الليرة والخبز والديون وفشل الدولة الوطنية في لبنان

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

ليس من المتوقع أن تتمكن الدولة من تدبير موارد كافية لسداد ديونها الخارجية

انهيار الليرة، وانفلات أسعار الخبز، والعجز عن سداد الديون، وانتشار الفساد، تمثل صورا لفشل الدولة الوطنية التي نشأت في لبنان بعد الاستقلال. لبنان يمر حاليا بكارثة اقتصادية لم يشهدها في تاريخه الحديث، حيث انهارت مؤسسات الدولة، وسقطت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى هوة الفقر بدون أي غطاء للحماية الاجتماعية. وطبقا لأكثر التقديرات تحفظا الصادرة عن البنك الدولي، فإن 55 في المئة من السكان في لبنان يعيشون الآن تحت خط الفقر، الذي قدره البنك الدولي بـ6000 ليرة للفرد يوميا، وهو ما يعادل ربطتين من الخبر بأسعار اذار/مارس 2021. كما فقد لبنان سمعته المالية الدولية، وعجز عن سداد ديونه، وتم تخفيض تصنيفه الائتماني إلى ما دون حد القدرة على الاقتراض أو جذب الاستثمار. وما كان من النخبة السياسية وبقايا الدولة، إلا أن توجهت للمغتربين بنداءات لتحويل دولاراتهم إلى الداخل، وأن يكفل كل واحد منهم أسرة لبنانية بقيمة 200 دولار في الشهر كما اقترح سمير جعجع!
ورغم الكارثة وانتشار الفساد، فإن تلك النخبة السياسية ما تزال تقتات على مصادرة كل دولار يدخل إلى البلاد عن طريق الجهاز المصرفي، وتفرض سعرا للتحويل إلى الليرة يقل عشر مرات عن سعر السوق السوداء للعملة. ونتيجة لأن 1 في المئة فقط من سكان لبنان يحصل على 25 في المئة من الدخل المحلي، وتملك نسبة العشرة في المئة الأعلى دخلا حوالي 71 في المئة من ثروة البلاد، فإن تلك النخبة السياسية والجماعات المرتبطة بها لا تعرف معنى الكارثة الاقتصادية، لأنها تصنعها وتتربح منها، ومن ثم فإن لها مصلحة في استمرارها وليس العكس.

لماذا تنحدر الليرة في هاوية بلا قاع؟

العملة هي التعبير المكثف عن قوة الاقتصاد ودرجة الثقة في الدولة، فإذا انهار الاقتصاد وسقطت الثقة في الدولة تنهار العملة، بلا حواجز، ويمكن أن تسقط في هاوية بلا قاع.
في عام 1997 حدد البنك المركزي اللبناني سعر الدولار محليا بقيمة 1507 ليرات. ومنذ ذلك الوقت، وعلى الرغم من التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية السلبية في لبنان وسوريا، فإن السعر ظل ثابتا. وللمحافظة على سعر الليرة قويا، توسعت الحكومة في الاقتراض الخارجي، وحافظت على أسعار فائدة مرتفعة تساعدها على الطفو فوقها. لكن هذه السياسة لا تتوفر لها مقومات الاستدامة، وذلك نظرا لأن الاقتصاد اللبناني يعتمد بنسبة 80 في المئة على قطاع الخدمات، كما أنه قائم على الاستيراد وليس الإنتاج المحلي، ويستعين على نقص السيولة المحلية بتحويلات المغتربين، إضافة إلى الاقتراض من الخارج، والمساعدات التي تقدمها الهيئات الدولية للاجئين والنازحين السوريين والفلسطينيين. ويقدر عدد هؤلاء بنحو 1.5 مليون شخص، يتلقون إعانات شهرية من برامج وكالة غوث اللاجئين ومنظمات الإغاثة الإنسانية والبنك الدولي، إضافة إلى 1.2 مليون لبناني يتلقون مساعدات من البنك الدولي في إطار البرنامج الوطني لمحاربة الفقر. وقد حصل لبنان منذ عام 2011 حتى عام 2020 على ما يقرب من 9 مليارات دولار في صورة مساعدات لاستيعاب اللاجئين.

سعر رخيص للدولار في البنك المركزي

ويستفيد من السوق السوداء للدولار شبكة تضم الحكومة والبنك المركزي والمستوردين وعصابات السوق السوداء. وتفسير ذلك يتمثل في أن الحكومة تسطو على موارد النقد الأجنبي بحجة تمويل الواردات وأوجه الإنفاق المختلفة التي تقوم بها. ويتم تحويل النقد الأجنبي الرخيص إلى عملة محلية للمستفيدين طبقا للسعر السائد في البنك، كما يحصل المستوردون على الدولارات من البنك المركزي سواء بالسعر الرسمي للسلع الأساسية أو ما يسمى بسعر المنصة الإلكترونية، وهو سعر التداول بين البنوك يعادل ضعف السعر الرسمي للبنك المركزي، لكنه أقل بكثير من سعر السوق السوداء ويعادل حاليا حوالي 18 في المئة من سعر السوق السوداء. ومع ذلك فإن المستوردين الذين يحصلون على الدولار بالسعر الرسمي أو سعر المنصة الإلكترونية، يبيعون السلع المستوردة بسعر السوق السوداء، فيحققون بذلك أرباحا فاحشة غير شرعية.
في المقابل فإن أصحاب التحويلات الذين يحصلون على الحوالات بالعملة المحلية وليس بالدولار، طبقا لتوجيهات البنك المركزي، حتى تلك التي ترسل عبر مؤسسات خارج النظام المصرفي مثل «ويسترن يونيون» و «موني غرام» فيخسرون 90 في المئة من مستحقاتهم في السوق السوداء للسلع. وينطبق هذا النظام أيضا على المتلقين للمعونة من البنك الدولي ووكالة غوث اللاجئين ومنظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة الذين احتجوا على ذلك. وبسبب هذه الاحتجاجات تقدم مكتب الإغاثة الإنسانية بطلب إلى الحكومة اللبنانية بالسماح للمتلقين للمساعدات بالحصول على مستحقاتهم بالدولار الأمريكي بدلا من الليرة اللبنانية. وتم تبرير الطلب بحقيقة أن المتلقي لمعونة قيمتها 400 ألف ليرة في الشهر مقابل نحو 265 دولارا بالسعر الرسمي، فإن ما يحصل عليه الآن هبطت قيمته الشرائية إلى ما يعادل 25 دولارا فقط بسعر السوق السوداء الذي بلغ في نهاية الشهر الماضي 16 ألف ليرة. ومع أن الحكومة رفضت الاستجابة لطلب الأمم المتحدة فإن وكالة «رويترز» قالت إنها اطلعت على مذكرة بتاريخ 22 شباط/فبراير الماضي تفيد بحدوث اتفاق شفهي بين الطرفين، يتم بمقتضاه احتساب دولار المعونة بقيمة 6240 ليرة بينما كان سعر الدولار في ذلك الوقت 12 ألف ليرة، أي بنصف سعر الدولار تقريبا في السوق السوداء، لكن هذا الاتفاق لم يصدر رسميا.
وبسبب شعور المغتربين بأن سياسة سعر الصرف تنطوي على سرقة مفضوحة، فإن تحويلاتهم إلى ذويهم انخفضت في النصف الأول من العام الماضي بنسبة عشرين في المئة لتسجل 3.1 مليار دولار من 3.9 مليار في الفترة نفسها من العام السابق. ومن المتوقع أن تكون قد انخفضت أكثر في العام الحالي، بسبب الفساد المحلي، وتداعيات وباء كورونا وزيادة شحة الدولار. ويستعين المغتربون بأصدقائهم المسافرين لإرسال قدر من الأموال إلى ذويهم. وطبقا لتقديرات البنك الدولي فإن تحويلات المغتربين بالعملات الأجنبية كانت تعادل حوالي 12.5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي حتى نهاية العام 2019 لكن بعض الاقتصاديين يقدرونها الآن بما يعادل 23 في المئة بعد الانكماش الحاد للاقتصاد في العام الماضي، واستمرار الأزمة حتى الآن.
واستمرارا لدوره في محاولة إيجاد حل لأزمة الليرة، قدم مكتب الأمم المتحدة للإغاثة الإنسانية في لبنان عدة سيناريوهات لإصلاح نظام سعر الصرف، ومحاصرة انتشار السوق السوداء، كان من بينها سيناريو الدولرة لفترة من الوقت حتى تنضبط السوق، ثم يعاد إصدار الليرة بقيمة جديدة، مثلما فعلت إسرائيل في منتصف ثمانينات القرن الماضي عندما تجاوز التضخم 500 في المئة، فتم وقف التعامل بالشيكل القديم وإصدار الشيكل الجديد الذي ما يزال معمولا به حتى اليوم. ومن المتوقع تخفيض سعر الليرة إلى ما يقرب من سعر السوق السوداء في مقابل الدولار، في إطار أي اتفاق قادم بين صندوق النقد الدولي ولبنان. وهو ما سيسفر عن هزة اجتماعية قاسية لذوي الدخل الثابت بالليرة.

لماذ ترتفع أسعار الخبز؟

الإنفاق على شراء الخبز يلتهم حاليا ربع ميزانية الأسرة الفقيرة في لبنان. وعلى الرغم من أن الحكومة تقول أنها تدعم الخبز والأدوية والسلع الأساسية للمحافظة على استقرار أسعارها، فإن واقع الحال يظهر غير ذلك. ففي كانون الثاني/يناير الماضي قررت الحكومة رفع سعر ربطة الخبز وزن 1000 غرام بنسبة 50 في المئة إلى 2250 ليرة من 1500 ليرة. ثم عادت وزادت سعر الربطة في شباط/فبراير إلى 2500 ليرة مع تخفيض وزنها إلى 930 غرام. وفي شهر اذار/مارس قررت زيادة سعر الربطة إلى 3000 ليرة وتخفيض وزنها إلى 900 غرام. الحكومة تقول ان أسعار القمح العالمي ارتفعت، مما أدى بها إلى زيادة أسعار الطحين للمخابز، وكذلك الأمر بالنسبة لأسعار الوقود.
في الوقت نفسه فإن المخابز تلجأ إلى تغيير الوزن، ومن ثم إعلان أسعار مختلفة عن تلك المحددة بواسطة الحكومة. كذلك فإن أصناف مصنعات الطحين الأخرى ومنتجات المخابز مثل المناقيش ارتفعت أسعارها بنحو ثلاثة أضعاف أو أكثر. ويقول أصحاب المخابز أن كل التكاليف الأخرى التي تدخل في إنتاج الخبر مثل الزيت والنقل والأجور قد زادت، وهو ما يبرر زيادة أسعار الخبر بصرف النظر عن السعر الذي تحدده الحكومة.

لماذا عجزت الحكومة عن سداد الديون؟

اعتمدت الحكومة اللبنانية لسنوات طويلة على الاقتراض من الخارج لتدعيم سعر الليرة لدى البنك المركزي، وهو السعر الذي يتربح منه المستوردون. ولم تستخدم هذه القروض في توسيع الجهاز الإنتاجي أو تعميق الاقتصاد وتنويعه، فظل في جوهره اقتصادا ريعيا خدميا لا ينتج قيمة مضافة كافية يمكن أن تساعده على سداد تلك الديون. ومع تدهور الحال من سيئ إلى أسوأ بتعرض العالم لفيروس كورونا، فقد توقفت السياحة تقريبا، وانقطعت السبل بالمغتربين، فلم يعد منهم للزيارة غلا نسبة قليلة، ومن ثم فإن تدفقات العملة الأجنبية تأثرت سلبا، مع تراكم الديون، ونقص العملات. ولم تفلح محاولة البنك المركزي لتدبير موارد محلية، خصوصا مع ارتفاع تكلفة خدمة الديون الخارجية إلى ما يعادل 97 في المئة من الإيرادات الضريبية خلال الفترة منذ العام 1994.
وتقدر قيمة الديون الخارجية المستحقة على لبنان بحوالي 91 مليار دولار بنهاية العام الماضي، منها سندات دولية بنسبة 94 في المئة، وهو ما يجعل مهمة إعادة جدولة الديون صعبة جدا. وقد عجزت الحكومة اللبنانية في العام الماضي عن سداد ديون مستحقة بقيمة 4.4 مليار دولار. وخلال الفترة منذ اذار/مارس من العام الماضي حتى الآن لم تحقق المالية العامة للدولة في لبنان تحولا حاسما في اتجاه زيادة الموارد، بل إن استمرار تدهور سعر الصرف ينبئ عن أن الأمور الآن هي أشد سوءا من العام الماضي. وليس من المتوقع أن تتمكن الدولة من تدبير موارد كافية لسداد ديونها الخارجية، ما لم يتم تشكيل حكومة جديدة توقع اتفاقا مع صندوق النقد الدولي يمنح لبنان رخصة جديدة للاقتراض والعودة إلى أسواق المال العالمية.

المساعدات الملاذ الأخير

أقرب الحلول المتاحة في الوقت الحاضر تنبع من الخارج وليس من الداخل. وقد طلبت الحكومة اللبنانية في ايار/مايو 2020 مساعدة صندوق النقد الدولي للخروج من الأزمة. وبالفعل بدأ الصندوق إعادة دراسة الوضع الاقتصادي تمهيدا لعقد مؤتمر دولي لمساعدة لبنان بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وطبقا لبيانات صدرت عن الصندوق فإن الخطوة الأولى لأي إصلاح مقترح تتمثل في القضاء على الفساد وتشكيل حكومة مسؤولة، تعمل لمصلحة المواطن أولا، وتسعى لإعادة بناء الاقتصاد على أسس وقواعد التنمية المستدامة وتحقيق العدالة وتوفير فرص العمل. وتضمنت المقترحات الأولية للصندوق تخفيض الإنفاق العام وزيادة الإيرادات الضريبية، بما فيها الضرائب غير المباشرة على السلع، وتخفيض حصة المرتبات في الميزانية وخصخصة الخدمات وإلغاء دعم الوقود والكهرباء وتجميد التعيينات في أجهزة الدولة. وكشف الصندوق عن وجود تضارب في الأرقام التي قدمتها الحكومة عن التدفقات النقدية في القطاع المصرفي، الأمر الذي جعل إصلاحه بما في ذلك المصرف المركزي والمصارف التجارية ضرورة ملحة ترافق الإصلاح الحكومي.
ومن المثير للدهشة في الحالة اللبنانية أن المسؤولين وعلى رأسهم قيادات الرئاسات الثلاث، الجمهورية والحكومة والبرلمان، يتفقون على وجود فساد واسع النطاق في كل أجهزة الدولة، لدرجة ان رئيس الجمهورية ميشيل عون قال في خطاب تلفزيوني في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2020 «وصل بنا الأمر إلى أن أصبح الفساد مؤسساتيا بامتياز ومتجذرا في سلطتنا ومؤسسات وإدارتنا» وأضاف على الرغم من ذلك أن الإصلاح أصبح «مجرد شعار يكرره المسؤولون والسياسيون وهم يضمرون عكسه تماما».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية