القمة والهاوية
الياس خوريالقمة والهاوية اطلق العرب علي المرحلة الأخيرة من العهد العثماني اسم عصر الانحطاط. ورغم ان الانحطاط التصق بالجانب الأدبي، بحيث صار نقيض ما سيعرف باسم عصر النهضة، فان الجانب الأدبي من الانحطاط العثماني هو اقل عناصر هذا الانحطاط اهمية، لأن الانحطاط الحقيقي تجسد في السياسة والمجتمع، حين فقدت الدولة العثمانية استقلالها، وتحولت ملعبا لصراعات القوي الأوروبية الصاعدة، واطلق عليها اسم رجل اوروبا المريض.مرض الدولة العثمانية تجلي في عجزها عن تجديد نفسها واصلاح نظامها السياسي، فصارت خارج العصر، وتحولت عبئا علي نفسها، وصارت اراضيها وولاياتها تباع وتشتري في مزادات الدول الأوروبية، الي ان جاءت الحرب العالمية العالمية الأولي باندثارها.لا ادري كيف ينظر الحكام العرب الي قمتهم؟ هل يعتقدون فعلا انهم قمة تلتئم؟ هل يشعرون انهم يملكون شيئا من قرارهم؟ هل يجرؤون علي تسمية المشكلات التي يواجهون؟ وهل يملكون دواء ضد العجز الذي استباح ارضهم وحولهم ملعبا للدولة العظمي الوحيدة، التي احتلت العراق، وتركت الغول الاسرائيلي يعبث بفلسطين علي هواه.سؤالي ليس سياسيا، بل لغوي.اذا كنا نعيش عصر انحطاط وافول، مثلما يقول العقل والمنطق، واذا كان الانحطاط العربي هاوية، فهل هناك قمة للهاوية؟ وهل يستطيع اهل هذه الهاوية الادعاء بأنهم يملكون شيئا من امرهم، كي يكون هناك من جدوي للقائهم؟السؤال اللغوي ليس تفصيلا، فالنهضة العربية التي اعقبت الانحطاط في القرن التاسع عشر كانت لغوية قبل ان تكون ادبية، وقبل ان تنتج المشروع القومي الذي حاول تأسيس الاستقلال السياسي العربي.لقد لعب احمد فارس الشدياق وناصيف وابراهيم اليازجي وغيرهم من رواد النهضة دورا اساسيا في النهوض بلغة العرب من الركاكة، عبر استعادة العلاقة بين اللغة وتارخها من جهة، وبينها وبين الواقع المعيش من جهة ثانية. وكان التحدي الكبير هو ان تتمكن اللغة من تسمية الأشياء، ومن تحديد المعاني. اذ من دون قبض الكلمات علي الأشياء يصبح الواقع هلاميا وعصيا علي التحديد.كل الكلمات التي نستخدمها اليوم في حياتنا اليومية نحتها الشدياق ورفاقه، ولم نرثها سوي منهم، من السيارة والطيارة والحافلة الي آخره، بحيث كانوا في نضالهم من اجل الحرية والحداثة كمن يؤسس لغة جديدة، ويصنعها علي قدر الطوح الي مقاومة الاستبداد، وتأسيس فكرة عربية جامعة، تنقذ العالم العربي من الهوان والذل.السؤال موجه اليوم الي عرب هذا الانحطاط الثاني الذي بدأ بهزيمة الخامس من حزيران المروعة ووصل الي ذروته مع احتلال العراق وولادة مآسيه الطائفية، ومع الاستفراد الاسرائيلي الوحشي بفلسطين والفلسطينيين.ماذا نسمي هذا الانحطاط؟ ولماذا لا نستخدم الكلمات المطابقة في وصف حالنا؟افتراض رواد النهضة اللغوية والأدبية كان بسيطا وواضحا، فحين تعجز اللغة عن تسمية الأشياء فانها تعلن انحطاط اصحابها وموتهم.واليوم، حين لا نقول لأنظمة الاستبداد انها مستبدة، وحين لا نشير الي دويلات النفط في وصفها معبرا للغني الذليل والانحلال المنتفخ بنفسه، وحين لا نقول لأنظمة الحكم الجمهوري الوراثي انها اعادة صناعة لأسوأ ما في العهد المملوكي، نكون ننساق الي الانحطاط ونقبل به.حين يكون لزمن هذا الموت والتخلف والانسداد السياسي والفكري اسم الصحوة الاسلامية، وحين لا يكون هم مثقفي هذا الزمن التلفزيوني سوي التحليل والتحريم، ونسمي هذا جهادا ونضالا، فاننا نعلن الانتماء الي الانحطاط، نحجّب عيوننا بالسذاجة والغباء ونذهب الي اندثارنا بوجوه مليئة بالسعادة والفراغ. تذكروا كيف تعامل شارون مع قمة بيروت، وكيف لم يأخذ الأمريكيون رجاء حكام العرب بعدم غزو العراق، ثم اقرأوا ردة الفعل العربية الرسمية علي هذا الاذلال العمد، كي تكتشفوا اي انحطاط واي حضـيض تعيـــشه العرب اليوم، وكيف تحول العالم العربي الي وريث الـدولة العثمانية كرجل امريكا المريض.ازمة امريكا في العراق لا علاقة لها بالموقف الرسمي العربي، بل آتية من مزيج الغباء والادعاء الذي يتحكم بالمحافظين الجدد، ويقودهم الي هاوية لن يجدوا لأنفسهم مخرجا منها الا عبر دفع العراق الي الحرب الأهلية.اما فلسطين، فانها تحافظ علي الحد الأدني من الوجود، ليس بفضل الدعم العربي، او بسبب الموقف الذي تتخذه القمم العربية، بل بفضل التضحيات الكبري لشعب لم يتوقف عن العطاء منذ اكثر من نصف قرن. الفلسطينيون يموتون، وانظمة الانحطاط العربي تطبّع علاقاتها مع اسرائيل، بعضها يقيم علاقات مباشرة، وبعضها الآخر يقيم علاقات مواربة، لكنها تتفق علي ادارة الظهر للنكبة المستمرة، والاكتفاء بدعم كلامي وتلفزيوني لا جدوي منهما.في ذروة هذا الحضيض يسمون ما يجري قمة، ويوحون كأنهم يملكون من امرهم شيئا، وكل العالم يري كيف صار المشرق العربي ملعبا لثلاث قوي اقليمية تستعد لوراثة الحماقة الأمريكية، هي ايران وتركيا واسرائيل.اما مصر فليست هنا، لأنها تستعد لتوريث الابن منجزات الاب الذي حول مصر من دولة اقليمية تقود العرب، الي دولة تشحذ بقاء نظامها من الامريكيين.مصر ليست هنا، والقمة العربي في السودان، حيث يتحول المشرق العربي الي مرحلة الجنجويد. لبنان علي جلجلة ملوك الطوائف، وفلسطين تحمل وحدها عبء ما تبقي من كرامة.تعالوا نسمي هذا الزمن باسمه، انه عصر الانحطاط، وفي ازمنة الانحطاط لا وجود لقمة تجمع اهل القمة سوي في الوهم. 0