قمة الخرطوم الثانية في عصر ما بعد ماستريخت

حجم الخط
0

قمة الخرطوم الثانية في عصر ما بعد ماستريخت

د. عبدالوهاب الافنديقمة الخرطوم الثانية في عصر ما بعد ماستريختتعتبر قمة الخرطوم التي عقدت في العاصمة السودانية في آب (اغسطس) عام 1967 من القمم العربية القلائل التي اتخذت فيها قرارات ذات طابع حاسم. وقد تضاهيها في هذا قمة الرباط عام 1974، التي اتخذات قراراً باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وقمة بغداد التي قررت مقاطعة مصر بعد كامب ديفيد ونقل مقر الجامعة العربية الي تونس، وقمة القاهرة الطارئة عام 1990 التي شرعت للتدخل الامريكي في الخليج. وفيما عدا ذلك كان انعقاد القمم مثل عدمه، لولا الضرر الذي كانت تسببه للعلاقات العربية المتدهورة اصلاً بسبب ما يحدث في هذه القمم من تراشق، وبسبب ان القمم نفسها تصبح مصدر خلاف، كما حدث في قمة تونس عام 2004 وغيرها.القمم التي حدثت فيها قرارات مهمة كانت في مجملها تتعلق بالعلاقات العربية العربية، اما راباً لصدع كما حدث في الخرطوم والرباط، او تصعيداً لخلاف كما حدث في قمة بغداد. ولهذه القمم في مجملها طابع دفاعي، يتمثل في التمترس حول مواقف لتلافي او تقليل الضرر. وتجسد هذا التوجه في قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث (لا صلح، لاتفاوض ولا اعتراف) تجاه اسرائيل، حيث تحسبت لتحول الهزيمة الي واقع معترف به عبر الهرولة تجاه اسرائيل، وهو تخوف كان في محله كما كشفت الاحداث فيما بعد.وقد نتجت النواحي الايجابية في قمة الخرطوم الاولي من تجاوز سلبيات كانت تسود العلاقات العربية، حيث مهدت ـ مؤقتاً علي الاقل ـ لانهاء الحرب الباردة العربية (بحسب تعبير مالكولم كير)، وهي الصراع الذي ساد الستينات بين الجمهوريات الراديكالية بقيادة مصر من جهة، والدول المحافظة بقيادة السعودية من جهة اخري. وكان التقارب بين هذه الدول والتمهيد لتهدئة احد ابرز بؤر الصراع بينها، وهي حرب اليمن، هي اكبر انجاز لقمة الخرطوم. ولكن هذا التقارب لم يستمر او يؤد الي استقرار في الاوضاع العربية. فلم يكد يمضي علي القمة عامان حتي تم اسقاط الحكومة السودانية التي ساهمت في انجاز هذا التقارب واستبدالها بنظام راديكالي موال لمصر، ونفس الشيء حدث في ليبيا العام نفسه. وقد بدات عقب ذلك محاولات لانشاء جبهة راديكالية جديدة من مصر وليبيا والسودان وسورية (التي جاء انقلاب حافظ الاسد فيها في مطلع عام 1970 بنظام اقل راديكالية)، وهو ما اعتبرته الانظمة المحافظة تهديداً جديداً تزامن مع تهديد آخر من المد الرايكالي تمثل في الصدام بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاردنية في نفس ذلك العام.ولكن المد الراديكالي المتصاعد بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 (وكان من مظاهره الاخري صعود حزب البعث الي الحكم في العراق عام 1968 والحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي في نفس الفترة) ولد من جانبه صراعات داخل التيار، لم تكن في حد ذاتها جديدة، حيث شهد الانظمة الراديكالية في العراق وسورية ومصر صراعات داخلية وصراعات فيما بينها منذ الخمسينات، وقد ظلت هذه الصراعات تتصاعد وتؤدي الي فشل المشاريع الوحدوية التي كانت هذه الانظمة مغرمة بالاعلان عنها بين الحين والآخر. وقد تصاعدت هذه الصراعات وتعمقت وتشعبت عبر الحرب الاهلية الباردة بين جناحي حزب البعث في العراق وسورية، ومع وصول السادات الي الحكم في مصر. واذا كان التيار الراديكالي قد حاول ان يعيد الحياة الي لاءات الخرطوم في السبعينات عبر ما اطلق عليه جبهة الصمود والتصدي ، فان التصدع المستمر في صفوف هذا التيار وصراعاته التي تجلت في الحروب الاهلية في اليمن ولبنان وغيرهما سبق انهيار المعسكر الاشتراكي الحليف الداعم في التعجيل بافوله واطلال زمان الهرولة.وقد كانت هناك قبل ذلك اشارات الي ان لاءات الخرطوم كان يتم خرقها حتي قبل ان يجف حبر بيان القمة. وقد استمر الخرق بعد ذلك وتصاعد وخرج الي العلن حتي اخترعت له تسمية هي الهرولة ، وهي تعبير آخر عن الخلل الكامن في الوضع العربي، وهو تصدع العلاقات العربية، وقبل ذلك الحرب الاهلية القائمة في كل بلد عربي بين الشعب وحكومته. الحكام العرب كانوا يحاربون بعضهم البعض في السابق بتهم الخيانة والتعاون مع اسرائيل، ويؤلبون شعوبهم عليهم، وهي لم تكن تحتاج الي تاليب اصلاً. اما الآن فان الحرب الاهلية الباردة تدار عبر توثيق العلاقات مع اسرائيل والجهر بذلك. وبعد ان كانت الخلافات العربية تصفي في السابق باتهام الانظمة امام شعوبها بالخيانة والعمالة، فان المعارك تدار اليوم، كما صرح وزير خارجية عربي في وقت سابق، بوشاية الانظمة ببعضها البعض عند امريكا بتهمة عدم الاخلاص في العمالة. وقد كشف هذا التطور عن خلل آخر وهو التهميش الكامل للجماهير العربية، حيث ان هذه الجماهير، وبخاصة في الدول التي طبعت علاقاتها مع اسرائيل، ترفض رفضاً كاملاً هذا التوجه.هذا بدوره يفسر تصاعد المد الارهابي حيث ان الارهاب اصبح وسيلة التعبير الوحيدة عن المعارضة لهذا الاستلاب الكامل لحقوق الجماهير ليس فقط في تحديد من يحكمها، بل في التاثير علي السياسات في اهم الامور التي يرتبط بها وجود هذه الشعوب. وبما انه لا توجد فرص معقولة للعمل السياسي الشرعي المعارض، ولا حتي للتظاهر ضد الهرولة والتطبيع والقواعد الاجنبية، فقد اصبح الشباب مخيرين بين القبول بالعبودية في اوطانهم او اللجوء الي العنف.ويمكن مقارنة القمة العربية التي تنعقد في ظل هذه الحروب الاهلية المزدوجة (الحرب الاهلية في كل بلد بين النظام والشعب، والتصادم والتنافس بين الانظمة) بالقمة الاوروبية التي انعقدت هذا الاسبوع في العاصمة البلجيكية بروكسيل لمناقشة قضايا اقتصادية في الاغلب ابرزها امن الطاقة ومحاربة الاتجاه المتزايد في بعض الدول مثل فرنسا واسبانيا لمعارضة الاستيلاء علي شركاتها من قبل شركات من دول اخري في الاتحاد. فالقمة الاوروبية تنعقد في ظل تطورات مضطردة منذ قمة ماستريخت التي حولت السوق الاوروبية الي اتحاد، والاتفاقات اللاحقة حول توسيع السوق، والسماح بحرية الحركة الكاملة لمواطنيها وتعزيز حقوق المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعلي الرغم من الخلافات الظاهرة بين الدول حول اكثرمن ملف، الا ان هناك اطراً متفقا عليها للتعامل مع هذه الخلافات، كما ان هناك الاطمئنان علي ان اي اتفاق تخرج به القمة يتم في اطار الحفاظ علي مصالح مواطني الاتحاد وزيادة منعته وازدهاره.صحيح ان دول الاتحاد وصلت الي ما وصلت اليه بعد حروب طاحنة فيما بينها، ومتاهات طويلة قطعتها، ولكن هذا لا ينفي ان بعض الانجازات، مثل الثورة الصناعية والديمقراطية وحقوق الانسان وحرية التجارة كلفت كثيراً ولم تتحقق الا بعد لاي، ولكنها بعد ان تحققت اصبحت ملكاً للجميع. فمن العبث ان يقال اليوم ان بناء المستشفيات الحديثة او الجامعات المتطورة يجب ان يستغرق اربعمئة سنة لان هذا هو الزمن الذي استغرقته في الدول الغربية. نفس الشيء يمكن ان يقال عن الديمقراطية واحترام كرامة المواطن الامر الذي لا يحتاج الي تخصص في علم الفلك لادراكه او مراعاته.من هذا المنطلق فحين يسمع المرء وزير الخارجية العراقي يعلن علي الملا من الخرطوم بين يدي القمة الحالية انه لا يريد للقوات الاجنبية ان تغادر لان هذا سيؤدي الي حرب اهلية فان هذا يعتبر اصدق تلخيص للحالة العربية. فالحاكم العربي هنا يتنصل تماماً من مسؤوليته كسياسي وقائد في التوفيق بين ابناء بلده ويؤكد ان القهر، سواء اكان اجنبياً ام محلياً هو السبيل الوحيد لحفظ السلام بين ابناء الوطن الواحد. وما لم يتم تجاوز هذه الحالة الي انهاء للحرب الاهلية المشتعلة في كل بلد حربي بين احتلال مباشر او بالواسطة فان الحديث عن وجود عربي، ناهيك عن تعاون عربي، يكون من باب الترف الفكري. ذلك ان الصدق في التعاون غير موجود الا فيما يتعلق بالتعاون في الحرب المستعرة ضد الشعوب، وهناك الكثير من المخادعة حتي في هذا الجانب. فبالمقارنة مع دول الاتحاد الاوروبي حيث الخلاف هو حول ما يصلح الجميع او ما تكون فائدته اكثر لشعب معين، فان الامر هنا لم يبلغ حتي البحث فيما يصلح الا القلة المهيمنة ومن يعينها علي امرها.ان الشكوي من هذا الوضع قد تكاثرت حتي لم يعد التصريح بطبيعة هذا الخلل مما يثير الدهشة ولا حتي الاستنكار ممن يعنيهم الامر. وعليه فان هذه القمة وغيرها لن تعني المواطن العربي في شيء ما لم يقم القادة قبل الاجتماع وخلاله وبعده بالاعتراف بنقطة بديهية: وهي انهم يتحملون المسؤولية في كون الوطن العربي اليوم احد اكثر بقاع العالم اصابة بالكوارث والهزائم والاخفاقات، واقلها احتراماً لكرامة الفرد والجماعة، واعجزها عن التصدي للتحديات التي تواجهه. وهذه المسؤولية لا تقتصر فقط بالتسبب في هذه الكوارث، بل تتعداها الي تعويق اي مجهود من الآخرين للمساهمة في الحل. مثل هذا الاعتراف لن يغير كثيراً في حد ذاته، ولكنه قد يكون نقطة بداية للتحرك الي الامام. فلتكن قمة الخرطوم الثانية علي الاقل قمة الاعتراف بالتقصير. ولكن يجب الا يكون هذا الاعتراف علي طراز ما حدث في القمة الاسلامية في الطائف في عام 1981، حين صدر عنها بيان يتحسر علي سوء حال الامة الاسلامية وتدهور اوضاعها الذي ما زال يثير الكثير من الضحك عندي كلما استرجعت عباراته. ذلك انه كان يشبه بيانات المعارضة او الاتحادات الطلابية، لا بيان المسؤولين مسؤولية مباشرة عن هذا التدهور الذي يستنكرون. كما انه خلا من اي خطوات عملية ملموسة للتعامل مع هذه الازمة التي يتحسر عليها المتحسرون. ولهذا لعمري اكبر استخفاف بالمسؤولية يمكن تخيله.الزعيم الليبي معمر القذافي (الذي اعلن ـ وياللعجب! ـ ان هناك لجنة وزارية تابعة للقمة مشغولة بدراسة افكاره النيرة التي جعلت ليبيا احد اكثر بلاد العالم تخلفاً واقلها احتفالاً بكرامة الانسان) قال مرة في اجابة حول العمليات الانتحارية ان الاوضاع التي يعيشها العرب اليوم تبرر لنا جميعاً ان نصبح انتحاريين. ونحن نؤمن بهذه الفكرة النيرة فعلاً من القائد الاممي ان كان يعني بضمير الجمع الحكام العرب، وان كنا ـ كما قلت في مناسبة سابقة ـ لا نطالبهم بالانتحار، علماً بانه يدخل السرور علي قلوب غالبية رعاياهم، بل بالاستقالة والسماح للشعوب باختيار حكامها لاول مرة منذ ايام معاوية بن ابي سفيان. وسنكون في غاية الامتنان لهم، وسنسهل سفرهم الي سويسرا او اي مكان آخر كدسوا فيه اموالهم، كما سندعو الي عدم تعرض اي منهم للمحاكمة او المساءلة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية