لندن – «القدس العربي»: انقلبت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية «دراما» و»نوستالجيا»، في ردود الأفعال على البيان العاطفي الذي نشره موقع مانشستر سيتي، لإعلان رحيل الهداف التاريخي سيرخيو أغويرو، بعد انتهاء عقده مع النادي في فصل الصيف، ليطوي «الكون» واحدة من القصص التي ستبقى عالقة في الأذهان لسنوات، وستتفاخر بها الأجيال القادمة في الجزء السماوي للمدينة الساحلية الشمالية.
دي ستيفانو السيتيزنز
كما كان الراحل ألفريدو دي ستيفانو، أول من وضع حجر أساس مشروع ريال مدريد العظيم في الخمسينات، وأيان راش مع ليفربول ودييغو مارادونا مع نابولي في الثمانينات وغيرها من الأمثلة المشابهة، سيذكر كاتب التاريخ، أن القصير الأرجنتيني جاء من أتلتيكو مدريد في صيف 2011، ليعبث بالمسلمات والمعتقدات القديمة، متقمصا دور مارتن لوثر كينغ، ذاك المجدد الذي أحدث ثورة حقيقية في شكل الصراع على لقب الدوري الإنكليزي، بعد صرخته الشهيرة في احتفاله بهدفه الخالد في شباك كوينز بارك رينجرز، التي منحت السيتيزنز أول لقب بريميرليغ في حقبة الإدارة الإماراتية السخية، وأول لقب منذ نصف قرن. إلى جانب ذلك، قضت على ما كان يُعرف في العقد الأول من الألفية الجديدة «الأربعة الكبار»، والإشارة إلى مانشستر يونايتد وتشلسي وآرسنال وليفربول، الذين احتكروا المراكز الأربعة الأولى في تلك الفترة.
وأصبح هناك ما يعرف بـ «الخمسة الكبار»، اعترافا بأحقية المان سيتي في الوقوف على قدم المساواة مع الكبار الكلاسيكيين، ليس فقط لامتلاكه تشكيلة وأسلحة فتاكة بجودة تفوق باقي المنافسين، بل أيضا لاكتسابه شخصية البطل، التي ساهمت في وصول شعبية النادي إلى مستويات غير مسبوقة في كل أنحاء العالم، خاصة في أول سنوات تدشين المشروع السماوي، أو بالأحرى سنوات البناء ووضع التصور المستقبلي للمان سيتي مع روبرتو مانشيني ومانويل بيلغريني، قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ مع بيب غوارديولا، بالنسخة المرعبة التي يبدو عليها السيتي، كفريق يسبق منافسيه بآلاف الأميال، وبالكاد ينافس نفسه في هوس الأرقام القياسية. وقبل أي شيء نتحدث عن كيان متمرس على احتكار الألقاب، وبشهادة المنافس قبل المؤيد، فإن جزء كبير من تاريخ وإنجازات السيتيزنز في العشرية الأخيرة، بفضل أغويرو، لما قدمه وما زال بإمكانه تقديمه قبل نهاية الموسم، كأكثر المساهمين في كل الألقاب الـ13 التي تحصل عليها الفريق منذ العام 2011، 4 ألقاب بريميرليغ، وكأس إنكلترا، و5 كأس رابطة، و3 درع اجتماعية، بفضل أهدافه الـ257 وتمريراته الحاسمة الـ73 في 384 مباراة طوال مشواره مع الفريق، في ما يلقب بالهداف التاريخي للنادي، وأفضل هداف أجنبي في تاريخ البريميرليغ، صاحب أعلى معدل أهداف في نفس البطولة، والأكثر تسجيلا للهاتريك والأكثر تسجيلا في مواجهات الستة الكبار، ما يعكس دوره وتأثيره الكبير في نهضة السيتي.
وجهات محتملة
صحيح الهداف الأرجنتيني عانى الأمرين مع لعنة الانتكاسات هذا الموسم، وعلى إثرها لم يشارك سوى في ثماني مباريات فقط في مختلف المسابقات، منها أربع مواجهات على مستوى البريميرليغ، ولم يسجل سوى هدف واحد، في طريقه لتخطي حاجز الـ33 عاما، لكن أغلب المؤشرات والتوقعات ترجح فكرة استمراره في أعلى مستوى تنافسي في الدوريات الأوروبية، وليس اقتراح العودة إلى الأرجنتين لإنهاء مسيرته مع ناديه الأسبق إندبندينتي أو جمع الأموال في الصين أو أمريكا. وبإلقاء نظرة سريعة على وجهاته المحتملة، سنجد أنه من الصعب استبعاد خيار العودة إلى بيته القديم في مدريد، كيف لا وهو النادي الذي ساعده على تطوير موهبته، بمنحه فرصة العمر، باللعب جنبا إلى جنب مع ابن قارته دييغو فورلان في هجوم الروخو بلانكوس، ليتحول خلال خمس سنوات من مشروع مهاجم واعد جاء إلى «فيثنتي كالديرون» القديم بعمر 18 عاما، إلى ذاك الجلاد، الذي خطف أنظار الكبار في إسبانيا وأوروبا بأهدافه الـ90 وتمريراته الـ29 الحاسمة، وفي الأخير خطفه السيتي مقابل 45 مليون يورو، وهو ضعفا رسوم ضمه من إندبندينتي.
ومعروف أن الأرجنتيني دييغو سيميوني في أمس الحاجة لمهاجم بمواصفات وخبرة مواطنه، أولا لرفع مستوى المنافسة مع المتحدث الرسمي الوحيد لخط هجوم الأتلتي لويس سواريز، بعد فشل المهاجم الفرنسي موسى ديمبيلي في تقديم أوراق اعتماده، كرأس حربة على نفس مستوى طموحات متصدر الليغا، تارة لمعاناته مع الإصابات منذ ضمه من ليون في الميركاتو الشتوي الأخير على سبيل الإعارة، وتارة أخرى لعدم انسجامه مع زملائه الجدد في «واندا ميتروبوليتانو»، كما تعكس لغة الأرقام، التي تقول إنه تحصل على بطاقات صفراء أكثر مما سجل مع الأتلتي، بحصوله على 3 بطاقات صفراء، مقابل حصيلة تهديفية صفرية من مشاركته في 4 مباريات، ما يعقد فكرة استمراره، لصعوبة تفعيل الشرط الجزائي في عقده، والمقدر بنحو 33 مليون يورو، مقارنة بمستواه الذي يحيطه الكثير من العلامات الاستفهام، وأيضا في وجود فرصة ذهبية، باستعادة الابن الضال في صفقة انتقال حر، ليصبح أحدث الطيور العائدة إلى «الواندا» بعد سنوات من الهجرة في الدوري الإنكليزي الممتاز، على غرار القادة السابقين فيرناندو توريس ودييغو كوستا.
جامعة بوسمان والقطعة النادرة
تشمل قائمة الطامعين في التوقيع مع أغويرو، عملاق الكرة الإيطالية يوفنتوس، الذي أثبت على مدار السنوات الماضية، أنه بطل المنافسة على مستوى الصفقات المجانية، بقائمة عريضة من الأسماء التي جاءت إلى «يوفنتوس آرينا» بموجب قانون بوسمان، منهم بول بوغبا وأندريا بيرلو وفابيو كانافارو وداني ألفيش وآرون رامزي وأدريان رابيو وغيرهم، والآن يبدو واضحا أن اليوفي بحاجة لرأس حربة من الطراز العالمي، لتضرب الإدارة عصفورين بحجر واحد، منها توفير الشريك المثالي لكريستيانو رونالدو، أو بمعنى آخر، ليقوم بالدور الذي كان يلعبه كريم بنزيما مع صاروخ ماديرا في اللوس بلانكوس، بعد معاناة ألفارو موراتا مع الإصابات، رغم ظهوره بمستوى جيد في بعض المباريات، ومنها أيضا التخلص من صداع تقدم الدون في السن ودخوله الفصول الأخيرة في مسيرته الأسطورية، بضمان وجود رأس حربة يتمتع بالخبرة الكافية لمساعدة الفريق في الفوز بالألقاب الجماعية، والأهم إنهاء نحس دوي أبطال أوروبا. أو قد يتجه إلى العاصمة الفرنسية، ليعزز القوة الضاربة لهجوم باريس سان جيرمان، بتكوين ثلاثي هجومي من كوكب آخر بجانب كيليان مبابي ونيمار، وهناك عدة مصادر إسبانية وفرنسية، أكدت أن الإدارة الباريسية لن تفوت فرصة «الكون»، بناء على رغبة مواطنه ماوريسيو بوتشيتينو، لاعتقاده بأن المهاجم الأنسب لأسلوب لعب فريقه، بالإضافة إلى ذلك، سيحدث نفس تأثير المتمرد مبابي، في حال اضطر النادي للموافقة على بيعه لريال مدريد في الميركاتو الصيفي، في ظل حالة الغموض المسيطرة على مستقبله في «حديقة الأمراء»، لمبالغته في إعطاء رده النهائي على مفاوضات تمديد عقده إلى ما بعد 2022.
ريال مدريد أم برشلونة؟
وفقا للعديد من المصادر، فإن الوجهة الأكثر ترجيحا لأيقونة السيتي، هي استكمال مسيرته مع برشلونة، لاسيما بعد ارتباط مستقبله بالبلوغرانا الصيف الماضي، ليحل محل السفاح لويس سواريز، بعد إرساله إلى أتلتيكو مدريد، حتى قبل إعلان بيان الانفصال الرسمي، علمت صحيفة «آس»، أن رئيس البارسا الجديد خوان لابورتا بصدد الحصول على توقيع أغويرو، ضمن خطته لإقناع ليونيل ميسي بالبقاء في «كامب نو» حتى نهاية عقده، لاستغلال علاقة الصداقة القوية التي تربط البرغوث بزميله في منتخب التانغو، وأيضا لحل أزمة النقص العددي الحاد في مركز المهاجم رقم (9) منذ رحيل سواريز، فضلا عن إمكانية الاستغناء عن مارتن بريثويت. وفي ظل الوضع الاقتصادي الصعب للنادي بسبب كورونا، لن يجد لابورتا أفضل من أغويرو، لتعزيز القوة الهجومية، بالطريقة التي تجعله قادرا على القتال بشراسة في كل الجبهات كما كان وضع النادي في ولاية رئيسه الحالي الأولى، أما الخيار الأخير والمثير، هو الانتقال إلى عدو الأمس ريال مدريد، كما أشارت العديد من الصحف الإسبانية، إلى أن رئيس النادي فلورنتينو بيريز يترقب وضع أغويرو، انتظارا للحظة المناسبة للانقضاض عليه قبل باقي الطامعين، على أمل أن يُحسّن أرقام الهجوم، التي تدهورت كثيرا بعد رحيل كريستيانو رونالدو، بحصيلة ضعيفة لكل المهاجمين باستثناء كريم بنزيما، الذي يقدم أفضل مستوياته بعد التحرر من دور «سنيد» رونالدو على مدار 9 سنوات، والسؤال الآن: هل سيعطي أغويرو الأولوية للريال والبارسا أم سيختار تحدياً آخر؟ هذا ما سنعرفه في فصل الصيف؟