سيظل لبنان عالقا بين مخاوف نخبته التي لا تريد أن تستسلم ومطالب الخارج
في ظل الأزمة المتصاعدة في لبنان خرج زعماء البلد في الفترة الأخيرة بعدة تصريحات مثيرة بحد ذاتها ومعبرة عن المصير الذي يواجه البلاد، فميشيل عون، الجنرال السابق ورئيس لبنان أخبر قناة الجديد أنه يخشى من الفوضى ووعد بإعادة لبنان كما تسلمه لكن بثمن باهظ، واستعار رئيس البرلمان، نبيه بري حكاية سفينة تياتينك وشبهه بالسفينة الغارقة (وهو كلام قاله وزير خارجية فرنسا إيف جان لودريان في كانون الأول/ديسمبر الذي قال إن لبنان سفينة تياتنيك ولكن بدون أوركسترا). وبالنسبة للنخبة فالمشكلة هي تشكيلة الحكومة التي يقوم رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، نفسه رئيس وزراء لثلاث فترات بمحاولة تشكيلها. وقد علق في جولات لا تنتهي مع عون حول تشكيلة الحكومة بدون نهاية. وعقد مع عون الذي يتأثر بصهره جبران باسيل أكثر من 18 لقاء.
ونحن هنا نتحدث عن لبنان الذي قضى برلمانه 11 عاما بدون أن يمرر ميزانية حكومية، ففي بلد عانى من حرب أهلية امتدت خمسة عشر عاما، بات يحكمه أمراء حرب تحولوا إلى ساسة واستبدلوا الزي العسكري بالبدلات وباتوا يمارسون لعبة طائفية وحكم عائلات. ولا أحد ينكر أن البلد في طريقه للهاوية وترفض نخبته السياسية التوافق على تشكيل الحكومة. ويتعب الواحد وهو يعدد أزمات لبنان، من انهيار النظام المصرفي إلى فقدان الليرة اللبنانية نسبة 90 في المئة من قيمتها أمام الدولار، تداعيات وباء كورونا، وانقطاع التيار الكهربائي المستمر وغياب المياه الصحية والمواد الأساسية والتي إن توفرت تباع في السوق السوداء أو تهرب مرة أخرى للخارج. وبين جشع الساسة والتجار وجد لبنان نفسه يتقدم وبشكل سريع نحو الهاوية. وبات نصف سكانه الذين كانوا من الطبقة المتوسطة، يعيشون تحت خط الفقر وبحسب تقديرات البنك الدولي فالنسبة تصل إلى 55 في المئة أما صندوق النقد الدولي فقد قدر نسبة تقلص الاقتصاد العام الماضي بـ 25 في المئة ووصلت نسبة الإنكماش في هذا العام 10 في المئة من مجمل الناتج المحلي العام. والغريب أن النظام المصرفي الذي أقرض نسبة 70 في المئة من أرصدته لدولة مفلسفة يحرم على المودعين الحصول على أموالهم إلا بنسبة معينة، ومن يريد زيادة عليه الدخول في لعبة بيروقراطية وتقديم أوراق تثبت للبنك أين سينفق الدولارات التي سيسحبها من حسابه، وبالضرورة فقد تحول المودع متسولا للحصول على ماله الخاص.
قادة السفينة
والملاحظ أن قادة لبنان وزعماء الطوائف والمصرفيين وزعماء الميليشيات السابقين يزعمون أنهم يحاولون إنقاذ السفينة من الغرق لكنهم ومنذ عامين يعملون على منع كتلة الجليد التي أصابتها من الوصول إليهم لا البلد. ولبنان اليوم يعاني من أزمات مركبة أضيف إليها في 4 آب/أغسطس 2020 أزمة كبرى قضت على ما تبقى من حياة في اقتصاد لبنان، وهو انفجار مرفأ بيروت الذي كان أضخم انفجار غير نووي سجل ودمر أحياء في العاصمة وتردد صداه في جزيرة قبرص التي تبعد عن لبنان 150 ميلا. ورغم استقالة الحكومة التي يترأسها حسان دياب إلا أن التحقيقات الاستقصائية كشفت عن معرفة الحكومة والقضاة والأمن بوجود كميات ضخمة من نترات الأمونوييوم في عنبر 12 من الميناء والتي ظلت فيه لمدة سبعة أعوام بدون نقلها أو حتى تأمينها. ولم يصدر الإطار العدلي حتى الآن أي حكم أو نتائج تحقيق في الانفجار ما يعني أن شركات التأمين لن تدفع تعويضات للمتضررين. واللافت في الأمر أن لبنان في غياب الحكومة كراع وموفر للخدمات الأساسية والأمن تحول إلى بلد يجب على سكانه الاعتماد على أنفسهم، فالنخبة والحكومة لا يريدون تحمل المسؤولية ويحاولون منع أي خطوة تجردهم من امتيازاتهم والحفاظ على مراكزهم. وكشف تقرير كتبته رانيا أبو زيد في مجلة «ذي أتلانتك» عدد نيسان/إبريل كيف عانت وهي تحاول إصلاح ما دمره الانفجار في شقتها. واكتشفت في العملية ما يواجه لبنان في الحقيقة وهو غياب الدولة، وكيف نهضت جمعيات تطوعية لمساعدة المتضررين، فيما تطوع صاحب شركة أقمشة معروفة في المدينة بتوفير الستائر لمن أصلحوا نوافذهم. ولكن العمل الطوعي والأهلي له محدداته، فالدمار بالمليارات وليس بمقدرة الشعب وحده القيام بالمهمة في غياب الحكومة أو السلطة المسؤولة.
لا يريدون
ولكن عرابي السلطة في البلد كما يقول ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (31/3/2021) لا يريدون حكومة فاعلة بل حكومة يتحكمون بها، وهو ما يفسر الخلاف بين عون وصهره المدعومان من حزب الله والحريري حول طبيعة من يتولى الوزارات، يريدون حكومة غير عملية وليس تكنوقراط ولا يريدون التعاون بجدية مع خطط الإنقاذ التي عرضها عليهم صندوق النقد الدولي. وكانت الدول المانحة بقيادة فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا قد عبرت عن استعداد لتقديم الدعم لحكومة تلتزم بالإصلاح، إلا أن الطبقة السياسية ترفض تشكيل الحكومة، خوفا من فضح اختلاساتها العامة. وأضاف غاردنر أن حزب الله يريد شراء الوقت وانتظار ماذا سيحدث بين إدارة الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن وإيران فيما يتعلق بملف الأخيرة النووي. وهو لا يريد تعريض تحالفه المسيحي للخطر أو يخاطر بسلطته. وقال مسؤول على اتصال دائم مع عون إنه «غير مستعد لتقديم أي تنازل على الإطلاق» وطالما ظلت العقوبات على باسيل التي فرضتها الولايات المتحدة عليه العام الماضي لعلاقاته مع حزب الله والفساد. ولكنك «لا تستطيع العثور على حل لأزمتنا بدون صندوق النقد الدولي» و «هو جواز سفرنا إلى المجتمع الدولي والأسواق المالية». وقال حليف لرئيس الوزراء المكلف الحريري ولكن بصورة أكثر قتامة «هم يقومون باحتجاز البلد كرهينة ويقولون: دعنا نرى لو استمرينا لمدة أطول، ولا أحد يعرف نقطة الانهيار».
لبنان والمنطقة
وهناك من يخشى ألا يترك انهيار لبنان أثره على سكانه البالغ عددهم 6.8 مليون نسمة منهم 1.5 مليون لاجئ بل وعلى المنطقة بشكل عام. فلطالما ظل لبنان «سويسرا الشرق الأوسط» ومركزه المالي حيث ظلت مصارفه المكان المحبب لتوفير الخدمات المالية للدول ورجال الأعمال. وفي مقال نشرته الصحيفة الألمانية «دويتشه فيله»(1/4/2021) أشارت فيه إلى التداعيات التي تركها انهيار المصارف في لبنان على دول المنطقة.
ويقدر الاقتصاديون اللبنانيون أن المصارف في البلاد مدينة بحوالي 90 مليار دولار ولهذا قامت منذ 2019 بالحد من عمليات سحب الودائع المالية والتحويلات المالية وبخاصة بالدولار. ولدى كل لبناني قصته الخاصة عن الضرر المالي الذي تسببه السياسات المصرفية في وقت استمرت العملة اللبنانية تنهار أمام الدولار. وتساءلت الصحيفة إن كانت مشكلة لبنان تنذر بما حدث لليونان المدينة التي أثرت على أوروبا في وسط الأزمة المالية العالمية عام 2008. وهناك إشارات عن ملامح تداعيات الأزمة اللبنانية، ففي العام الماضي ألقى رئيس سوريا بشار الأسد الأزمة المالية التي تواجهها بلاده على أزمة لبنان المالية، فسوريا تحتفظ في بنوكها بما بين 20-42 مليار دولار أمريكي، وكانت تعتمد عليها لاستيراد المواد من الخارج. وفي اليمن قدر مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية أن نسبة 20 في المئة من احتياطي العملة الصعبة اليمني، حوالي 240 مليون دولار عالق في المصارف اليمنية. أما في منطقة الحكم الذاتي الكردية، شمال العراق فقد علق لها مليار دولار أمريكي في «مجموعة البحر المتوسط» (بنك ميد). ومن المستبعد أن تقوم هذه المصارف بدفع الأموال للمودعين. وفي أب/أغسطس 2020 أصدر المصرف المركزي «بنك لبنان» أمرا للبنوك المحلية طلب فيه منها بزيادة رأسمالها بنسبة 20 في المئة، وهذا يشمل الأرصدة والأسهم والأموال النقدية التي في حوزتها وإن لم تستطع فستصادرها الحكومة أو تخرجها من السوق. لكن الموعد في شباط/فبراير 20121 حل ولم يحصل تجميد أو زيادة رأسمال المطلوبة، تقريبا 4.1 مليار دولار، مع أن بعض البنوك أجبرت على بيع شركات تابعة لها في مصر والأردن واستغنت عن عاملين في القطاع المصرفي الذي يوظف حوالي 25.000 شخص. ولسنوات طويلة جذب لبنان المودعين لعدة أسباب منها قوانين السرية المشددة والإعفاء الضريبي وسعر الفائدة الذي عرضته المصارف المحلية على الدولار للمودعين والتي كانت مبالغة في معظم الأحيان. وذكرت المجلة المتخصصة «انترناشونال بانكر»: «شهدت الفترة التي تبعت الأزمة المالية تحول لبنان كواحد من الدول التي عرضت على المستثمرين أسعارا مغرية بالمقابل وهو ما جعل هذا البلد الصغير في الشرق الأوسط جذابا للمستثمرين الأثرياء حول العالم». ووصف خبراء هذا النظام بأنه يشبه حيلة «بونزي» حيث يتم استقراض الأموال الجديدة لدفع الدين القديم. ولهذا السبب انتهى لبنان لأن يصبح من أعلى الدول دينا في العالم مقارنة مع معدلات الناتج المحلي العام. وهذا مقارنة مع ما ينتجه البلد، أو مجمل الناتج المحلي وقدرته على دفع ما يدين به. ووصلت النسبة في العام الماضي 172 في المئة وبالأرقام، حيث كسب لبنان 18 مليار دولار ولكنه مدين بـ 93 مليار دولار. ويرى خبراء أن تداعيات الأزمة في لبنان تظل محلية، فرغم تضرر شركات وأفراد غير لبنانيين وتضرر سوريا إلا أن محللين يستبعدون سيناريو اليونان والاتحاد الأوروبي. ولأن البنوك اللبنانية باعت شركاتها التابعة في الدول الأخرى فهذا يعني أنها باتت معزولة ومنفصلة عن النظام العالمي. وسيظل لبنان عالقا بين مخاوف نخبته التي لا تريد أن تستسلم ومطالب الخارج، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تقول إنها لن تقدم حزم إنقاذ بدون إصلاحات جذرية، وكلما استمرت الأزمة كلما زاد منظور الانهيار الكامل للبلد. وقد تكتشف النخبة المنشغلة بنفسها إن انهيار لبنان يعني عدم بقاء شيء لديها لكي تمارس سلطتها عليه. وشهد لبنان في أواخر 2019 ثورة شعبية طالبت بالتخلص من النخبة الفاسدة وإنهاء نظام المحاصصة الطائفية، وهي وإن نجحت بتغيير الحكومة إلا أن ازمة البلد بنيوية وجيلية أيضا، أي بين رجال أكل الدهر عليهم وشرب وجيل يريد بناء لبنان للجميع.
أزمة سياسية وليست إنسانية
وترى حنين غدار في مقال نشره موقع معهد واشنطن (22/3/2021) أن لبنان لا يحتاج إلى تشكيل حكومة أو توفير البطاقات التموينية لسكانه ولكن لعملية سياسية توحد المعارضة وتوقف الهيمنة الإيرانية. وأشارت إلى خطاب قائد الجيش العماد جوزيف عون الذي ألقاه في 8 آذار/مارس وعبر فيه عن أسفه للوضع البائس الذي تواجهه المؤسسة وجنودها. وحمل خطابه رسائل ضد النخب الحاكمة التي اتهمها بخفض الميزانية للجيش. والجيش اللبناني رغم ما شاب سجله من ناحية التعاون مع حزب الله وتنصله من مسؤولية اعتقال الإرهابيين والمجرمين المدانين الذين يحميهم حزب الله إلا أنه تمكن من الحفاظ على بعض الاستقلالية. وأشارت إلى تغير الدينامية بينه وحزب الله، وبخاصة بعد فرض العقوبات على باسيل، مما قلل من فرصه لأن يصبح رئيسا في العام المقبل. وفي ظل الوضع الحالي يتوقع الكثيرون أن يتدهور الوضع الأمني الداخلي في لبنان، لذلك من المرجح أن يضطر الجيش إلى تحمل عبء الحفاظ على الاستقرار واحتواء الفوضى في الشوارع. ومع ذلك، فإن قدرته على الوفاء بهذه المهمة غير مؤكدة الآن لأنه يواجه ضغوطاً متزايدة على صعيدي السياسة والميزانية. وفي غضون ذلك، تبددت آمال حزب الله في الحصول على زيادة سريعة في التمويل الإيراني، بسبب النهج الحذر الذي تتبعه إدارة بايدن إزاء العقوبات على طهران، لذلك قرر على ما يبدو أن إدارة أزمة لبنان أفضل من حلها. ولا يزال حزب الله يسيطر على العديد من مؤسسات الدولة (الرئاسة، ومجلس النواب، ومعظم الوزارات) بالإضافة إلى كافة المعابر الحدودية. وكنتيجة لذلك، يمكنه الاستمرار في جني الأرباح من تهريب البضائع والعملة والأسلحة لبعض الوقت، مع استخدامه مؤسسات أمن الدولة للسيطرة على الاحتجاجات وتوجيه أجهزته الإعلامية لإدارة دفة الحديث ضدّ معارضيه. وتفيد بعض التقارير بأن التهريب المستشري يكلف الدولة أكثر من 4 مليارات دولار سنويا، إلا أن حكومة تصريف الأعمال التي يسيطر عليها حزب الله لن تسمح للبنك المركزي برفع الدعم طالما أنه يغذي باستمرار خزائن الحزب. وفي النهاية فالتعامل مع الأزمة على أساس كونها مشكلة إنسانية أو اقتصادية بحتة لن يؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار الاجتماعي الوشيك. وما يحتاجه البلد أكثر هو العمل السياسي الذي يتصدى للفساد العميق الجذور والمشاكل المالية.