النحت في العراق له تاريخ يعود إلى العصر السومري والبابلي، أي بحدود 3000 سنة قبل الميلاد. ومن أبرز أمثلة النحت من العصر السومري تمثال «دودو» الوزير في بلاط «لكش» الذي دوّن الأساطير الدينية. ويعود تاريخ التمثال إلى حدود 2400 قبل الميلاد، ويوجد هذا التمثال في المتحف الوطني العراقي. ومن أمثلة النحت المجسّم في حضارة العراق القديم تماثيل الثور المجنّح الذي كان يوضع في مدخل المدينة بوصفه القوّة الحارسة. ومن أشهر أمثلته الثورُ المجنّح الآشوري الذي يعود إلى مدينة دور شروكين ووزنه حوالي 30 طنا. لكن الملك سنحاريب انتقل إلى نينوى، وتوجد أمثلة من تلك التماثيل في أطلال نينوى الحالية، لكن اثنين منها في مدخل مكتبة نينوى قد حَطّمَها «داعش» عند احتلال الموصل، بتاريخ 26-2- 2015. ومن أبرز أمثلة النحت المجسّم مسلّة حمورابي ملك بابل، التي تعود إلى الفترة 1792- 1750 قبل الميلاد، وهي أقدم أثر في العالم يسجّل القوانين التي تسلّمها حمورابي من الإله شَمش، وتوجد في متحف اللوفر في باريس.
كانت هذه الأرضية التاريخية تُدرَّس في مدارس العراق منذ بداية الحكم الوطني في عام 1921. ونشأت الأجيال العراقية على الاهتمام بتاريخ العراق القديم إلى جانب اهتمامها بالفكر والحضارة العربية. وفي بداية أربعينات القرن الماضي برز الاهتمام بالفنون العراقية القديمة من موسيقى ورسم ونحت بارز ومجسّم. وكان لتأسيس معهد الفنون الجميلة ببغداد في أوائل الخمسينات دور كبير في تشجيع الفنون ومنها فنون الموسيقى العراقية التراثية وتطويرها. وقد استقطب هذا المعهد عدداً من شباب العراق من أصحاب المواهب الفنية، والتوجّه نحو تطوير تلك المواهب بالدراسة في المعهد أولاً، ثم الذهاب إلى العواصم الأوروبية الكبرى للتخصص بفرع من فروع الفن مثل الرسم أو الموسيقى أو النحت. وكانت المعاهد الإيطالية أبرز ما استقطب خرّيجي معهد الفنون الجميلة ببغداد.
وفي نهايات الأربعينات من القرن الماضي بدأ بالظهور عددٌ من النحّاتين العراقيين، ثم بدأت أعدادهم تتزايد منذ بواكير الخمسينات، وبخاصةٍ بعد عودة عدد من المتخصّصين في إيطاليا بالدرجة الأولى، فبدأوا بعرض أعمالهم بصورة شخصية أو بالإشتراك مع نحّاتين آخرين. وكانت الدولة تشجّع تلك المعارض، كما تشجِّعها الزيارات المتكاثرة من مختلف طبقات الشعب. وكان من أبرز النحّاتين في فترة الخمسينات فصاعداً أسماء مثل جواد سليم، إسماعيل فتاح، خالد الرحّال، محمد غني حكمت. وقد كان لكل من هؤلاء النحّاتين أسلوبه الخاص واهتماماته في اختيار الموضوعات التي تعود جميعها إلى التراث العراقي والعربي بشكل عام، وفي ذهن كلّ واحد منهم تراث العراق القديم في النحت البارز والمجسّم، مستفيدين مما تعلّموه في مدارس الغرب من دون أن يقلِّدوا تلك المدارس في موضوعاتها.
عند عودة جواد سليم من إيطاليا تعيَّن مدرِّساً في معهد الفنون الجميلة وتتَلمَذَ عليه هناك عددٌ من الشباب الذين سوف يصبحون قريباً نحّاتين بارزين، صنعت أعمالهم صورةَ نهضةٍ فنّيةٍ في عراق الخمسينات فصاعدا. كان من أبرز أعمال جواد سليم «نُصب الحريّة» القائم بشموخ في ساحة التحرير في الباب الشرقي (الجنوبي!) في بغداد فسُمِّيت الساحة الكبرى حوله باسم ساحة التحرير. يستلهم هذا النُصب شكلَ البيت الشعري العربي التراثي في امتداده من اليمين إلى اليسار. وترمز الأشكال البرونزية إلى سِلسلةٍ التطورات في تاريخ العراق، وتُظهر دور الجيش في تحطيم السجن الذي كان يقبع خَلفَه الشعب. وقد ساهم النحّات محمد غني حكمت في إقامة هذا النُصب بمساعدة أستاذه الكبير، في مراحل تثبيت القطع البرونزية الكبرى.
ومن النحاتين الذين تخرَّجوا في إيطاليا وتَتلمَذوا على جواد سليم نحّاتٌ بارزٌ آخر هو خالد الرَحّال، الذي ترك عدداً من الأعمال المُتمَيِّزة في استلهامها التراث العراقي، مثل عمله المُمَيَّز في «تمثال الأم» و»الجندي المجهول»و»قوس النصر» وتمثال «رأس المنصور» الذي أقيم في منطقة المنصور غربي بغداد، لكن أيدي الفوضويين حَطّمته بدعوى أنه كان الخليفة العباسي الذي اضطهدَ الشيعة قبل ذلك بقرون.
ومن النحاتين المشهورين في هذه الفترة إسماعيل فتّاح الذي أقام تمثال «أبو نواس» على ضفة دجلة وله تمثال «الرصافي»و «عبدالمحسن الكاظمي» وتمثال «نُصب الشهيد». وهذه المجموعة المتميّزة من النحّاتين العراقيين التي ازدهرت أعمالها منذ ستّينات القرن الماضي، والتي انتشرت في أنحاء بغداد وبعض المدن العراقية الأخرى، ساعدت في إبقاء التراث العراقي القديم، امتداداً إلى العصر العباسي والعصور الحديثة، تراثاً حيّاً في أذهان الأجيال.
ويختتم الفترة الذهبية لفنون النحت العراقي «شيخ النحاتين» محمد غني حكمت (1929-2011) وقد توفي في عَمّان بعد رحلةٍ طويلةٍ من الإبداع في فن النحت المُجسَّم والنحت البارز، على البرونز وعلى الخشب، وبخاصة في أعماله الكبرى في بوّابات المساجد الرئيسية في دول الخليج العربي. مثل الكثير من زملائه الرسّامين والنحّاتين، تخرّج محمد غني حكمت في معهد الفنون الجميلة في بغداد متخصّصاً بالنحت، وذهب إلى روما للتوسّع في تخصّصه، فتعلّم صبّ النُحاس وعمَل الأختام والميداليات، التي هي في الأصل من فنون النحت السومري، وأبدع في النحت البارز. وفي روما أقام عدداً من المعارض الشخصية والمشتركة مع فنانين آخرين. وقد فاز بعمل بوّابتين لليونسكو وثلاث بوّابات لكنيسة «تِستا دي ليبرا» في روما، وكان بذلك أول مسلم يفوز بعمل بوّابة لكنيسة مسيحية في بلد المسيحية: إيطاليا. وقد تتلمذ محمد غنى على النحّات الكبير جواد سليم في أواسط الخمسينات من القرن الماضي. وعند عودته من التخصص في إيطاليا أقام محمد غني في بغداد أول معرض لأعمال البرونز. ومن أعماله المشهورة التي تملأ ساحات بغداد ومعارضها الفنية تماثيل «شهرزاد وشهريار» و «كهرمانة والأربعين حرامي» و «تمثال المتنبي» و «تمثال إنقاذ العراق» و «جِدارية مدينة الطب» ببغداد. وكان شيخ النحاتين محمد غني حكمت يستلهم في جميع أعماله تاريخ العراق القديم السومري والبابلي والأكدي، إضافةً إلى التاريخ العربي وقصص ألف ليلة وليلة. ويروي محمد غني حكمت أن أحد أساتذته في إيطاليا أشار عليه الرجوع إلى فن بلاد الرافدين التي تعلّم منها الإغريق وأورثوا معرفتهم للرومان، لذلك من الحريّ بإبن الرافدين أن يرجع إلى جذور فنون النحت التي بدأت في بلاده أصلاً. وقد أثّر ذلك كثيراَ في مسيرة محمد غني كما يظهر في الأعمال التي أنجزها على امتداد حياته الفنّية. وقد انتبَه الفنان العراقي أن حضارة العراق القديم في الكتابة والفنون تقوم على الطين بالدرجة الأولى. فصار يستعمل الطين في تحضير العيّنات لأعماله قبل أن يُجهِّز «الماكيت» للتمثال أو المنحوتة البارزة.
وأنا شخصياً قد عاصرتُ جميعَ هؤلاء النحّاتين، وعلى الخصوص محمد غني حكمت، الذي كنتُ أزوره في مَشغَله في منطقه شارع 14 رمضان في بغداد، وبعد ذلك في مَشغَله في عمّان بالأردن. ويُسعدني أن أقول إن هذا النحّات الكبير كان يهديني بعض «الماكيتات» من أعماله مثل تمثال «المتنبي» ومنحوتة «القهوة البغدادية» التي تُمثل روّاد القهوة المتربِّعين على مقاعدها الخشبية، يدور أمامهم صَبي المقهى حاملاً بيده دَورق الماء النحاسي والطاسات، وتكاد الصور جميعاً أن تنطق. كما أهداني هذا النحات الكبير عدداً من المُصَغّرات النحاسية لبعض أعماله؛ ومن الميداليات أهداني عدداً كان آخرها ميدالية مُدوّرة عليها نحتٌ بالخط الكوفي المطوّر يفيد: «عراقيون أوّلاً» إضافةً إلى عدد من الكتب التي كان يُصدرها عن أعماله، مثل كتاب «أبواب» وهو صُوَر مجموعةٍ من الأبواب الخشبية الهائلة التي أنجزَها بالحفر البارز لقصور أو مساجد كبرى في دول الخليج العربي. وهذه جميعا من التراث العراقي الفني الذي اعتز به.