عزل العراق عن الدول الأخرى والسعي لحصره بطرف إقليمي واحد، هدف استراتيجي ثابت منذ عام 2003 ويتم تنفيذه من خلال القوى الولائية السياسية، وأذرعها المسلحة.
بغداد-»القدس العربي»: بالتزامن مع لقاءات واتصالات تجريها حكومة بغداد مع السعودية ومصر والأردن، يدور صراع شرس في العراق بين جناحين أحدهما يسعى للانفتاح على المحيط العربي لضرورة محلية، والآخر في الاتجاه المعاكس يسعى لوضع العراقيل والمعوقات في هذا الطريق، من أجل عزل البلد ودفعه نحو الشرق.
فقد اختتم رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي زيارته إلى السعودية قبل أيام، بعقد عدة اتفاقيات في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، انسجاما مع مساعيه السابقة بتوثيق العلاقات العراقية العربية، بهدف فك عزلة العراق والتخفيف من الضائقة الاقتصادية التي يمر بها البلد حاليا.
وأشار البيان المشترك العراقي السعودي بعد زيارة الكاظمي للسعودية، إلى توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين البلدين بينها تأسيس صندوق مشترك بثلاثة مليارات دولار، وإنجاز مشروع الربط الكهربائي بين البلدين وتشجيع الاستثمار وغيرها. وأعرب الجانبان عن ارتياحهما للمستوى المتصاعد في التعاون والتنسيق بين البلدين الشقيقين، مؤكدين عزمهما على استمرار وتعميق التعاون والتنسيق بينهما بما يخدم المصالح المشتركة في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والتجارية والاستثمارية والسياحية، إضافة إلى عقد مباحثات في الشؤون الأمنية وتأمين الحدود المشتركة ومكافحة الإرهاب في المنطقة.
ويرى المراقبون، ان العلاقات بين البلدين مهمة للطرفين، ولذا فإن حكومة بغداد تولي أهمية كبيرة لزيارة الكاظمي إلى السعودية واجتماعات لجان «المجلس التنسيقي» التي أسفرت عن توقيع 5 اتفاقيات بين البلدين، كما التقى الكاظمي برجال الأعمال السعوديين، لتشجيعهم على الاستثمار في العراق بمجالات الطاقة والزراعة، وذلك في وقت يمر العراق بأزمة اقتصادية حادة، تستوجب التعاون والانفتاح على الأشقاء والجيران والعالم.
وبالتزامن مع زيارة الكاظمي إلى السعودية، عقد وزراء خارجية العراق ومصر والأردن، لقاء في بغداد للتمهيد لقمة جديدة بين رؤساء الدول الثلاث في العاصمة العراقية التي تأجل انعقادها بسبب انشغال الحكومة المصرية بحادثتي إغلاق قناة السويس بسفينة جانحة وتصادم قطارات هناك. وقد ركز اجتماع بغداد على تنسيق التعاون في المجالات المشتركة وأبرزها إقامة المدينة الاقتصادية المشتركة، والتعاون في مجال الكهرباء والنفط والزراعة، وحركة المسافرين، ومشاريع إعادة الإعمار في العراق، إضافة إلى بحث مشروع مد أنبوب النفط من البصرة إلى العقبة.
وفي الاتجاه المعاكس لتحرك حكومة الكاظمي نحو المحيط العربي، كانت هناك قوى سياسية وفصائل ولائية، ترفض هذا التوجه وتهاجمه باستمرار، حيث شنت قيادات شيعية عبر وسائل إعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حملة منظمة ضد زيارة الكاظمي إلى السعودية، واجتماعات التعاون الثلاثي، ادعت فيها عدم استفادة العراق من العلاقات العربية، مع ابراز «نظرية المؤامرة» مثل ادعاء استخدام أنبوب النفط بين الدول الثلاث لنقل النفط إلى إسرائيل.
ومعروف عن القوى الولائية مهاجمتها المستمرة للسعودية وتحميلها مسؤولية الأعمال الإرهابية التي قام بها تنظيما «القاعدة» و»داعش» في العراق، ووضع العراقيل أمام تطور العلاقة معها. بل وصف قادة شيعة بارزون، عرض السعودية للاستثمار في الصحراء العراقية، بانه «احتلال واستعمار». ووصل الأمر إلى تباهي ميليشيات بشنها هجمات بالطائرات المسيرة مؤخرا على أهداف في السعودية انطلاقا من الأراضي العراقية. كما تقوم القوى الولائية بالتحريض المستمر ضد حكومة البحرين وقام أتباعها بمهاجمة سفارتها في بغداد بحجة معاداة الشيعة، إضافة إلى إعلان دعم الحوثيين في اليمن. وقبل انعقاد القمة الثلاثية المقررة في بغداد مؤخرا، نظمت ميليشيات ولائية، استعراضا عسكريا، وتهديدات لحكومة الكاظمي، وهو ما اعتُبر في أحد أهدافه، رسالة ضد القمة الثلاثية.
وفي السياق ذاته، شن قادة فصائل مسلحة قبل أيام، حملة ضد جهاز المخابرات العراقي، بداعي سيطرة الإمارات عليه، رغم أن الأجهزة الأمنية العراقية لديها تعاون مع عدد من الأجهزة الأمنية لدول العالم مثل الروسية والسورية والإيرانية، والتحالف الدولي، للتنسيق في مواجهة الإرهاب، ولم تعترض عليها الفصائل.
وفي تناقض واضح في مواقف القوى الولائية، انها في الوقت الذي تنتقد انفتاح العراق عربيا، يلاحظ المراقبون ان هذه القوى تندفع في إقامة علاقات مع دول عربية صديقة لإيران، مثل سوريا ولبنان، حيث تقف تلك القوى إلى جانب النظام السوري وترسل مقاتليها للوقوف معه بوجه المعارضة هناك. وحتى حكومة بغداد، دأبت على دعم النظام السوري ومحاولة فك عزلته وأزماته الاقتصادية عبر زيادة التبادل التجاري والتنسيق الأمني معه.
والملاحظ ان مساعي عزل العراق عن محيطه لم تقتصر على البلدان العربية، بل امتدت إلى محاولات تخريب العلاقة العراقية التركية، حيث هددت فصائل ولائية، تركيا بانها ستحارب القوات التركية التي تدخل إلى بعض مناطق شمال العراق لملاحقة عناصر حزب العمال التركي الإرهابي الموجودين في الأراضي العراقية، كما نظمت القوى الشيعية العديد من التظاهرات أمام السفارة التركية ببغداد واختطفت عمالا أتراك وتعرقل إكمال مشاريع تركية مثل المستشفيات.
والحقيقة الواضحة، ان أي طرف عراقي يسعى نحو التعاون العربي، لن تكون مهمته يسيرة ومعبدة بالورود، لأن قضية عزل العراق عن الدول الأخرى والسعي لحصره بطرف إقليمي واحد، هدف استراتيجي ثابت منذ عام 2003 ويتم تنفيذه من خلال القوى الولائية السياسية، وأذرعها المسلحة، إلا ان انفتاح العراق عربيا، يبقى هو الأمل الوحيد للعراقيين، ليس لمواجهة الأزمات الاقتصادية والأمنية فحسب بل ولتحقيق التوازن في العلاقات الخارجية وتخفيف نفوذ وهيمنة الجار الإقليمي الذي يسعى للتمسك بالعراق بكل امكانياته وأدواته، في وقت يبدو العالم غير مكترث بمصير العراق وشعبه.