أشرف الشكعةالوجهةُ هي المعادي مترو القاهرة أنيق وعملي لا بل جميل، على خلاف ما كنت أتوقع، محطتنا الأخيرة تتلحفها السماء، مما شجع رفيقي على إشعال سيجارته حال ترجلنا من القاطرة، على مخرج المحطة نهره ووبخه موظف المترو. نعم أنت في القاهرة، الإيقاع الحيوي والعشوائي، لا يعني الاستهتار وخرق أنظمة السلامة، سعدت بهذا الموقف. المصريون لم ولن يقطعوا الحبل السري الذي يصلهم برحم مصر.
من المحطة كانت تجربة التاكسي، تجربة عادة ما يتعامل معها العابرون والسياح بكثير من التوجس، لعل هؤلاء معنيون بمص رحيق مصر الذي يروق لهم، أنا أحب أن أغوص بهذا الرحيق، سائق التاكسي ومركبته بتلة لهذا الرحيق. حدثنا سائقنا عن إحساس اللا أمان، إنتشار البلطجية واللصوص في الزقاق الناعسة ليلاً، مفاجأة ‘المطوة’ بدلاً من الأجرة. حديث ‘الأسطة’ عن عتمة الجريمة لم يغلب حرصي أثناء الرحلة على تخطي عتمة المساء لكشف سائر جماليات البيوت ‘السرايا’ القديمة والحدائق المنهمكة بخصبها وفروعها الباصقة.
الكتب خانفي المعادي، المقاهي والمتاجر التي تحمل العلامات التجارية العالمية النمطية كادت أن تشدني إلى حضيض إيقاع المدن الحديثة، وتحديداً في الخليج، كمم ذهني هذا المشهد وواصلت ملاحقة الإيقاع الذي أصبو إليه. ‘الكتب خان’ أناقة برجوازية لمتجر كتب، يقف على مسافة بعيدة من سوق الأزبكية للكتب المستعملة والقديمة، وحتى مكتبتي مدبولي والشروق في طلعت حرب. الترسبات البرجوازية الغالبة على شخصيتي راق لها هذا المشهد، وانفتحت الشهية على تقليب وطلب كتب سواء بالعربية أو الإنجليزية، صاحبة المكان، كرم يوسف، كانت تظلل تساؤلاتي وطلباتي بكثير من الاهتمام والحرص على تلبيتها، أحببت هذا الإحساس المنزلي الحميم.
قبل التصفح والتقليب بين الأرفف الأنيقة، كانت هناك مصافحة، مصافحة لذراع ممدودة من روح النيل. نحن في ‘الكتب خان’ لأمسية الشاعر زين العابدين فؤاد، إسم تردد في ذاكرة ثقافتي المنقوصة والتي أعمل على ترميم الثغرات الواسعة فيها. تلك النظرة أثناء المصافحة زجت بين التواضع والحنو، لم أستوعب الكثير، لكنني كنت أعلم أنني على وشك الغوص في فيضان نيلّي.’السجان’ و’الشيوعي’بدأت الأمسية مع عرض لفيلم ‘مين إللي يقدر ساعة يحبس مصر’، اسم العمل التسجيلي الوثائقي مقتبس من قصيدة ‘اتجمعوا العشاق بسجن القلعة’ التي غناها الراحل الشيخ إمام. تأكد لي إخفاق مخرج العمل بسبب بساطة وعمق زين الطاغيين عندما بدأ زين الحديث عن تجربته بعد العرض، من ثورة ‘الحرامية’ كما وسمها السادات وأبواقه في السبعينات، إلى تجربة السجون وحوار السجان، الذي قابل ‘صباح الخير’ بـ’ممنوع’. إنسانية زين المتدفقة أصرت على خوض حوار مع ذاك السجان، الإنسان المغلوب على أمره. سرّ رفض رد تحية الصباح لأن تهمة زين ‘شيوعي’ والشيوعي كما لُقن السجان يأتي أمه وأخته. أصر زين على مواصلة الحوار بمنطق يستوعبه السجان ‘لا أخت لي وأمي توفيت وأنا في المهد، يمكنك التأكد من هذه المعلومات إن شئت’. رويداً رويداً أصبح هناك رد على تحية الصباح، وتتعمق العلاقة، و’الشيوعي’ يتكفل بتعليم إبنة ‘السجان’ حتى المرحلة الجامعية.
من قصة إلى قصة ومنعطف في بنية وبناء الثورة المصرية، بمعناها الإنساني والنضالي والثقافي، زين كان حاضراً في الميدان، ‘هو يمشي مش حنمشي’ بعض من إسهامات الثوري المخضرم، لكن إسهامه الأجمل مغروس في الريف المصري، حيث عمل وحاضر وألقى وتواصل، وفي عقول الأطفال الغضة، العمل الإبداعي الأقرب إلى روحه.
بيت الأملسِحرُ زين الحكاء، أخذنا في تلك الأمسية إلى بيروت، وكيف كان السفر، للتحقق من أن الحكم القضائي الذي كسبه فيما يتعلق بجواز سفره نافذ، وقبل عودته من بيروت بقليل دعاه أبو عمار إلى مأدبة إفطار في الرابعة صباحاً، دعوة لا يشوبها حلاوة الزبدة والمربى بكل تأكيد، في ذاك اللقاء كان محمود درويش ومعين بسيسو والنسخة الصباحية من الأهرام، التي تحمل في صفحتها الأولى قائمة أسماء لكتاب ومثقفين ‘تم اعتقالهم’ ومن ضمنهم زين العابدين فؤاد. استفسر أبوعمار ‘هاه لسه عاوز تسافر؟’. بقي زين في بيروت، ومن ثم قرر في حزيران/يونيو 1982 السفر مهما ستكون العواقب، قبل سفره بيوم دعي الى مأدبة غداء وداعية جمعت مجموعة من المثقفين في بيت الأمل، بيت لعشرات الأطفال الفلسطينيين الذين فقدوا الأب والأم، والمعظم تيتموا خلال أحداث مخيم تل الزعتر. يؤكد زين أن هؤلاء يعرفون الموت جيداً، صافحوه وتعرفوا عليه بشكل شخصي للغاية. مريم، على الأغلب في ربيعها الرابع عشر، هي الأم الوجدانية للبيت. خلال مأدبة الغداء كان هناك ضيف ثقيل، ضيف من السماء ومدعم بتكنولوجيا طيران حربية أمريكية، توجه الجميع بهلع وذعر إلى الملجأ، عشرات الأطفال يصرخون بشكل هستيري، مريم تطبطب وتوزع شربات الماء لتساعد على تجرع الرعب المباغت، تنهي مريم مهمتها وتأخذ ركناً في الملجأ، تبدأ في الغناء، وسط ذعر وصياح هستيري، ينضم بعض الأطفال إلى الغناء، تتسع حلقة الغناء، يَئِدُ الغناء الخوف والهلع، تصعد الأغاني إلى السماء لتقابل القنابل المتساقطة.’مجنون اللي يسيب حرب ويمشي’ مقولة زين الشهيرة بعد حادثة بيت الأمل التي صادفت بداية حملة حصار بيروت. زين ورفيقه عدلي فخري، عايشا أيام الحصار الثمانين، من خط مواجهة إلى متراس كانت جولاتهما اليومية وفي جعبتيهما الأغاني، وقود قيّمي للفدائيين والمقاومين في دفاعهم عن فكرة بيروت.
تحدث زين وأسهب عن ميدان التحرير، كانت روحه كاليمامة التي تطوق الحضور بجناحيها وتصعد بهم نحو مفهوم آخر للعزم والإيمان بإحقاق الحق وإحلال الحرية. من مجموعته الشعرية ‘وش مصر’* قرأ وأفاضت كلماته بخصب نيلي، عبقرية العامية المحكية، التي لا تخلو من رصانة وقوة الفصحى:
حوار مع بندقية متحيرةفي صدرنا بنادق العدوفي ضهرنا، بنادق الصحابدول يهجموا، ويبعدواودول، يمّرغونا في التراب -يا بندقيتي الحديد، ما تقتليما تقتلي يا بندقية الحديد -قول لي عدوك فين؟
وأنا أقتله!
ورقة شجر من دير سانت كاتريننَبِّتني في الصحرافي الحرّ، نام تحتي، وتحتي صَلّت العدرافي عروقي جَرَّي الميه، خَضرنيطلّيت عليه بالضل، كبرنيسافر وجاني من سكة المراوحفي الضل نام، وارتاحشَب في دراع العدرا، آه لما الدراع طالنيالكف فوقي اتلّف، الميه قادت نارها جوّايا، الدم حمّرنيقال لي: مباركة، صيف شتا خضراخضرا في خريف الورد، والإنسانسافر، سافرت وراه، في مكاني سفّرنيفي القدس تحته ارتحتعلى صليب اليهود، صرَّخت، آه اندبحتسافر، سافرت وراه، في مكاني سفّرنيدخل اليهود الصحرا، ميت مَرّةآخر دخولهم قَهرِتي قَهرَةطير يا ملاك الموت وطوّحنيفي مكان ما نام:
الدبابات تحتي، الطيارات فوقيطير يا ملاك الموت وريّحنيباصفَر، آه باصفَرنشف الحب في عروقيوباموت لوحديحزينةفي الصحرا.
وش مصر ـ الكراسة الأولى ـ حاجات بتتكلم عن الحرب 1968عنقود شهداحدثنا زين عن عبد الحكم الجراحي، الشاب المصري الذي رفع العلم المصري بعد أن استشهد حامله برصاص القوات البريطانية المحتلة أثناء مظاهرة طلابية في عام 1935، استوقفه ضابط إنكليزي وهدده بإطلاق النار في حال تقدم، ثلاث عشرة خطوة، ومع كل خطوة يتلقى صدر الجراحي رصاصة، في مستشفى القصر العيني تمكن الأطباء من إخراج ثمانية رصاصات، عندما أيقن الشاب أن الروح لن تمكث في الجسد طويلاً، نزع ما عليه من أوعية وضمادات وكتب على الحائط الملاصق لسريره بقلم هو إصبعه وحبر هو دمه:
إلى المستر ‘روح الشر’ رئيس وزراء إنكلترا:
أنا الشهيد المصري محمد عبد الحكم الجراحي، قتلني أحد جنودكم الأغبياء وأنا أدافع عن حرية وطني، عاشت مصروهكذا كتب وألقى زين:
ما انتش اول واحدولا آخر واحديا حبيبي يا حبَّاية عنقود شهداباكتب لك، وباحس بروحي بتتاخدوأنا في الأوضةمش تحت الشمس على الكوبريمش وسط الرصاص الظابط والعسكروأنا في الأوضةبانهج، باجريإرفع علمكماانتش أول واحدولا آخر واحديرفع علمي 20 يونيو 1967ما بيروينيتحدث زين خلال أمسيته باقتضاب عن زوجته الأولى التي كانت تتردد على سجن أبوزعبل لزيارته والرفاق، ورحلت بعد رحلتها مع المرض وهو في الزنزانة. عندما هممت لمصافحته بعد انتهاء الأمسية، استوقفه اسم العائلة المرتبط بمدينة نابلس ‘باسمة حلاوة زوجتي الأولى من نابلس’ حزن رزين بدا على العيون المتقدة بخصب النيل، أحسست بالارتباك والوهن، قرأت الإهداء على مجموعة ‘وش مصر’: إلى أشرف الشكعةنابلس بعيدةوالعرب عطشانةوالنيل مسافر جنبيما بيرويني*حاول زين العابدين فؤاد منذ عام 1964 نشر مجموعته الشعرية الأولى، صدرت مجموعة ‘وش مصر’ في عام 1972 بعد أن حصل على إذن رقابي في العام 1971