الأحزاب اللبنانية لم تستطع وضع خطة لإنقاذ ما تبقّى من الوطن
بيروت-»القدس العربي»: إذا لم تتكلّل جهود رئيس مجلس النواب نبيه بري بالنجاح على خط بيت الوسط وقصر بعبدا لإنتاج تشكيلة حكومية من 24 وزيراً مقسّمة على ثلاثة أثلاث من دون أي ثلث معطّل لأي فريق، ووفقاً لمعادلة «لا غالب ولا مغلوب» بمعنى تراجع الرئيس المكلّف سعد الحريري عن تمسّكه بحكومة من 18 وزيراً مقابل تراجع رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره عن التمسّك بالثلث المعطّل وعدم منح الثقة للحكومة في المجلس النيابي، فإن البلاد مقبلة على أسوأ سيناريو دراماتيكي ولن يفصل بينها وبين الانزلاق الحتمي الى الانهيار الكبير سوى أسابيع قليلة خصوصاً إذا امتنع مصرف لبنان عن الاستمرار بسياسة الدعم للسلع الغذائية وللمحروقات، واذا امتنع نواب جدد عن إقرار سلفة جديدة لشركة كهرباء لبنان من ودائع الناس وهي الجزء المتبقّي من الاحتياط الالزامي لدى المصرف المركزي، ما يعني دخول لبنان في العتمة والوقوف على عتبة انفجار اجتماعي.
فعدم تأليف حكومة والمراوحة في دوّامة من يسمّي الوزراء المسيحيين سيترك تداعياته الكبيرة على الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمرّ فيها البلد، وسيدفع بالدولار إلى التحليق أكثر فأكثر وإلى استفحال الغلاء والجوع لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي لم تعد تكفيها الرواتب التي تراجعت قيمتها الشرائية. وعدم تأليف حكومة سيصطدم بالجدل الدائر حول تفعيل حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسّان دياب الذي لا يزال يرفض تفعيل حكومته ويسود الجفاء بينه وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي ردّ على دعوة دياب لتفسير القانون لجهة تصريف الأعمال، بالقول «هيدا حكي تركي» معتبراً أن «الدستور واضح في ما خصّ تصريف الأعمال بالنطاق الضيق، ولا يحتاج إلى تفسير، وهو تسيير الأمور الضرورية التي تفيد الشعب، أو تدفع الضرر، إلا إذا كان المطلوب تغيير الدستور، وهذا الأمر غير وارد على جدولنا».
وصاية جديدة
وإذا استمرّت حكومة دياب على طريقة «لا معلقة ولا مطلقة» أي «لا تصرّف ولا تفعّل أعمالها» فإن الأسوأ ينتظر البلاد التي ستواجه مصير سفينة «تايتانيك» ولكن من دون أوركسترا ومن دون عزف موسيقى كما سبق وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في توصيفه للانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان. وقد وجّه الوزير الفرنسي تحذيراً فرنسياً أخيراً قبل أيام من خلال اتصالاته بالرؤساء الثلاثة، معبّراً عن نفاد صبر فرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون مع السياسيين اللبنانيين المتناحرين مع تلويح بفرض عقوبات أوروبية، علماً أن لا مساعدات مالية دولية أو عربية مرتقبة طالما لم تُشكّل حكومة ولم تُطبّق إصلاحات شاملة وضرورية.
وتمثّل هذه الأزمة الاقتصادية والمالية غير المسبوقة أكبر تهديد للاستقرار في لبنان منذ الحرب الأهلية التي دامت 15 سنة ولم تنته مفاعيلها بعد في ظل وجود سلاح في يد فريق لبناني، يُستخدم للاستقواء ولفرض نوع من وصاية جديدة بعد انتهاء الوصاية السورية. وإذا كان اللبنانيون تظاهروا ونزلوا بكثرة إلى الشوارع والساحات في 17 تشرين وحققوا مطلب استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري الثانية في عهد عون، إلا أن هذه الثورة لم تنجح في تحقيق تطلعاتها كافة وفي تغيير الطبقة السياسية التي يشكو منها ومن فسادها كثيرون في الداخل والخارج، كما لم تنجح هذه الثورة في توحيد مطالبها وفي تشكيل قيادة موحّدة لها.
وكان يُعوّل بعد الانفجار المدمّر في مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس الفائت على عودة الزخم إلى الثورة بعد الضحايا الأبرياء الذين سقطوا نتيجة هذا الاهمال الفاضح لآلاف أطنان نيترات الأمونيوم في العنبر الرقم 12 داخل المرفأ ما تسبّب انفجارها في تدمير نصف العاصمة بيروت. ولكن السلطة عمدت إلى خنق الأصوات التي ارتفعت وإطلاق الرصاص المطاطي مباشرة على العيون إضافة إلى القنابل الدخانية ما أدى إلى قمع التحركات بعدما كان مناصرو سلاح حزب الله تولّوا مهمة قمع مجموعات من الثورة رفعت الصوت ضد سلاح الحزب، سواء في ساحة الشهداء وساحة رياض الصح أو على جسر الرينغ وفي المناطق الجنوبية والبقاعية الخاضعة لسيطرة الثنائي الشيعي. وهكذا تشتّتت التحركات وانكفأت مجموعات عن النزول إلى الاحتجاجات لعدم رضاها على رفع شعارات سياسية تتخطّى المطالب الاجتماعية والمعيشية.
تزامناً، وفي خضم الأزمة السياسية عاد الهاجس الأمني إلى الواجهة بعد تحذير وزير الداخلية والبلديات العميد محمد فهمي من «تلاشي الوضع الأمني كلياً» واعتباره «أن البلد مكشوف على كافة الاحتمالات وليس فقط اغتيالات» مشكّكاً بقدرة القوى الأمنية على ضبط الأمن في ظل هذه الفوضى خصوصاً «أن الأحزاب اللبنانية لم تستطع وضع خطة وطنية لإنقاذ ما تبقّى من الوطن».
ولعلّ المخاوف من التدهور الأمني هي التي دفعت رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط إلى التحدث عن «تسوية» للوضع الحكومي وإلى زيارة مفاجئة إلى القصر الجمهوري للقاء الرئيس عون الذي لطالما إتهم عهده بـ «الفاشل» والبعض ينسب إلى الزعيم الدرزي استشرافه الأمر والخروج بفكرة حكومة من ثلاثة أثلاث وتسويقها لدى عون وبري والحريري.
إذاً، فإن الأزمة تبقى بلا أفق ولو تمّ تأليف حكومة بموجب تسوية سياسية حكومية، فإن الخروج من الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي يستوجب على الأقلّ 5 سنوات ويتطلّب دعماً دولياً وعربياً على أمل ألا يتم الاصطدام مجدداً بصندوق النقد الدولي وبشروطه للإنقاذ ولاسيما أن أمين عام حزب الله كان أبدى الاعتراض على مثل هذه الشروط، وعلى أمل إيجاد مصادر لتمويل الكهرباء قبل حلول العتمة التي لا مفرّ منها في ظل السياسات الخاطئة والهدر في هذا القطاع الذي كلّف الدولة اللبنانية عجزاً وديوناً بقيمة 40 مليار دولار.