بالنفس في سبيله. وأنها كانت تري وقوع المرء في الحب العادي (أي حب شخص من الجنس الآخر) عبارةِ عن الوقوع في دوامة تغوص في مستنقع. جوابا علي هذا السؤال، يمكن توجيه فرضيتين، تعبر الأولي عن تصور السارد لصورة الذات المقاومة، بينما تعبر الثانية عن الصورة الفعلية للذات التي تفضل الفرجة والنزوح. أما الصورة الأولي فتسند إلي ليلي لتؤكد أن المناضلة والفدائية لم تصل إلي الوعي بضرورة فعلها وجدواه إلا بعد أن تسلقت أدراجا من سلم المعرفة. ومن الجلي أن تعرفها علي/ واحتفاءها بـ /عمر الخيام، الذي هو في نفس الوقت رياضي وفلكي ومؤرخ ولغوي وشاعر متفلسف، يؤشر علي أن فعلها النضالي هو حصيلة وتتويج لفعل معرفي تسنده خلفية راسخة. ومن هنا يمكن القول إن القصة تؤشر علي الصورة النموذجية للمناضل والتي تجعله يتحمل تبعات فعله ويعيه بوصفه جوهرا وليس واجبا فحسب. ولذلك فإن ليلي حتي حين اعتقلت ودنست كرامتها لم تعر ذلك كبير الاهتمام لأن معرفتها المتعمقة جعلتها تعي أن الكرامة الفردية ليست شيئا بالمقارنة بالكرامة الجماعية، وأن ما يذهب وفق شروط مخصوصة قد يذهب وفق أية شروط، ولذلك فإن ما هو مهم فعلا هو ما لا يذهب. وما لا يذهب هو التشبث بالهوية والأرض والذود عنهما حتي الموت.. أما الصورة الثانية فتسند لـ (خيري)، وتجد مبررها السياقي من جهة، في إدراك ليلي لميوعته العاطفية التي يمكن أن تزول في المستقبل أنت رجل مائع يا خيري ولكنك لست هكذا في حقيقتك، ولغياب الوعي لديه بالمسؤولية تجاه الآخرين من أبناء مدينته، أوتجاه وطنه.. وفي إيمانها بأن الطريق إلي تحريره من ميوعته وضيق أفقه المعرفي وأنانيته، تبدأ بتثقيفه. من هنا جاء انتقاؤها لكتاب الرباعيات الموسوم بسمو المشاعر ورهافة الإحساس بالعالم وبالآخر، كما تجد من جهة ثانية مبررها في إدراكها لرغبة خيري في النزوح عن حيفا وإمكانية عدم عودته، لذلك انتقت من بين كل الفلاسفة والشعراء عمر الخيام الذي وإن كان وطنه مستعمرا من قبل السلاجقة، فإنه لم يفكر في مغادرة مسقط رأسه نيسابور، رغم أنه قام برحلة قادته إلي بغداد والحجاز.. ولعل النص وهو يؤشر علي كثرة اهتمام ليلي بذكر الخيام أمام خيري: في الحقيقة، إنني لم أعرف من هو عمر الخيام، وهي التي علمتني عنه أشياء كثيرة.. إنما يريد أن يقول إن ليلي كانت من خلال ذلك، تحاول أن ترسخ في ذهن خيري قيم الوفاء للذات والهوية عن طريق الوفاء للأرض والارتباط بها. والواقع إن الإمكانيتين تحضران حتي في روايتي الرباعية الوحيدة المذكورة في نص القصة: مرة كما هي محاطة بخط مرسوم بقلم رصاص ليلي، ومرة كما هي مقروءة من قبل خيري في القطار. والنسختان مختلفتان كما سنري. فالرواية الأولي قدمت وفق الشكل التالي: آه أيها الحب لو أستطيع أنا وأنت أن نتفق مع القدر كي ندمر هذا الطابع الوحيد للعالم.. إلي قطع صغيرة صغيرة.. ثم نعيد بناءه من جديد.. كما تشتهي قلوبنا. تعبر هذه الرباعية عن فقدان أمل في التوافق مع الحب أولا، ثم مع القدر ثانيا، من أجل تدمير الطابع الأحادي للعالم.. إلخ والمثير أن هذه الرباعية، المؤشر عليها من قبل ليلي، تمتاز بكونها تعبر عن رفض مجمل للعالم ولعلاقاته قاطبة. ومن ثمة فهي تتجاوز رفض السلوك الاقتصادي والهيمنة والظلم وكل ما يمس بكرامة الإنسان، إلي وضع الإنسان بوصفه جزءا من الموجود في هذا الوجود.

أما الرواية الثانية الصادرة عن خيري وهي: آه أيها الحب لو أستطيع أنا وأنت أن نتفق مع القدر علي تدمير هذا الطابع البائس الوحيد للعالم إلي قطع صغيرة صغيرة.. ثم نعيد بناءه من جديد كما تشتهي قلوبنا. . لقد تم تغيير كي بـ علي ويفيد هذا التغيير بأن الاتفاق المستحيل بين الأنا والحب والقدر، لم يعد مطلقا بل مقيدا بارتباطه بقضية واحدة فقط، هي تدمير الطابع البائس الوحيد للعالم. ويزداد التقييد بإضافة الصفة (بائس). ومن الواضح أن معني الرواية الثانية أقل غني وعمقا من الأولي. ولا شك أن هذا التباين، الذي يصعب علي القراءات المتسرعة تبصره، مقصود من قبل الكاتب من أجل تعضيد الدلالة السابقة التي تخص اختار الكاتب لعمر الخيام ولرباعياته.2 ـ 1 حكاية خيري مع الكتاب: يصعب استنتاج العلاقة الحقيقية التي ظلت تربط خيري بالكتاب وصاحبه، دون استنتاج العلاقة التي كانت تربطه بحبيبته التي دعاها ليلي. ولا يمكن إدراك حقيقة هذه العلاقة إلا إذا تملينا الدلالة الخفية (الأيقونية) التي يمكن استنتاجها من إصرار الكاتب علي الإشارة إلي خيري باسمه، كلما ذكر في النص من قبل شخص آخر إذا أردت أن تري خيري، ففتش علي أجمل فتاة في الشارع تجده خلفها و أنت رجل مائع يا خيري. . وإصراره بالمقابل علي دعوة خيري لمن كانت حبيبته منذ ثماني سنوات بلقبها (ليلي). والواقع أن ذكر الشخص باسمه اقتراب منه وحضور مباشر إزاءه، بينما تعتبر دعوة الشخص أو الشيء باسم مستعار له تغريبا له عن حقيقته. وتأسيسا علي هذه الدلالة الأيقونية نفهم عجز خيري المستمر عن فهم أفكار وأقوال ومواقف وأعمال حبيبته. وفي ضوء ذلك نفهم كل سلوكاته ومشاريعه وما تؤشر عليه من تجريدية فجة.. ومن أجل توضيح بعض من ذلك، لنتأمل في الذريعة التي اتخذها خلفية لدعوتها بليلي: لم يكن اسمها ليلي.. كنت أدعوها ليلي لأنها كانت تدعوني قيسا. إن خيري لم يتفطن إلي أن وصفها له بالمائع ومنحه كتاب الرباعيات متناسق ومتكامل مع وصفها له بقيس. لم يتنبه إلي أنها كانت تريد من حبه لها أن يصيره مثقفا حاد الوعي بالذات والمجتمع ومتشبثا بالأرض رغم وجود الغزاة، وليس مثل قيس الذي لم يكن يفيد في شيء غير الانشغال المجرد بأمر مجرد وموضوع مجرد أيضا.. ألم يكن يصد ليلي نفسها إذا أتته، لأنه يحس ويقر أن حبه لها قد شغله عنها؟ ألم تفد حياته أنه لم يكن مشغولا عن ليلي الحقيقية بليلي الطيف وحسب، بل كان مشغولا عن العالم كله. وإذا أضفنا نهايته بعيدا عن دياره، اتضحت لنا الدلالة الضمنية التي تتغيا القصة تمريرها جلية. إن محبوبة خيري حين دعته مرة قيسا، إنما كانت تشبه إحساسه بالعالم وبالحقيقة الاجتماعية بحالة وعي قيس بها وحسب. ولهذا نستطيع القول إن حرصه علي دعوتها بليلي، هو في نفس الوقت تجسيد لسوء فهمه لمقاصدها، وترجمة واقعية لتصورها عنه. لأنه وهو يستعمل الاستعارة يختزل الواقعي إلي مجرد، وينشغل مثل قيس بصورة الحب عوض الانشغال بموضوعه الفعلي. إنه إذا أردنا استعمال كلمة لابن عربي قلنا إن خيري يجاري قيسا في الوقوع في الحب المعدوم.. ويتلافي المعلوم. وتفسر هذه الدلالة في النهاية كل المواقف والقرارات التي تنشط المحفزات السردية ذات العلاقة بالكتاب. فخيري بعد ثماني سنوات من مغادرته حيفا، وانقطاعه عن محبوبته. يستحضرهما وهو بالكويت، ولا يستحضرهما إلا انطلاقا من ثالث ملموس. وهو الكتاب: كتاب الرباعيات الذي يصير ليس حاويا لمعرفة ما، ولكن مؤشرا علي زمن ومحبوبة وتجربة. بل يصير في وعي خيري رديفا لها. ولذلك يعوض العودة إلي المكان والمحبوبة بحمل الكتاب وفتحه علي رباعية لا يفقه معناها. كما يحول السفر إليهما من أجل تجديد الوفاء إلي سفر إلي مثوي صاحب الكتاب، لكي يضع باقة زهور علي قبره.

إن السفر إذن مؤطر بتجريدية طوباوية تتلافي، عن عماء، رؤية الحقيقة ومواجهتها. لكن مع ذلك فإن خيري وهو يتقدم في رحلته باتجاه طهران يتنبه شيئا فشيئا إلي حقيقة وضعه الذي يجسد سوء الفهم المحايث لعلاقاته بالأشياء، وعلي رأسها كتاب رباعيات الخيام. وشيئا فشيئا وهو يبدل جهدا في سبيل امتلاك حقيقة الأشياء يشعر أنه عاجز. وأنه يعيش مأساة في علاقته بموضوعه الفعلي (حيفا والمحبوبة) فهو يحب حيفا ويعوضها بتذكرها، ويحب المحبوبة ويعوضها بهديتها، ويود أن يعانقهما، فيعوض ذلك بباقة ورد بلهاء علي قبر الخيام. وتترجم هذه المأساة في كل التناقضات السابقة، ومن بين أجلاها رفض خيري لفكر الخيام (هذيان محموم) وعدم القدرة علي قراءته مع عدم القدرة علي التخلي عنه أو التخلص منه. لكن هذه المأساة ستبدأ في التلاشي، بدءا من مغادرة القطار للمحطة الثانية، حيث سيشرع خيري لأول مرة في طرح الأسئلة الحقيقية شعرت بأنني إنسان لا يعيش علي أرضه (…) وبدا لي في لحظة أن ماضي شيء مخجل في الحقيقة. ثماني سنوات وأنا أجتر ذكري ليلي كأنها إنسانة صنعتها لأذكرها.. تراها كانت موجودة حقا إنسانة اسمها ليلي؟ أم أنني صنعتها ثم صدقتها؟ (…) لم تستطع ليلي أن تغيرني.. شعرت هذا بوضوح الآن.. إنسان لا فائدة منه.. هذا كل شيء.. باقة ورد علي قبر رجل ميت.. شيء يذهب، لقد قالت لهم إنها تريد أن يبقي لها شيء لا يذهب.. وهكذا يستطيع الكتاب في النهاية أن يحرك وعي خيري باتجاه الوعي الفعلي بالحقيقة الفعلية. ولهذا فإن العدول عن المشروع السردي قد تحقق ذهنيا قبل وصول القطار إلي طهران. وليست نهاية القصة بظهور المقابر وتفكير خيري بقبر ليلي سوي تأكيد لموت شكل الوعي السابق المفارق للواقع وبداية تشكل وعي آخر إيجابي وفعال.. رئيس شعبة اللغة العربية وآدابها ببنمسيكالهوامش:1) ـ الدلالة الأيقونية للأبواب في رواية لعبة النسيان مجلة الثقافة المغربية عدد 22/23 ـ 2003. ـ الدلالة الأيقونية للحكايات الصغري في رواية حشيش مجلة الثقافة المغربية عدد 24 20032) ـ آليات إنتاج النص الروائي (تجربة نجيب محفوظ نموذجا) أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الآداب. آداب الرباط 1999. ـ مجموعة من المقالات المنشورة بمجلة فكر ونقد المغربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية