شهد قرننا الحالي أزمتين عالميتين، قد تؤدي نتائجهما لرسم المعالم الأساسية للسياسة والثقافة والمجتمع في العقود المقبلة: الأولى هي الأزمة المالية العالمية عام 2008، وما تبعها من اضطرابات اجتماعية كبرى؛ والثانية انتشار فيروس كورونا، وحالة الإغلاق العام المديد، التي يبدو أنها السياسة المثلى، والحل الوحيد الممكن، بالنسبة لمعظم السلطات الحاكمة، رغم أضرارها الاقتصادية والاجتماعية، التي قد تفوق أضرار الوباء نفسه.
يمكن في الأزمتين رصد حالة تخبّط واضحة في أداء النخب التكنوقراطية المسيطرة، خاصة في الدول الغربية، فأثناء الأزمة المالية تحرّكت الدول لتنقذ مجالس إدارات الشركات الكبرى من ورطتها، عبر «حزم إنقاذ» بمليارات الدولارات، اُنفقت من أموال دافعي الضرائب، الذين كان عليهم دفع ثمن السياسات الكارثية للنخب المالية؛ وفي أزمة كورونا يبدو المركب التكنوقراطي -الحيوي فاشلاً للغاية، سواء في عمليات تصنيع وتوزيع اللقاحات، والتطعيم بها، أو في إيجاد حلول لملايين البشر، الذين توقفت حياتهم وفقدوا أعمالهم.
الأزمتان أظهرتا أيضاً نتيجتين تبدوان حتميتين لكل كارثة كبرى، أولاهما إعادة توزيع الثروة نحو الأعلى، فالتكتلات الاقتصادية الأضخم تتمكن دوماً من الحفاظ على تراكمها المالي ومضاعفته، على حساب تدمير الفئات الوسطى بشكل خاص، وزيادة معاناة الفئات الأفقر. وفي هذا السياق يتحدث كثير من التقارير الاقتصادية مؤخراً عن انهيار شامل للشركات الصغيرة والمتوسطة، نتيجة أزمة كورونا، في مقابل زيادة أرباح الشركات الكبيرة؛ وثاني النتائج تضييق الحيز العام والحريات السياسية الأساسية، فعلى الرغم من انطلاق موجة احتجاجية عالمية عقب الأزمة المالية، إلا أنها لم تؤد إلى انتزاع مزيد من الحقوق السياسية، بل على العكس، شهد العالم ظواهر ثقافية وأيديولوجية، لا يمكن القول إنها جاءت لمصلحة الممارسات الديمقراطية، مثل تصاعد سياسات الهوية، و«ثقافة الإلغاء» والائتلافات الانتخابية لحماية قوى الوسط السياسي، والحفاظ على الوضع القائم في مواجهة الخطر الشعبوي. من جديد يُدفع الجميع للتحرك لحماية النخب السائدة، مهما أثبتت فشلها.
إلا أن الإغلاق المديد، الذي نشهده في الأزمة الحالية، هو المظهر الأكثر وضوحاً ومباشرة لإغلاق الحيز العام، المترافق مع تشديد صلاحيات السلطات التنفيذية، وتجميد الإجراءات الديمقراطية والضمانات الدستورية، وسط لامبالاة واضحة ضمن المتن الثقافي، في الأكاديميات والمنظمات «غير الحكومية» ووسائل الإعلام، تجاه السوابق السياسية والدستورية الخطيرة، التي تهدد بجعل الإغلاق والتضييق على الحريات نموذجاً في التعاطي السياسي، يمكن للسلطات انتهاجه وتكراره دوماً، بل على الأغلب تساهم النخب الثقافية بدفع كل احتجاج ضد الحالة الراهنة إلى خارج التيار الأساسي، بوصفه شعبوية أو إيماناً بنظرية المؤامرة. فما أبعاد التلازم بين إغلاق الحيز العام، وإعادة توزيع الثروة نحو الأعلى؟ وما آثارهما على السياسة والثقافة المعاصرتين؟
خطر الحيز العام
توجد نظريات متعددة للغاية لتعريف الحيز العام وتأريخه، إلا أن النظرية الأهم تراه مُتضمّناً في التواصل الإنساني نفسه: يتواصل البشر لتداول الحجج، وإيجاد توافقات عقلية ومنطقية حول الممارسات العامة، من خلال لغتهم العادية المشتركة، أو بالاستعانة بلغة معدّلة، مشتركة أيضاً، هي «لغة التعليم» المعممة، في العصر الحديث، عبر التعليم الالزامي ووسائل الإعلام، بهذا المعنى تصبح مفاهيم مثل الحقيقة والعدالة والخير مُستبطنة في اللغة الإنسانية ذاتها، رغم تغيّر مدلولاتها تاريخياً. وتُضطر السلطات لتبرير أفعالها بلغة عقلانية ما، رغم كل محاولات مخاطبة الانفعالات وتجييش الغرائز، التي مارستها السلطات والقوى السياسية عبر التاريخ.
إلا أن التواصل باللغة العادية يحتاج دوماً إلى قنوات مادية – مكانية لإتمامه، نموذجها الأولي الساحة العامة Agora في دولة المدينة اليونانية، حيث كان يجتمع العامة الأحرار والخطباء والفلاسفة والسياسيون، في العصر الذهبي للديمقراطية القديمة، لتداول الشؤون العامة. وجاء الانعطاف الأبرز في الحيز العام مع بداية عصر التنوير، حين برز ما يسميه الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس «الجمهور البورجوازي» الذي أنشأ مساحة تواصلية بمواجهة السلطة الملكية المطلقة، عبر الصحافة وحركة النشر والبرلمانات والصالونات الأدبية والمقاهي، برز فيها «الرأي العام» في مقابل «الحق الإلهي» المُشرعن للحكم القمعي للدولة. وعلى الرغم من أن هذه المساحة ضمنت هيمنة البورجوازية، وتميّزها عن الطبقة العاملة، إلا أنها عممت نمطاً من المعيارية العقلانية، انتقل بالضرورة إلى الطبقات الأدنى، ما أدى، مع تصاعد الصراع الطبقي في نهايات القرن التاسع عشر وبداية العشرين، إلى تفكك الجمهور البورجوازي نفسه، الذي تمتع دوماً بقوة نقدية ضد سلطة الدولة، لحساب بروز بوادر دولة الرفاه، التي استطاعت الهيمنة على الرأي العام، والتدخّل في صياغته، عبر السياسات الاجتماعية، والمؤسسات الوسيطة، ومراعاة مطالب الطبقات المتصارعة في توجهاتها العامة.
رغم كل الحديث عن الترف والنزعة الاستهلاكية في الدول الغربية، إلا أن الأرقام والاحصائيات تبيّن بوضوح، أن الجيل الحالي أصبح أفقر بكثير من جيل الآباء، خاصة في ما يتعلق بالقدرة على حيازة المساكن، وحقوق العمل، والوصول إلى الرعاية الصحية.
وعلى الرغم من أن ما يعتبره هابرماس تناقضاً ديالكتيكياً في الحيز العام البورجوازي قد أدى إلى نمط من أبوية الدولة، وخلق «جمهور زائف» يميل إلى الصمت والتلقي السلبي للثقافة الجماهيرية، إلا أن الفيلسوف الألماني يبقى متفائلاً بإمكانية تنظيم عقلاني للمجتمع، عبر الدولة الدستورية الديمقراطية، التي تحافظ على أفضل ما في خطاب الحداثة، وتؤمن، عبر التعليم، وتوفير المعلومات والوقائع للعامة، إمكانية تداول الحجج العقلانية، والتفاوض الديمقراطي بين مختلف القوى الاجتماعية، ما يحافظ على نمط من العقلانية التواصلية. والأهم في هذا التحليل التاريخي – الفلسفي، أن بروز وتطور الحيز العام، يحمل دوماً طابعاً جدلياً مزدوجاً، فهو من جهة يسهم في تحقيق وترسيخ هيمنة السلطة، ويبني، من جهة أخرى، إمكانية لمقاومتها، تستفيد منها غالباً الطبقات الاجتماعية غير المسيطرة. يبدو أن تعطيل الحيز العام، من خلال سياسات الإغلاق المديد، وتفكيك اللغة العقلانية المشتركة إلى تعليمات لغوية فوقية، تراعي الهويات والحساسيات، و«الوقائع» التي تدعي الحياد الأيديولوجي، صار السياسة الأنسب للسلطات المعاصرة، التي لم تعد ملكية مطلقة ذات حق إلهي، ولا ديمقراطية بورجوازية أو عمالية تحررية، ولا حتى دولة رفاه رعائية، بل مركباً سياسياً – حيوياً، يُدار عبر نخب بيروقراطية وتكنوقراطية، تميل لتعطيل الضمانات الدستورية، وترسيخ حالة «الجمهور الزائف» بالمعنى الهابرمسي، أو حتى «الحشد السلبي» حسب تعبير الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين.
نهاية القدرة النقدية
مفهوم «الحشد السلبي» لأغامبين يمكن أن يتضمّن معظم الانتقادات التي وجهت لنظريات هابرماس حول الحيز العام، فعلى الرغم من أن الأخير أفضل من بيّن التناقض في مفهوم الجمهور الحديث، إلا أنه يُتهم دوماً ببناء نظريته على أسس جوهرانية، جعلت العقلانية التواصلية موجودة بشكل طبيعي في اللغة نفسها، ولم يعالج بالشكل الكافي دور الهيمنة الأيديولوجية، والصراع لفرضها، في تأسيس «الحس السليم» common sense الإنساني نفسه، الذي يمكن بناءً عليه إقناع البشر بأفكار وممارسات معينة.
ليس الحشد السلبي مجرد جمهور زائف، لا يتمتع بقدرة نقدية تجاه السلطة، ويتلقى منها القيم الثقافية بشكل أحادي، بل هو يفتقد أصلاً لخصائص الجمهور، ونمط فردانيته المُفترض، فلا هو قادر على الالتقاء والتواصل في الحيز العام، بما يجعله تكتلاً سياسياً؛ ولا هو متمتع بالخصوصية، التي تضمن نوعاً من استقلال الحيز الخاص عن العام، كما كان سائداً في ديمقراطيات العصر القديم، حين كان المنزل وتدبيره منفصلاً عن السياسة العامة. الحشد السلبي خاضع ومميّع ومتشابه، لا ينال مزايا الفردانية ولا الجماعية، لكنه يعاني من كل سلبياتهما، و«حسه السليم» قائم على الخضوع الكامل للسياسات الحيوية القائمة، في ما يتعلق بالصحة وأنماط الحياة والسلوك الحسن، حتى داخل المنازل، التي أُجبر على ملازمتها، ولذلك فهو غير قادر على إبداء معارضة واعية تجاه حرمانه من أبسط حقوقه الأساسية، أو حتى تجاه تدمير أساسيات وجوده الاجتماعي والاقتصادي.
التراكم بنزع الملكية
رغم كل الحديث عن الترف والنزعة الاستهلاكية في الدول الغربية، إلا أن الأرقام والاحصائيات تبيّن بوضوح، أن الجيل الحالي أصبح أفقر بكثير من جيل الآباء، خاصة في ما يتعلق بالقدرة على حيازة المساكن، وحقوق العمل، والوصول إلى الرعاية الصحية. ومن الواضح أن إعادة توزيع الثروة نحو الأعلى اتجاه ثابت في السياسات الاقتصادية المعاصرة، وهو ما يعتبره الجغرافي البريطاني ديفيد هارفي، نمطاً من التوسع الرأسمالي عبر نزع ملكيات الطبقات الأدنى: تعطّلت آليات التوسع الرأسمالي من خلال الاقتصاد الحقيقي، ما يدخلنا دوماً في فقاعات مالية وعقارية، تنفجر بشكل كارثي، لتكون النتيجة سلب ما تملكه الفئات الأفقر، وخسارتها لفرص عملها، في حين تتعافى الشركات الكبرى بسرعة، لتراكم مزيداً من الثروة.
تولّد هذه الآلية كثيراً من الاحتجاج الاجتماعي العفوي، إلا أن الاحتجاج الفعّال يتطلب أولاً الخروج من حالة «الحشد السلبي» وهو الأمر الذي تجعله الأيديولوجيا والسياسات الحيوية المعاصرة شديد الصعوبة. ولهذا ستبقى الاحتجاجات «شعبوية» و«جاهلة» إلى حين حدوث تغيّر ما في الشرط العام، لا يمكن توقّعه حالياً.
كاتب سوري